24 August,2017

إذا كــانت روسيــــــا مــــع الـنـظــــــام الـســــــوري، فـمـــــع مـــن هي الـولايــــات الـمـتـحـــدة؟

 

بقلم خالد عوض

hariri-franjieh

مش رمانة، قلوب مليانة… هذا ما يلخص الموقف الخليجي من لبنان هذه الأيام. ومع الأسف لن تكفي الخطابات الرسمية والتصريحات السياسية وكـــلام التأييد الحكومــــــي والــــــوزاري لتغيير الحالة الخليجية التـــــي ضـــــــاقت ذرعــــــاً بمـــا تسميــــه الازدواجية اللبنانيـــــة في كل شـــــيء. لا يمكن لــــدول الخليـــــج التــــــي أصبحت تــــــعتبر نفسهـــــا في صلب حرب قوميـــة عربيــــة-إيرانيــة أن تتفهم عبـــــور آلاف مقاتلي حزب الله من لبنان للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد ثم أن تقبل بكلام الحكومة اللبنانية بعد ذلك حول الالتزام بسياسة النأي بالنفس.

 في مكان ما، هناك جزء من الدولة الرسمية اللبنانية يسهل حركة حزب الله من وإلى الداخل السوري ولا يمكن التذاكي حول ذلك. ولولا تدخل الحزب هناك لكانت الحالة السورية اليوم في مكان مختلف تماماً عما هي عليه حالياً. بمعنى آخر فإن لبنان الرسمي شريك ولو بطريقة غير مباشرة وغير معلنة في الصراع العسكري في سوريا بل حتى في نتائجه.

المشكلة الثانية التي يراها الخليجيون في الحالة اللبنانية هي المزاوجة بين الدولة وحزب الله تحت مسمى المقاومة. فهم يعتبرون ذلك جزءاً من إستراتيجية إيرانية لتمد نفوذها عبر الدول العربية، إنطلاقاً من العراق حيث الحشد الشعبي أصبح قوة عسكرية شبه مستقلة عن الدولة، واليمن حيث تحول الحوثيون إلى دولة أكبر من الدولة. هذا التعايش بين قوة عسكرية طائفية والدولة هو وصفة تشرذم عربي لم يعد يهضمها الخليجيون، بل هم في خضم مواجهتها، عسكرياً في اليمن وسياسياً في العراق، ويدرسون حالياً إمكانية محاربتها إقتصادياً وربما دبلوماسياً في لبنان.

 

تمام سلام والمهمة المستحيلة

 

في المقابل يسعى رئيس الحكومة تمام سلام أن ينقل الصورة كما هي إلى الأخوة الخليجيين مطالباً بتفهم وضع لبنان الداخلي ومساعدته في الحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية حتى لا ينجر إلى أزمات داخلية لا أفق لها. وحتى لو اقتنع المسؤولون الخليجيون بالتفسير الرسمي اللبناني إلا أنه لا يغير من واقــــع وجود لبنان، من خلال أحد مكوناته الرئيسة والتساهل الرسمي معهــــا، في قلب المعادلة السورية وفي الجهة المواجهة للمصالح الخليجيـــة. ولذلك أصبـــح المطلوب من لبنان ومن المسؤولين فيــه أكثر من الكلام ومن تفسير الماء بالماء.حتى استقالة الوزير أشرف ريفي التي تصدرت المواقف المؤيدة للسعودية لا يبدو أنها كافية لإعادة الثقة الخليجية بأن المنحى السياسي العام في البلد يأخذ في الاعتبار المصالح الخليجية والعربية.

الحريري… ولو أتى متأخراً؟

هناك اقتناع سعودي أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يعرف كيف يحمي وحدة لبنان من دون التعرض للمصالح الخليجية وهذا ما لا يجدونه اليوم في الزعامات اللبنانية، خاصة تلك المحسوبة عليهم. وفي السياق نفسه هناك قناعة خليجية بأن الرئيس سعد الحريري كان بإمكانه فعل الكثير داخلياً ودولياً لتدارك ما وصل إليه الحال في الداخل اللبناني، وأن بقاءه خارج لبنان وخوفه على أمنه الشخصي كان يجب ألا يكون على حساب خوفه على أمن الخليج بل على أمن العرب كلهم. لذلك ينتظر الخليجيون من الرئيس الحريري اليوم أن ترتقي مبادرته الرئاسية إلى مستوى المنطقة وليس إلى مستوى رئاسة الجمهورية اللبنانية فحسب. وبالتالي فإن إنتخاب الرئيس يجب أن ينقل البلد إلى الحياد الحقيقي وليس إلى الاستمرار في كذبة النأي بالنفس. وحده الرئيس سعد الحريري قادر على إرساء قاعدة توافق مع حزب الله يمكن أن تعطي الحزب في الداخل ما يغنيه IMG-20160224-WA0002عن البقاء في سوريا. ومن هنا ذهابه إلى خيار الوزير فرنجية في رئاسة الجمهورية. بينما وصول العماد عون يمكن أن يفهم على أنه الضربة القاضية الإيرانية في لبنان.

