16 November,2018

إعـــــــــــلام لـــبــــــــــــنــان

بقلم سعيد غريب

SAM_5208ما يمرّ على شاشاتنا لا يقل خطورة عما عرضته ميريام كلينك في <إنتاجها> الجديد، فإطلالات <المفقّسين> الجدد وما يحملونه من <إنتاجات> ومقابلات خطيرة وتافهة في آن، كفيلة بتدمير مجتمع بكامله.

فهؤلاء، بل معظمهم، وبالتواطؤ مع القيمين على شاشاتنا، ينقلون الى بيوتنا كل سموم المجتمعات الهابطة، ويحاضرون في العفّة، وينتقدون <كليباً> هابطاً حرصاً على ذوق الناس وأخلاقها ومستقبل أولادنا وأولاد أولادنا.

هؤلاء، من يكونون؟ ومن أرسلهم ووضعهم أمامنا لتلقي نصائحهم ومشاهدة أجسادهم وأجسادهن وكأننا امام عرض عالمي للأزياء؟

هل يعلم المشاهد أن مشاكل بعض هؤلاء الخاصة والعامة تفوق مشاكل المعروضات والمعروضين؟ وهل يعلم أنه وقبل إطلالات هؤلاء كانت برامج جان – كلود بولس وعادل مالك وليلى رستم وايلي صليبي ورياض شرارة ونجيب حنكش وفؤاد افرام البستاني ومي منسى ونهى الخطيب سعاده وغابي لطيف، تؤنس الناس وتنير عقولها؟

هل يعلم جيل اليوم، أنه وقبل جسد فلانة وفلان بالتأكيد، كان هناك شعر وصحافيون حوّلوا المقاهي منابر والأرصفة قصائد، وقبل هؤلاء السياسيين <الجدد> كان الاخوان رحباني وزكي ناصيف ووليد غلمية وروميو لحود ومحمد شامل وشوشو يبنون لنا وطناً عفيفاً هادئاً؟

أيها الآباء وأيتها الأمهات، رجاء تذكّروا أولاً وحاولوا أن تقنعوا أولادكم ثانياً بأن هذا الوطن لا يشبه في شيء ما كان عليه قبل اثنين وأربعين عاماً. قولوا لهم إن الفساد لم يكن مستشرياً كما هو عليه اليوم، وأن السعي وراء الفساد لا يجلب إلا القلق وعذاب الضمير وشراء الملذات بمال حرام وغير مستحق!

اعرفوا بأن الشاشات تحوّلت الى مؤسسات تجارية ناطقة لا تبغي سوى الربح والمنافسة غير المنضبطة وتسميم العقول والأخلاق.

نقول، وبالإذن من الديموقراطية التي تحوّلت زائفة في بلدنا الصغير، بأن الكلمة النهائية يجب أن تكون لدولة <نظيفة وديموقراطية> في كل ما يتعلق بالبرامج السياسية أو التوجيهية أو الإرشادية أو الفنية، لأن الشركات الخاصة مهما كانت حريصة على المصلحة العامة، فإنها لا تخرج عن كونها شركات تمثل مجموعات لها مصالح وميول خاصة، ولا تستطيع بالتالي التوجيه أو الإرشاد والقيام بالمسؤوليات الدقيقة والضخمة في هذا المجال الواسع، وخصوصاً في بلد كلبنان تنخره الطائفية والمذهبية وينخره الفساد.

وإذا عدنا الى الوراء أربعة عقود تقريباً، لأدركنا صحة ما توقعه بعض الحكماء، فبُعيد انتهاء ما عُرف بحرب السنتين، أي في أواخر العام 1976، وكانت وسائل الإعلام المسموعة بدأت تفرّخ كالفطر، اجتمع رئيس الحكومة آنذاك الدكتور سليم الحص بمؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل وطلب منه إقفال <إذاعة صوت لبنان> مع ضمانات بأن تسبقها في الإقفال إذاعة <صوت لبنان العربي>، وقال له: <إن وجود الإذاعات الخاصة هو مظهر من مظاهر التفكك والانهيار التي لازمت حرب السنتين وسيكون لتغييب هذه المظاهر أطيب الأثر في نفوس المواطنين الذين يتوقون الى عودة مظاهر الشرعية كاملة. يضاف الى ذلك ان الترخيص لطرف ما سوف يستتبع حتماً الترخيص لأطراف أخرى، ما يؤدي الى نشوب ما يشبه الحرب الإعلامية عبر الأثير، وليس في ذلك أي مصلحة مع انبلاج عهد جديد (بداية عهد الرئيس الياس سركيس) يرجو الجميع أن يكون عهد سلام مقيم…>.

وردّ الشيخ بيار وفق ما ورد في كتاب الرئيس الحص <زمن الأمل والخيبة <بأن <صوت لبنان> يسلك سياسة إعلامية إيجابية، فلو تسمعه هذه الأيام فإنك تلاحظ أنه يدعو الى المحبة والوئام والالتفاف حول السلطة الشرعية>، فقال له الحص: <أنتم أولاً وأخيراً حزب، وقد تكونون إيجابيين يوماً وسلبيين يوماً آخر، تبعاً لما ترونه من مقتضيات سياسية، لذلك أرجو أن تتفهّم إصراري على ضرورة إقفال الإذاعة>، <فافترقنا على وعد منه بالنظر في الموضوع وإعطائي جواباً خلال أربعة أيام أو خمسة على أبعد تقدير>.

تلبّدت الأجواء السياسية من جديد وانفجر الوضع في العام 1978 واستمر الوضع على حاله الى أن انبثق من <اتفاق الطائف> قانون المرئي والمسموع مع انتشار الموجات الإذاعية والشاشات والبث المباشر بأخطائه وخطاياه والنصوص الملغومة والفنون غير الجميلة… ثم يستنكرون مشدوهين: <إنهم يتطاولون على الحريات الإعلامية>…

المهمة صعبة ويجب أخذ جانب كبير من الحيطة والحذر، فالفلتان لا يزال قائماً والأدوات غير فاعلة بعد.

فكيف يمكن تطبيق <قانون المرئي والمسموع> على علاّته إذا كان تطبيق القانون العام متعذراً على الخاص والعام؟

لبنان أصبح بلداً صعباً جداً ومعقّداً جداً، فمن أين سيأتي الإنقاذ وكيف؟

يبدو أننا مقبلون على أيام صعبة!