25 September,2018

إعادة تفعيل العمل الحكومي محور اهتمام ومتابعة لكن تحقيقه يصطدم بـ”ضوابط“ يصعب تجاوزها!  

بري-الحوار جلسة الحوار الوطني الموسّع التي عقدت الأسبوع الماضي في عين التينة، وكانت آخر جلسة حوارية في السنة الراحلة، لم تسفر عن أي نتائج عملية على غرار الجلسات السابقة التي ظلت تدور في العموميات من دون نتيجة، باستثناء الاتفاق على عقد جلسة جديدة بعد بداية 2016. إلا ان القاسم المشترك الذي طغى على مداولات تلك الجلسة كان ضرورة تفعيل عمل السلطة التنفيذية، أي حكومة الرئيس تمام سلام، واخراجها من الجمود الذي أصابها منذ أشهر فما عادت تلتقي بانتظام، في ما عدا <جلسة ترحيل النفايات>، ولم تعد دعوات رئيسها الى إعادة الحياة إليها تلقى التجاوب المطلوب، فآثر الرئيس سلام إذ ذاك عدم الدعوة الى اجتماعات من دون التفاهم المسبق على المواضيع المدرجة على جدول الأعمال… وربما على القرارات سلفاً!

   ولعل ما جعل المشاركين في جلسة الحوار يتجهون الى الحديث عن ضرورة تفعيل العمل الحكومي، وصولهم الى قناعة بأن التعثر الذي أصاب <التسوية السياسية> بين الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية فتح الباب من جديد أمام العودة الى بث الروح في العمل الحكومي خصوصاً ان المعطيات دلت على ان لا امكانية راهناً للوصول الى نتيجة في الاستحقاق الرئاسي ما يفرض بث الحياة من جديد في جسم الحكومة السلامية التي أصيبت بالوهن منذ بروز أزمة النفايات في 17 تموز (يوليو) الماضي، مع ما رافق ذلك من تداعيات على أكثر من صعيد. وأتى كلام الرئيس نبيه بري حول الواقع الحكومي ليكشف عن وجود رغبة لا تقتصر على <تمنيات> للخروج من <ستاتيكو التعايش مع الفراغ الحكومي> بعدما تعايش اللبنانيون مع الفراغ الرئاسي منذ 25 أيار (مايو) 2014، لاسيما وان رئيس مجلس النواب يتطلع أيضاً لإعادة الحياة الى جلسات مجلس النواب خلال الربع الأول من السنة الجديدة وذلك من خلال التفاهم على فتح دورة استثنائية وعدم انتظار بدء الدورة العادية الأولى في منتصف شهر آذار (مارس) المقبل. وأرفق الرئيس بري رغبته بتفعيل العمل الحكومي بإشادة غير مسبوقة بدور الرئيس تمام سلام الذي قال انه <يبذل كل ما في وسعه> لطي ملف أزمة النفايات وما جرّته من مشكلات وإن انتهت الى الترحيل بعد عجز أفرقاء الحكومة عن التوصل الى حلول لها على الأراضي اللبنانية. وتساءل الرئيس بري أمام المجتمعين حول طاولة الحوار ألم يحن الوقت لضخ روح الحيوية من جديد في جسمي الحكومة والمجلس معاً إذا ما استمر التعثر في مسار الاستحقاق الرئاسي الذي لا يرغب الرئيس بري بأن يصبح <مألوفاً> على نحو يتم التأقلم معه لاسيما وانه تحدث عن عدم قبوله بـ<المساكنة> بين أزمات الشغور والفراغ والتعطيل.

