26 June,2019

إصرار بري على ”تعويمها“ لإقرار موازنة 2019 فقط يقابله الحريري بالمطالبة بتسهيل تشكيل الحكومة الجديدة!

لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري مصراً على <تعويم> حكومة الرئيس سعد الحريري التي اعتبرت مستقيلة مع بداية ولاية مجلس النواب في 22 أيار (مايو) الماضي وفق ما تنص عليه الفقرة <هـ> من المادة 69 من الدستور التي تحدد الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة، الأمر الذي أطلق جدالاً دستورياً بدأ ولن ينتهي طالما ان هذا الملف سيبقى مفتوحاً مع استمرار تعذر تشكيل الحكومة الجديدة. وإذا كانت الاعتبارات التي انطلق منها الرئيس بري للمطالبة بعقد جلسة للحكومة المعتبرة مستقيلة لدرس موازنة 2019 واقرارها وإحالتها الى مجلس النواب، فإنه استند في هذا الموقف الى سابق حصلت العام 1969 في عهد حكومة الرئيس الشهيد رشيد كرامي على أساس ان الموازنة من المواضيع الأساسية التي لا يمكن للدولة أن تبقى من دون اقرارها لتأمين انتظام العمل المالي في البلاد.

وكما برّر الرئيس بري الدعوات المتتالية الى عقد جلسات لمجلس النواب في ظل حكومة مستقيلة تحت عنوان <تشريع الضرورة>، كذلك يعمل رئيس المجلس على <تجميل> صورة الدعوة الى إقرار الموازنة من خلال إبراز أهمية هذه الخطوة متناسياً ان لبنان بقي من دون موازنة منذ العام 2005 وحتى العام 2017 ظل خلالها الصرف يتم على أساس القاعدة الاثني عشرية وذلك تجاوزاً للقوانين التي تبيح الصرف مؤقتاً على أساس هذه القاعدة واستثنائياً، فإذا بالاستثناء يستمر 12 سنة! واللافت ان دعوة الرئيس بري المتكررة الى اقرار موازنة 2019 في ظل حكومة تصريف الأعمال، تزامنت مع الدعوات الى التظاهر التي شهدتها شوارع بيروت تحت عنوان المطالبة بتشكيل الحكومة الجديدة، وان كان البعض رأى ان في هذه الدعوات المستجدة ما هو أبعد من المطالبة بتشكيل حكومة.

ويبدو ان دعوة الرئيس بري لاقت صدى ايجابياً عند بعض الجهات السياسية فحمّلتها تفسيرات اضافية لجهة <تعويم> الحكومة بشكل نهائي لتعذر تشكيل حكومة جديدة، خصوصاً ان لبنان يستعد لاستضافة القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية من 19 الى 20 كانون الثاني (يناير) الجاري، ومن غير المنطقي ألا تكون حكومة الدول المضيفة غير كاملة الأوصاف، لاسيما وان ثمة قادة عرباً سوف يشاركون في القمة على رأس وفود بلداهم.

 

بعبدا تتريث والحريري يخشى <السابقة>

 

وفيما لم يصدر عن قصر بعبدا أي موقف حاسم بتأييد دعوة الرئيس بري أو رفضها، سارع الرئيس سعد الحريري الى ابلاغ من يعنيهم الأمر انه <غير متحمس> لعقد جلسة لمجلس الوزراء واقرار الموازنة وإن كان في لحظة ما بدا مؤيداً للخطوة. إلا ان ثمة من لفته الى ابعاد اقرار الموازنة في حكومة لتصريف الأعمال لأن إقرار الموازنة من المسائل الأساسية التي نص عليها الدستور وفرض توافر غالبية الثلثين للتصديق عليها في مجلس الوزراء، ما يعني ان سابقة ستحصل في هذا المجال، تجعل من المجلس النيابي السلطة التي تقرر مسائل هي من اختصاص مجلس الوزراء في حالته الطبيعية وليس كما هو عليه راهناً، علماً ان مقدمة الدستور تؤكد على ضرورة الفصل بين السلطات <وتوازنها>، وفي هذه الحال لا توازن بين مجلس نيابي منتخب وفقاً للقوانين وكامل الأوصاف شكلاً ومضموناً، وبين حكومة اعتبرت مستقيلة بعد بدء ولاية هذا المجلس وتتولى تصريف الأعمال في <النطاق الضيق> كما ينص عليه الدستور. أكثر من ذلك، فإن ثمة من يرى في القبول بـ<تعويم> الحكومة المعتبرة مستقيلة، إشارة سلبية الى ان تشكيل الحكومة مؤجل حتى إشعار آخر، في وقت يدفع الرئيس الحريري في اتجاه إزالة العقبات <المصطفة> من أمام تشكيل الحكومة لإبقاء البلاد من دون سلطة تنفيذية كاملة، في وقت ان السلطة التشريعية قائمة بكل مظاهرها.

