21 November,2018

إحباط العملية الإرهابية في الحمراء إنجاز أمني نوعي يعكس أهمية المواجهة الاستباقية والتنسيق بين الأجهزة!

الكوستا-3نجاة شارع الحمراء، أكثر شوارع بيروت ازدحاماً، من كارثة محققة ليل السبت الماضي بعد إحباط قوة من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بالتنسيق مع فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي عملية انتحارية كان ينوي شاب من صيدا تنفيذها داخل مطعم <كوستا> (هورس شو سابقاً)، لا يمكن أن يعني أن الأجهزة الأمنية يمكن أن تنام <على حرير> بعد اليوم، وهي أصلاً لم تفعل منذ أن دق الإرهاب أبواب الحدود الشمالية والبقاعية ثم ضرب في العاصمة والضاحية الجنوبية وطرابلس. ذلك أن المعلومات التي توافرت لدى هذه الأجهزة، قبل محاولة التفجير الانتحارية وبعدها، تؤكد أن الاوامر صدرت الى الخلايا الإرهابية النائمة في لبنان بالتحرك لمحاولة زرع الخوف والقلق في نفوس المواطنين من خلال تنفيذ سلسلة عمليات انتحارية بهدف إرباك الساحة اللبنانية والرد على مناخ الاستقرار الذي يسود البلاد، لاسيما بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.

وفي هذا السياق، فإن مصادر مطلعة أكدت لـ<الأفكار> أن التحقيقات الأولية التي أجرتها مديرية المخابرات في الجيش مع الإرهابي عمر العاصي حامل الحزام الناسف الذي دخل مطعم <كوستا> ليجد في انتظاره قوة من المخابرات في الجيش اعتلقته بحرفية متناهية قبل أن يحقق مبتغاه، أكدت أن التعليمات التي أعطيت لتنفيذ الجريمة صدرت من مدينة الرقة السورية حيث يتجمع مسلحو <داعش> بعد خسارتهم العديد من المدن والبلدات السورية التي عادت الى حضن الشرعية السورية، وكان الهدف منها تكرار تجربة المطعم في اسطنبول الذي شهد ليلة رأس السنة اعتداءً إرهابياً ذهب ضحيته 39 من رواده، بينهم ثلاثة لبنانيين كانوا قد قصدوا المدينة التركية لاستقبال العام الجديد فيها. ولأن <التعليمات> التي صدرت كانت تقضي بإلحاق أكبر قدر ممكن من الضحايا البريئة، فإن الإرهابي انتظر قليلاً حتى يتأكد من كلام نادلة في المطعم أن <العجقة> تبدأ بعد العاشرة والنصف ليلاً، وخرج من المطعم ليعود بعد قليل وقد قرر تفجير نفسه، إلا أن وجود العسكريين الذين كانوا يراقبون تحركه أحبط محاولته بعد اعتقاله ومنعه من استعمال يديه ليفجّر الصاعق الموجود في الحزام الناسف.

<سيناريوات> كثيرة ترددت تفاصيلها حول كيفية إحباط عملية التفجير، وروايات عدة أطلقت بينها رواية أو أكثر طرحت علامات استفهام حول ظروف اعتقال العاصي وملابساته والأسباب التي حالت دون تفجير نفسه بمن حوله، الى حد الإيحاء بأن في الأمر حلقة ضائعة لم تستكمل بعد لتكون رواية اعتقال العاصي أكثر واقعية وصدقية، إلا أن المهم يبقى في أن نجاح الأجهزة الأمنية في منع حصول المجزرة الرهيبة لا يجوز أن يؤدي الى تراخٍ في عمل هذه القوى التي نالت حتى الآن ثقة دول عدة على أدائها، إضافة الى أهمية التنسيق الذي دعا الرئيس العماد عون الى اعتماده بين مختلف الأجهزة المعنية بالأمن وإلى توحيد الجهود للنجاح في المهمات، لاسيما وأن رئيس الجمهورية يؤمن بأن <في الاتحاد قوة>. وقد عاد معنيون بالذاكرة الى الاجتماع الأول لمجلس الدفاع الأعلى الذي انعقد في قصر بعبدا قبل أسبوعين، والذي عرض فيه الرئيس عون أهمية التنسيق بين الأجهزة لئلا تذهب هذه الجهود هدراً على الصعيدين المادي والمعنوي على حد سواء، وقد قال الرئيس عون يومئذ إن ترتيب شؤون البيت مسؤولية داخلية لا شراكة فيها.