 

تعددت الأسباب.. والغاية واحدة

 

   على خط مقابل، فإن مصادر حكومية متابعة أشارت الى ان الرئيس تمام سلام الذي أدرك ان تجميد عمل الحكومة طوال المدة الماضية وامتناعه عن الدعوة الى عقد جلسات للحكومة، بات اليوم مقتنعاً بأن الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء قبل أسبوعين وخصصت للبحث في ملف النفايات، لا يجوز أن تبقى <يتيمة> ولا بد من جلسات أخرى لوجود مواضيع ملحة تفرض معالجة سريعة بدلاً من الاستمرار في تأجيلها شهراً بعد شهر، لاسيما وأن الذين وافقوا على عقد جلسة للنفايات بإمكانهم أن يوافقوا على جلسات تخصص لدرس مشاريع مهمة تحتاج الى قرار من الحكومة. وفي هذا الإطار، قالت المصادر الحكومية نفسها لـ<الأفكار> ان معطيات عدة توحي بإمكان عودة الحياة الى مجلس الوزراء أبرزها الآتي:

ــ أولاً: توافق ممثلي الكتل النيابية على <تسهيل> بت مجلس الوزراء لملف النفايات على رغم الملاحظات التي أدرجها البعض حول <ملابسات> معينة رافقت تسعير عملية الترحيل عبر البحر، وبالتالي ان مثل هذا التوافق يمكن <استثماره> من جديد لغاية عقد جلسات متتالية لمجلس الوزراء.

توقيع مراسيم مجمدة منذ تموز!

ــ ثانياً: صدور العديد من المراسيم التي كانت مجمدة منذ شهر أيار (مايو) الماضي بعد توقيع جميع الوزراء عليها ومن أبرزها مراسيم ترقية الضباط في الأسلاك العسكرية ابتدءاً من الأول من تموز (يوليو) الماضي. وكانت هذه المراسيم قد جمدت منذ نهاية شهر حزيران (يونيو) الماضي بعد امتناع وزراء <التيار الوطني الحر> وحزب الله عن توقيعها. إلا ان صدور هذه المراسيم في منتصف كانون الأول (ديسمبر) الجاري أوجد انطباعاً انه عندما يتفق الأطراف على مسألة ما تزول الاعتبارات التي تحول دون تحقيقها، مهما كانت مبدأية أو أساسية. وفي اعتقاد المصادر نفسها ان مراسيم ترقية الضباط الذي أراح الكثيرين، لم يكن منفرداً بدليل صدور مراسيم أخرى كانت حتى الأمس القريب معلقة أو مجمدة بعضها يجيز نقل اعتمادات من احتياطي الموازنة بهدف تمويل الادارات والمؤسسات العامة في نفقات تراها ضرورية لانتظام العمل، والبعض الآخر لا طابع للعجلة فيه ومنها الترخيص للبنانيين باكتساب جنسيات غير جنسيتهم اللبنانية.

   ــ ثالثاً: بروز إرادة لدى ممثلي الكتل النيابية المشاركة في الحكومة على إعادة تفعيل مؤسسة مجلس الوزراء تحسباً من بديل قد لا يكون على مستوى الطموحات وما التوافق على تحرير مراسيم مثل نقل اعتمادات الى ادارات ومؤسسات معنية، أو إعطاء سلف لهذا الوزير أو ذاك، أو بيع فضلات عقارية من أملاك الدولة اللبنانية الى هذا المستفيد أو ذاك، إلا الدليل على ان قاعدة <امضيلي حتى امضيلك> مطبقة بنجاح بين الوزراء الذين يتبادلون الخدمات والمنافع. وفي هذا السياق، تقول مصادر حكومية انه كان لافتاً ان ثمة مراسيم صدرت لا تستند الى نظرية <المصلحة العامة>، بل هي ذات منافع شخصية لأصحابها من مثل السماح بتملك جنسية أو أكثر غير الجنسية اللبنانية، أو تمرير تلزيمات بشكل مشبوه يفسح في المجال أمام المنافع الشخصية، ناهيك عن مراسيم تثير النقاش حول مدى أهميتها لتعطي أولوية، فيما <تنام مراسيم أخرى أكثر أهمية في الأدراج ولا من يوقظها أو يحرّك تنفيذها>.

