24 September,2018

إعــــلام فـــــرنـسـا وإعـــــلام لـبــــــنـان

 

 

 

 

 

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

مَنْ تابع تغطية الإعلام الفرنسي للفيضانات التي شهدتها فرنسا أواخر أيار/ مايو الفائت، أيقن أن الحضارة لن تغرق يوماً والرقيّ لن يتأثر بخسائر…

ومَنْ قارن بين التغطية الفرنسية المهنية والمسؤولة والهادئة لارتفاع منسوب مياه نهر <السين> وما تسبّبت به الأمطار التي لم تشهدها فرنسا منذ عشرات السنين، وبين التغطية المضطربة لأول زخّة مطر في لبنان، أيقن بما لا يدعو للشك أن إعلامنا غير سليم، وأكثر من ذلك، أنه مصاب بمرض لبنان وتوتر لبنان فيما يُفترض به أن يكون مسعفاً ومتجاوزاً مقولة مرآة المجتمع…

نعم، فإذا كانت القيادات السياسية غير جديرة بقيادة البلد، فعلى الإعلام أن يتجاوز هذه المقولة ويتحول الى رأس حربة في إعادة بناء البلد، خصوصاً أن ثقافة السلام صعبة. ونحن وصلنا الى هذه الحال بسبب التنافس المتفلّت من الضوابط. فبعض الوسائل الإعلامية هي عبارة عن مؤسسات تجارية ناطقة تتسابق على حساب الحقيقة وتغامر بالنقل المباشر الذي يؤذي الناس في الكثير من الأحيان ويأتي على حساب دقة الخبر، فتضطر أحياناً – هذا إذا امتلكت الجرأة – الى تصحيحه.

كل ذلك من أجل الـ<Rate> أو ما يُعرف بمعدل المشاهدة والمشاهدين.

وبدل أن يشكّل الإعلام سلطة رابعة في مقابل السلطات الرسمية الثلاث، حوّل الواقعين السياسي والإعلامي الى جزر متقابلة.

وفي حين خلت مرحلة ما قبل العام 2005 من تشنجات كبرى، حوّل تفجّر الأزمات المتلاحقة على مدى أحد عشر عاماً معظم وسائل الإعلام الى ساحة يتساجل فيها السياسيون ومعهم جزء من الإعلاميين المنتمين الى خطهم ووسائل إعلامهم بتشنج وتوتر شديدين، حتى أن البعض تبارى في اتهام الإعلام بلعب الدور الأول في إذكاء الفتن بين المواطنين على الأرض، وأسرع بعض الإعلام الى اتهام بعضه الآخر بالكذب والافتراء ساعياً الى ضرب صدقيته وصدقية الفريق الذي يمثله.

وما جرى منذ أسبوع على أرض غزير في أثناء نقل مباراة كرة السلة بين فريقي الرياضي والحكمة، لم يكن ينقصه في نشرة الأخبار المسائية سوى نقل عبارات لناشطين على <الفيسبوك> تقشعر لها الأبدان وتوقظ وحش الفتنة.

كله من أجل الـ<Rate> ومن أجل الـ<Rate> الملك، نحن المشاهدين مرغمون على:

1 – تغليب الشكل على المضمون، وتقبّل الأخطاء وليس أقلّها اللغوية.

2 – تقبّل البرامج السطحية والمنافية للأخلاق أحياناً والتقاليد اللبنانية أحياناً أخرى والثقافة والذوق كل الأحيان.

3 – الاستماع الى المشاكل الشخصية لمالكي المحطات ومتابعتها بدقة.

4 – الانخراط في لعبة الابتزاز للمصالح الخاصة (كتزفيت طريق على سبيل المثال).

5 – الانحياز الى لعبة الصراع المحلي والإقليمي والدولي.

6 – تبديل الاتجاهات مع تبدّل مصادر التمويل للمحطات.

7 – التفاعل مع الخبر العاجل الفارغ المضمون والقيمة في معظم الأحيان (كتوقيف ممرضة عن العمل أو إقفال ملحمة على سبيل المثال).

8 – متابعة الأخبار المحلية لبلدة أو قرية صاحب المحطة.

9 –  التأكد كل يوم من إتمام عملية تشليع أو تدمير ما تبقى من مؤسسات إعلامية رسمية عبر تعيينات <مدروسة ونظيفة> وعملاً بمبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، الرجل الكفوء والصادق وغير المحسوب على أحد.

إن ثقافة الإلغاء التي زُرعت في مجتمعنا منذ أكثر من ثلاثة عقود أنتجت أحقاداً وكراهية وغضباً لا حدود لها، والمشكلة الكبرى في واقعنا الإعلامي أن الأطر الموضوعة في بنود القانون المرئي والمسموع والمحدّدة بشروط الترخيص لم تكن كافية لتنجو الساحة الإعلامية من توزعها عملياً بين قوى سياسية وطائفية أساسية، وانسحب هذا التوزيع السياسي على الإعلاميين العاملين في هذه الوسائل.

حزين وطننا لبنان، ونكرر ما قلناه في محطة سابقة: <من قديم كانت الكلمة المكتوبة أغلى صناعة صنعها واليوم أصبحت الكلمة المسموعة أرخص صناعة يصنعها>.

وفي انتظار غدٍ أفضل ومشرق سنبقى مضطرين ومرغمين على تلقّي ما لا قدرة لأي بشري على تحمّله، وإلا فلنطفئ الشاشة، لعلّ هذه أنجع الحلول…