14 November,2018

إعـتـرافــــــات امـــــــرأة... خــبـيـثــــــــة  

بقلم كوزيت كرم الأندري

cosette11-----6

أهلا بالصحافيــــــــــــــة، يخلّيلنــــــــــــــــــا هالضّحكــــــة!>. أبــــــــو طــــــوني، كالكثير من أبناء جيله، ينادي زبائن متجره الصغير بأسماء مهنهم. <كيفك حكيم؟>، <أهلا بالممثل العظيم!>، <وْلِك ملك الألوان إنتْ> (للمصفف النسائي)، <أهضم معلّمة والله!>… لطالما انزعجت من هذه الدعايات <عاللبناني> التي لا أجد لها مبرراً، لاسيما حين يروح المحيطون بي يتأملونني علّهم يشعرون بأهمية مجاورتهم لوجه تلفزيوني، ولو لبضع دقائق في دكّان.

ــ <آ… حضرتك صحافية؟>

ــ نعم

ــ <يعني بتطلعي عالتلفزيون؟!>

ــ (كدتُ أضحك)… سابقا نعم. <اليوم صرت أطلع عالتّتخيتة لنزّل شجرة العيد، وبرجع بطلع لَرِدّا>

ــ (تضحك… بتحفّظ. تراها احتارت ما إذا كان تعليقي هذا نابعا من خفة ظلي، أم من ثقله!)

أردفتُ منعاً لإحراجها أكثر:

ــ أعمل اليوم في الصحافة المكتوبة.

ــ آ… (تَصفُن)

ــ <شو عِنّا مدام؟> يسأل أبو طوني باستعجال.

شكرتُ ربّي لِكَوني لم أشترِ سوى عصير الأناناس، كي لا يطول وقوفي أمام صندوق المحاسبة.

خرجنا من المتجر في الوقت عينه تقريبا، وما إن بتنا خارجه حتى تابَعَتْ حديثها معلقةً:

ــ <إنّو إنت بتكتبي بالجريدة؟>.

ــ نعم، وأحيانا في إحدى المجلات للتعبير عن آرائي في مقالة خاصة، بعيدا من الروبورتاجات والمقابلات.

ــ <آ… حلو… نيالك…>

ــ علامَ؟ (سألتها مبتسمة)

ــ لأنك تستطيعين أن تعبّري عن أفكارك. (ثم سأَلَت مترددة) <ما فيكي مثلا تعبّري عن أفكار حدا تاني…؟>

ــ (مبتسمة أيضا) <فيي، إذا أفكارو استفزّتني>

ــ <بْتُطلعي نشرب قهوة ونحكي شوي؟ بْشَرَفك بمبسط فيكي، أنا ساكنة هون بالوِجّ، فَشخة!>

إنهمرت بالكلام، كما لو أنها حُرِمت منه سنوات. أرى، من النافذة خلفها، الشمس تغيب في البحر. تجتاحني كآبة كتلك التي لا نعرف لها تفسيراً. فكّرت محلّلةً. أظنها تتحدث بسرعة لـ<تتقيّأ> كل ما يضعضع ضميرها قبل وصول زوجها من عمله.

رحت أكتب في عتمة الليل والمشاعر:

أعذرني، يا حبيبي

وكم من كلمة <أعذرني> يلزمني لأغسل بها وجهك المبتلّ بمياه مجاري أحاديثي عنك مع الأصحاب…

كم من كلمة <أعذرني> يلزمني لأرمّم روحك التي قطّعتُها إرباً إرباً…

كم من كلمة <أعذرني> يلزمني لألملم أشلاءك المبعثرة هنا وهناك، بفعل شظايا انفعالاتي…

كم من كلمة <أعذرني> يلزمني لأعيد لك غشاء نقاوتك الذي اغتصبته بأبشع أدواتي الأنثوية (وحدها الأنثى تعرف عمّا أتكلم…).

عايرتك مرارا بما لا تملك، ولم أنحنِ يوما أمام مقتنياتك النادرة.

وبّختك تكرارا على ما لم تحقّق، ولم أشِد يوما بما سعيت إليه.

قارنتك بأبي معددة مزاياه التي تفتقدها، وأخفيت عنك ويلاته التي عانت منها أنثى مثلي… إسمها أمي.

إنتقدتُ تعلّقك بوالدتك… وتبجّحتُ بذوبان ولدي بي.

أزعجني قربها منك… وتباهيت بالتصاقي به، إلتصاقَ الوشم بالبشرة.

وضعت أخطاءك الصغيرة تحت المجهر… وأسقطت من حساباتي ميزاتك العظيمة.

أعذرني. أعذرني. أعذرني على خبثي!

 وصلنا، أخيراً، إلى الجمعة. إنه يومي المفضل منذ أيام الدراسة، لوقوفه على بُعد خطوة واحدة من الحرية. إشتريت المجلة من أحد الأكشاك على الطريق. عادة قديمة أحملها معي منذ أيام صحافة الورق، قبل أن تكبس أزرار الإنترنت على أحلامنا المهنية…

ــ <ألو، عم دِقّلِك بكير يمكن، بس حبّيت قِلِّك إنو المجلة صدرت اليوم وفِيا المقال>

لم أسمع رداً.

بكاءٌ خافت يتصاعد، ثم ينفجر بشكل هستيري…

فارق زوجها الحياة قبل أربعة أيام، جرّاء ذبحة قلبية ألمّت به ليلاً.

تسمّرت على مقعد السيارة. صفنت في اللاشيء وأنا أقضم أظفاري بعصبية. دماغي معطل، إلا من فكرة واحدة: ليتني لم أعرف هذه المرأة قَطّ!!

عدت إلى البيت كالطائر المذبوح. مشيت نحو زوجي الذي يأبى أن يفارق كَنَبَته البيضاء، علّ بياضها يغلب سواد أيامه. يستمع بهدوء إلى موسيقى ألِفتها أذناي لكثرة سماعها. إنها <أرامل الفرح> لموسيقي فرنسي، خسر اثنين من أصابع يده اليمنى حين دهسته سيارة مسرعة وهو يتنزّه ليلاً على أحد أرصفة العاصمة الفرنسية. حسب شهود عيان، كان يدندن لحنا وعيناه مغمضتان… أعطيته المجلة. لم أتفوّه سوى بكلمتين: <الصفحة الأخيرة>.

هو يقرأ اعترافات امرأة، أرادتها لزوجها. يا لغرابة الدنيا وألاعيب القدر! تركته ودخلت أشرب عصير الأناناس المُحلَّى بالسكر، علّني أستعيد شيئا من عافيتي. كنت شاردة في أفكاري حين تذكرت، فجأة، إلحاح جاري الذي التقيته صباحا، بأن أنقل لزوجي دعوة إلى اجتماع لسكان البناية ليلاً. دخلت إليه بعد انتهاء كاسة الأناناس.

مسح خلسةً دمعة خالها خفية. أغلق المجلة بهدوء. نهض من مكانه. أطفأ الموسيقى. ثم دخل الغرفة، ونام…