وفيما سارع اللبنانيون من كل الطوائف للتضامن مع الأجهزة الأمنية في حربها ضد الإرهاب، برزت أهمية العمليات الاستباقية التي أوصى الرئيس عون بتنفيذها لأنها توفر الكثير من الضحايا بين قتيل وجريح، وتجنب خصوصاً البلاد مواجهة كوارث أمنية كتلك التي كادت أن تقع في مطعم <الكوستا>. إلا أن النجاح في العمليات الاستباقية يفرض – حسب مطلعين – توافر عوامل عدة من أهمها المعلومات الضرورية حول المشتبه بهم من خلال رصد اتصالاتهم الهاتفية من جهة، ومتابعة تحركهم من جهة ثانية وملاحقة التفاصيل الصغيرة المتوافرة عنهم،  إذ غالباً ما تقود معلومة بسيطة الى كشف الكثيرين من المجرمين والإرهابيين، كما كان قد حصل في مناسبات مماثلة مع الجيش وقوى الأمن الداخلي على حد سواء. كذلك ينبغي حسب المطلعين انفسهم – تأمين تقاطع للمعلومات التي تصب على الأجهزة بشكل كثيف خصوصاً إذا ما كان الأمر يتصل بتحركات الإرهابيين ومخططاتهم. وضمان نجاح عملية التقاطع هذه، يكون من خلال التعاون مع أجهزة استخباراتية شقيقة وصديقة، لاسيما منها تلك التي تملك خزان معلومات مثل الاستخبارات الاميركية والبريطانية والفرنسية والأردنية والعُمانية.

أما ملاحقة الخلايا النائمة التي تبقى الهدف الأبرز، فإن مصادر أمنية رفيعة كشفت لـ<الأفكار> بأن هذه العمليات لا بد أن تبقى بعيدة عن الأضواء الى حين إتمامها، لأن تسريبة واحدة – وغالباً ما تكون عن قصر نظر – تطيح بسلة إجراءات يمكن أن تقود الى كشف أفرادها، بعدما اكدت المصادر الأمنية نفسها وجود مثل هذه الخلايا في عدد من البلدات والقرى اللبنانية لاسيما تلك التي تزايدت نسبة النزوح السوري لديها.

ومع توقع تكرار <الغارات> الأمنية على عدد من الأماكن المشتبه بها، أمكن توقيف العشرات من المطلوبين، إلا أن ذلك ليس كافياً. وكما تخوف موفدون دوليون من نتائج استعادة قوات النظام لعدد من المدن السورية المنكوبة، كذلك أبدى آخرون خشيتهم من أن يؤدي <زرك> مسلمي <داعش> ودفعهم الى مغادرة القرى والبلدات العراقية المحررة الى انتقال المسلحين الى دول مجاورة من بينها لبنان، الأمر الذي استوجب تعزيز الاجراءات الأمنية وطلب مساعدات عاجلة من الخارج يحتاجها الجيش في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، لكن السلاح وحده – يعتقد المتابعون – لا يكفي لمواجهة تمدد الارهابيين، بل يجب أن يقترن بتوعية شاملة حول مخاطر الأخذ في اتجاه تعاليم الأصوليين التي غالباً ما تقود الى التطرف وما يتفرع عنه.

في أي حال، فإن عملية مطعم <كوستا> والتي نفذت بنجاح كبير تبقى محطة مهمة في مسيرة المحافظة على الاستقرار والأمن في البلاد وتدفع في اتجاه المزيد من الاجراءات، لاسيما وان العالم بات يشخص الى لبنان لمعرفة قدرته على مواجهة التحديات الامنية، خصوصا مع بداية عهد رئيسه القائد السابق للجيش الذي يعرف كيف يتعاطى مع الاجهزة الامنية وغيرها، وكيفية توفير الغطاء السياسي لأي إجراء من شأنه خدمة الاهداف التي تسعى هذه الأجهزة الى تحقيقها، ذلك أن المهم الوصول الى نتائج عملية لأن مسلسل الارهاب لن ينتهِ بسهولة، في ظل ما حذرت منه مرجعيات استخباراتية دولية من انعكاسات سلبية لانهيار منظومة المنظمات الارهابية في سوريا والعراق، لان فلول مثل هذه التنظيمات قد تجد في المعابر غير الشرعية المؤدية الى لبنان <المتنفس> الوحيد لها، خصوصاً ان تركيا اغلقت حدودها بإمعان وصلابة في وجه النازحين الذين تحركوا ذات يوم للحصول على مطالب حياتية محقة لهم، وهذا يعني استطراداً أن اليد يجب أن تظل على الزناد، وان يطبق كل فرد المثل الداعي كي يكون كل مواطن خفيراً.