ولكن هل يستطيع الوزير فرنجية أن يترجم سياسة النأي بالنفس إلى حقيقة؟ وهل يكفي أن يكون تحت مظلة <الطائف> حتى يرى في ذلك السعوديون عودة لبنان إلى الحضن العربي؟ لكل ذلك يبدو الرئيس التوافقي اليوم حاجة خليجية أكثر منها لبنانية لأن أي رئيس من ٨ آذار يمكن أن يفسر على أنه إنتصار جديد لحزب الله في لبنان في حين يكون الرئيس التوافقي نتيجة لتسوية داخلية حقيقية يكون عراباها الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله وتنعكس بالحد الأدنى بحياد حقيقي للبنان.

 

محاصرة الحالة الازدواجية في

لبنان عربياً ودولياً

والإصـــــــرار اللــبــنــــــــــاني أن مسألة حزب الله أكبر من لبنان وأنه من الاستحالة إقناعه بالانسحاب من سوريا لم يعد يجد آذاناً صاغية عند الكثير من الدول الخليجية، بل يمكن أن يؤدي إلى تعريب ما أصبح يسميــــه الخليجيـــون بالأزمـــــة اللبنانيـــــة وربمــــا تدويلها.

ففي إطار مواجهة النفوذ الإيراني يمكن أن تلجأ الدول الخليجية إلى عدة مسارات تحاول من خلالها الحد من التمدد الإيراني في لبنان ، منها من خلال الجامعة العربية ومنها من خلال الأمم المتحدة. فكما تمكنت من استصدار قرار مجلس الأمن رقم ٢٢١٦ حول اليمن الذي يشمل بند تسليم الحوثيين لسلاحهم إلى الشرعية لن تتوانى الدول الخليجية عن المضي في الاتجاه نفسه لبنانياً إذا لم ينكفئ حزب الله عن العمليات العسكرية في سوريا. وطالما أن روسيا امتنعت عن التصويت على القرار ٢٢١٦ يعني أن هناك مجال لمحاولة استنساخه في لبنان.

 

التركيز الروسي والتشتت الأميركي

 

والروس يعرفون جيداً ما يريدون من سوريا ويوكلون الى إيران إدارة العمليات البرية. ولذلك لا يهمهم إذا كان حزب الله اللبناني على الأرض أو أي فصيل آخر من القوى المنضوية تحت المظلة الإيرانية. فهمهم الأول هو دعم النظام السوري وتأمين المنطقة الساحلية كلها التي تشرف على منابع الغاز وكف اليد التركية عنها. في المقابل يبدو الأميركيون مشتتين على الأرض السورية. فمن جهة هم يدعمون الأكراد السوريين ومن جهة أخرى يدعمون الجيش السوري الحر وفصائل أخرى من المعارضة المعتدلة، وحتى بعض الفصائل المنبثقة من فكر القاعدة، والكل يتواجه اليوم في عدة مناطق في ريف حلب! حتى أنه أصبح يقال إن الدوائر الأميركية تتحارب في سوريا فيما بينها بالواسطة! التفسير الوحيد لذلك هو أن التفكير الأميركي ينصب على تأمين النفوذ عند كل الأطراف المتنازعة في سوريا حتى يمكن التأثير في الحل النهائي وقطف ما يمكن مجلس-وزراءقطفه سياسياً، بينما يؤمن الروس أن انحيازهم في إتجاه واحد محدد يضمن لهم مصالح روسيا الاستراتيجية.

وقف إطلاق نار أم استراحة المحاربين؟

 

هـذه المصالح لا زالـت مهـددة اليوم طالما أن لتركيا قدماً في الشمال السوري وطالمـا أن المعارضـة السوريـة لا زالت متحصنة في بعض النقاط الاستراتيجية في حـلب وريفهـا. ولذلك فإن وقف إطـلاق النار الذي توصل إليه الروس والأميركيون يبـدو هدنة شكلية من الـصعب أن تصمد. فالاتفاق نفسه مفخخ عبر إستثناء <جبهة النصرة> من أطراف المعارضة المقبولة مـن الــروس لأن وجودها متداخل أساساً مع الفصائل الأخرى في أماكن عديدة وبالتالي فإن عذر استمرار القصف لا زال موجوداً.

كل المعطيات تفيد أن المعارك في سوريا مستمرة وبوجوه مختلفـة. وكل الأسلحة أصبحت اليـوم مسموحة ومنهـا الأطـر السياسية والدبلوماسية وحتى الاقتصادية. ولـذلك تبـدو المرحـلة فـي لبـنان أكثر حرجاً من أي وقت مضى لأن الاعتماد فقط على العاطفة الخليجية تجاه لبنان، والتي ما زالت جياشة رغم كل ما حصل، لـن يأخـذ البلد إلى بر الأمـان. إنــه وقت الاختبار الحقيقي لخامة الزعماء في لبنان.