وإذا كانت مواقف كل من الرئيسين بري والحريري <سياسية>، فإن الشق القانوني والدستوري من هذه المسألة، هو موضع خلاف أيضاً بين المراجع الدستورية والحقوقية، إذ ان ثمة من يرى ان الحكومة الراهنة هي في وضع تصريف الأعمال ولا يمكنها بالتالي أن تقوم بأي عمل يخرج عن سياق تصريف الأعمال في معناه الضيق، لأنه عندما تتمكن الحكومة المستقيلة والتي هي في وضعية تصريف الأعمال من الاجتماع واقرار الموازنة، فهذا يعني ان بامكانها القيام بكل الأعمال وكأنها حكومة

عادية لأنه وفق القاعدة المعروفة الذي يمكنه القيام بصلاحية كبيرة يمكنه أيضاً أن يقوم بصلاحية أقل كبراً.

وفي رأي القانونيين غير المؤيدين لدعوة الرئيس بري، انه يجب أن تكون هناك حكومة جديدة تقر مشروع الموازنة وليست حكومة مستقيلة لاسيما وان حكومة الرئيس الحريري الحالية لم تستقل بقرار من رئيسها أو نتيجة استقالة ثلث أعضائها، إنها مستقيلة بحكم النص جراء الانتخابات النيابية وبدء ولاية مجلس نيابي جديد. واستطراداً فإنه نتيجة وضوح النص الدستوري لا مجال للاجتهادات ومن بينها سابقة حكومة الرئيس الشهيد كرامي في العام 1969 لأن هذه السابقة لم تصبح عرفاً لأنها حصلت مرة واحدة ولم تتكرر، والظروف في العام 1969 مختلفة عن تلك التي يعيشها لبنان حالياً.

 

الغاية تبرر الوسيلة؟!

أما رجال القانون الذين يدعمون وجهة نظر الرئيس بري، فينطلقون من مبدأ <الغاية تبرر الوسيلة> بمعنى ان الهدف من إقرار الموازنة ولو في ظل حكومة مستقيلة، تصرف الأعمال، هو مقاربة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية من زاوية استثنائية لأن من أهداف الموازنة وضع رؤية اقتصادية واجتماعية للعام 2019 وضبط العجز في المالية العامة ضمن الشروط الرئيسية التي حددها مؤتمر <سيدر> العام الماضي لأن العجز يتجاوز حالياً العشرة بالمئة من حجم الاقتصاد وبالتالي فإن اعتماد موازنة وفق الأصول لا بد أن يترافق مع اجراءات لتحفيز النمو الاقتصادي، كما ان اقرارها هو أحد الشروط الأساسية للمؤسسات المالية الدولية سواء كان صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو وكالات التصنيف الدولية التي تعطي من حين الى آخر تصنيفات سلبية ومتناقضة. وإذا استطاع لبنان، من خلال اقرار موازنته، خفض العجز في المالية العامة، فإنه يمكن عندها أن تحسّن وكالات التصنيف الدولية نظرتها المستقبلية الى الاقتصاد اللبناني ويتبع ذلك في المرحلة المقبلة خفض معدلات الفوائد.

إلا ان هذا الرأي الذي ينطلق من معطيات اقتصادية ومالية، لا يتناغم مع أي اعتبارات دستورية تجعل من <تعويم> الحكومة ولو لجلسة واحدة لإقرار الموازنة سابقة ويمكن الطعن بالقرارات التي تنتج عنها أمام مجلس شورى الدولة، أو أمام المجلس الدستوري إذا نتجت عن جلسة الحكومة إحالة مشاريع قوانين أقرها مجلس النواب.

في أي حال، سوف يطول النقاش حول مسألة <تعويم> الحكومة من أجل الموازنة، ونهايته مرتبطة بالاتفاق على تشكيل الحكومة الجديدة التي تبتعد أكثر فأكثر عن المشهد السياسي اللبناني!