21 November,2018

إسرائيل لم تعد حاجة استراتيجية أميركية في الشرق الأوسط!

 

بقلم خالد عوض

عون

في وقت لا يزال رسم حدود هامش المناورة للرئيس الأميركي مستمراً على قدم وساق بين الفريق <الترامبي> وحرس الجمهوريين المحيط به، تبدو خارطة العالم كله وخاصة الشرق الأوسط قابلة لكل شيء ولكل تغيير ممكن. من المعروف أن الاستراتيجية الأميركية الخارجية تعتمد على قاعدة أساسية، هي التعامل البراغماتي مع الأحداث، أي أحداث، مهما كانت، متوقعة أو غير متوقعة، يعني أنه ليس هناك استراتيجية ثابتة بل مجموعة خطط وخطط بديلة وخطط متناقضة تصلح لحدث معين أو عكسه إذا اقتضى الأمر، ولكنها في الوقت نفسه تعتمد كلها على وسائل ثابتة تستخدم بحسب الظرف والحاجة، منها مثلاً الوجود العسكري من خلال القواعد الثلاثين المنتشرة في العالم أو من خلال الأساطيل التي تجوب البحار. وسيلة استراتيجية أخرى هي الدولار واحتكاره لأكثر من ستين بالمئة من التعاملات المالية. مثل آخر هو خيار العقوبات التجارية وإمكانية استخدامها لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية.

إسرائيل كانت ولا تزال إلى حد بعيد إحدى هذه الوسائل الاستراتيجية الأساسية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. كانت حجر الأساس في الشرق الأوسط طوال مدة الحرب الباردة بين المعسكر الأميركي والمعسكر السوفييتي. ومع انهيار <الكتلة السوفيتية> أصبح دور إسرائيل محصورا في أن يكون المساعد الخفي للوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة أو الواجهة لهذا الوجود في حالة الإحتكاك مع إيران.

أما اليوم فقد تركز الحضور العسكري الأميركي المباشر في حرب الخليج الأولى ثم الثانية، وتحولت المنطقة بأسرها إلى قاعدة عسكرية أميركية كبيرة، من <أنجرليك> في تركيا إلى <العديد> في قطر، مروراً بالأردن والعراق وكل دول الخليج ووصولا إلى <جيبوتي> مقابل باب المندب، هذا بالإضافة إلى حاملات الطائرات المنتشرة في البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر، حتى على الحدود السورية – العراقية وتحديدا في منطقة <التنف> أصبح هناك وجود أميركي مباشر، قوامه مئات المستشارين العسكريين الذين يزدادون يوما بعد يوم. وقد كشفت زيارة الرئيس الأميركي الأخيرة للرياض والصفقات التي أعلن عنها أن الوجود الأميركي سيزداد على عكس التوقعاتالسابقة بانحساره.

في ظل كل ذلك، لا بد من التساؤل عن دور إسرائيل في المستقبل وهل لا تزال حاجة أميركية في المنطقة للحفاظ أو لقلب التوازنات الإقليمية؟ وإذا حضر الأصل فماذا ينفع البديل؟ لا شك أن إسرائيل أصبحت من العدة <الاحتياطية> للوجود الأمريكي في المنطقة ولم تعد بالأهمية الاستراتيجية نفسها، بل في أحيان عدة أصبحت عبئاً على الولايات المتحدة بفعل استمرار ممارساتها الاستيطانية واحتلالها للأراضي الفلسطينية. حتى في المواجهة مع إيران، فإن الاصطفاف الخليجي – الأميركي ضد إيران خلال عهد <ترامب> يجعل إسرائيل وسيلة <زائدة> وغير أساسية، بل بالعكس يمكن أن تكون الخاصرة الأميركية الضعيفة في حال مواجهة مع حزب الله لا تحمد عقباها إسرائيلياً.

هذا ما يفسر اليوم إلى حد كبير الهجمة الإسرائيلية الاقتصادية الكبيرة إلى شرق أفريقيا وآسيا الوسطى لعقد تفاهمات تجارية تضمن لها الأسباب الاقتصادية لبقائها. كل الاهتمام الإسرائيلي اليوم ينصب في تكبير حجم الصادرات، من الغاز والسلاح والتكنولوجيا الرقمية وحتى المنتجات الزراعية وأنظمة الري المتطورة والمعادن، هذا بالإضافة إلى تصدير قطع الألماس الذي يزيد عن ١٠ بالمئة من مجموع صناعة قطع الألماس في العالم والذي لا يزال أهم مدخول خارجي لإسرائيل. هذا التوجه الإسرائيلي بدأ منذ زمن ولكنه أخذ منحى جديا للغاية منذ عشر سنوات أي بعد 534164_4170641738609_2124453413_nحرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦ التي أوضحت أن دور إسرائيل العسكري في المنطقة إلى تراجع.

هذا يعني أن الحاجة الأميركية إلى اسرائيل لا بد وأن تنتفي مع وجود تحالفات مباشرة للأميركيين على الأرض خاصة مع الأكراد، إن من خلال قوات <البشمركة> في العراق أو مع <قوات سوريا الديموقراطية> <قسد> التي تحاصر اليوم مدينة الرقة، آخر معقل للدولة الإرهابية. الأكراد اليوم هم الجيش البديل <على الأرض> للأميركيين، اذ عندهم العدد الكافي من الشباب، وعندهم قضية عرقية تحمسهم على عكس الشباب الإسرائيلي المتناقص والذي ينظر بمعظمه إلى الحرب، أي حرب، على أنها ضرب من الجنون، فهل تكون الدولة الكردية الحجر الاستراتيجي الأميركي الجديد في المنطقة؟ من المبكر الحديث عن ذلك ولكن المد البشري الكردي وولاءه إلى الأميركيين وتحقيقه انجازات عسكرية على الأرض يطمئن الولايات المتحدة من جهة ويخفف أكثر وأكثر من الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل.

لذلك سنشهد إصراراً أميركياً رسمياً مدعوماً من يهود أميركا لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، وإذا كانت <حماس> عقبة فلا بد من تجفيف كل مصادر تمويلها، كما ستسعى الإدارة الأميركية إلى تشجيع التطبيع العربي – الإسرائيلي بكل الوسائل. هذا الاهتمام مرده الحفاظ على إسرائيل كصديق استراتيجي وليس كحاجة.

كل هذا فيه الكثير من الإيجابيات للبنان، فأفول إسرائيل كحاجة استراتيجية يناسبنا، حتى أنه يمكن اليوم الذهاب إلى الولايات المتحدة والأروقة الدولية لإحياء قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وترسيم الغاز، كما يمكن أن يفيد وجود سلاح حزب الله في كل ذلك كوسيلة لتحقيق الشروط إذا كان التنازل عنه ممكنا من أجل تحقيق كل الضمانات المطلوبة للبنان.

وبغض النظر عن السببــــــــــــــــــــــــــــــية لبقاء سلاح حزب الله كرادع وكمصدر لقوة تفاوضية، على الحزب استعادة دور لبناني أكثر براغماتية بحيث يهتم بشؤون الناس ومستقبلهم في هذا البلد أكثر من تجميع السلاح في القلمون والجرود السورية واللبنانية تحضيرا لحرب وهمية، من المستبعد أن تحصل لأسباب كثيرة، أهمها أن الطرف المقابل غير معني بها.