ــ رابعاً: تزايد الدعوات التي وجهها سفراء عرباً وأجانب الى رئيس الحكومة لإعادة احياء جلسات مجلس الوزراء والتخلي عن اصراره على عدم الدعوة طالما ان أزمة النفايات التي طالت وجدت طريقها الى الحل، ولم يعد من الجائز الاستمرار في ربط معاودة الجلسات الحكومية بهذا الملف، إضافة الى المواضيع التي أدت سابقاً الى تعليق الجلسات مثل التعيينات العسكرية وآلية عمل مجلس الوزراء لم تعد مطروحة بالحاح وتم تجاوزها عملياً في أكثر من مناسبة ومن غير المنطقي الاستمرار في التذرع بالتعيينات العسكرية لاستمرار التغيب عن مجلس الوزراء. وفي هذا السياق قالت المصادر الحكومية ان توقيع وزراء <التغيير والاصلاح> وحزب الله للمراسيم التي كانت جُمدت سابقاً وتم ربط توقيعها بتحقيق التعيينات العسكرية ووضع آلية لعمل مجلس الوزراء، سهّل صدورها وهي تحمل تواقيع الوزراء الذين اعترضوا بالأمس عليها!

 

سلام-المشنوقموافقة <8 آذار>… مشروطة

وفي اعتقاد المصادر الحكومية نفسها ان مرحلة ما بعد الأعياد ستشهد تكثيفاً للدعوات من أجل فصل عملية تفعيل العمل الحكومي عن ملف الاستحقاق الرئاسي وغيره من الملفات لاسيما وان انعقاد مجلس النواب في جلسات تشريعية لن يكـــون ممكناً طوال الأشهر الثلاثة الأول من السنة الجديدة لتعذر فتح دورة استثنائية، كما حصل في 2015 وانتظار بدء الدورة العادية في أول ثلاثاء يلي منتصف شهر آذار (مارس) المقبل. وإذا استمـــــر الوضع السياسي على ما هو عليه من تشنــــــج مع تعذر حصول  الانتخابات الرئاسية فإن الحاجـــــــــــــــــــة الى إعادة تفعيل مؤسسة مجلس الوزراء تصبح أكثر الحاحاً عما هي اليوم. إلا ان ثمة من يعتقد بأن عملية تسهيل انعقاد مجلس الوزراء في جلسات منتظمة لن تكون <مجانية> بل ستكون بموافقة مشروطة لاسيما من أفرقاء <8 آذار> عمومــــاً، والعماد ميشال عون خصوصاً، علماً ان معلومات العاملين على خط اعادة إحياء عمل الحكومة يتحدثون عن ان التفعيل يجب أن يكـــــــــــــــــــــــــون من دون سقف محدد ولا التزامـــــــــــات مسبقة، في حين ان مثل هذا الطرح لا يلقى صدى ايجابياً لدى <8 آذار> التي تريد القوى الفاعلة فيها، ولاسيما حزب الله و<التيار الوطني الحر>، ألا يكون التفعيل متفلتاً من دون ضوابط لأن ذلك يصب في مصلحة تيار <المستقبل> الذي يملك أكثرية واضحـــــــــــــــــــــة داخل الحكومة السلامية. إضافة الى ذلك لن يكون <المناخ> داخل الحكومة بعد <لقاء باريس> بين الرئيس الحريري والنائب سليمان فرنجية، أفضل مما كان عليـــه قبل حصول اللقاء، خصوصاً ان رئيس <التيار الوطني الحر> الوزير جبران باسيل عندما سُئل عن <شروط> الجهــــــة التي يمثلها لإعادة تفعيـــــــــــــل العمل الحكومي، أعاد التذكير بـ<الشروط التقليــــــدية> التي كان وضعها سابقاً والتي تتصل بالتعيينات العسكرية وآلية عمل مجلس الوزراء!