14 November,2018

إثارة مسألة ”تجاوز“ رئيس الجمهورية لصلاحياته لم تحقق غايتها في حجب ”تعثر“ تشكيل الحكومة!

لا يختلف اثنان على أن عملية تشكيل الحكومة الجديدة دخلت في مرحلة دقيقة جداً تكاد تتحول الى أزمة مستعصية الحل إذا لم تتنازل الأطراف المعنية عن بعض مطالبها وتتعاط بواقعية مع هذا الملف الدقيق والحساس الذي يهدد السلطة التنفيذية بالشلل، ويوقع السلطة التشريعية في إرباك دستوري غير مسبوق في ظل الخلاف حول التشريع في ظل حكومة تصريف الأعمال.

إلا أن التطور الأبرز الذي سُجل الأسبوع الماضي بعد تقديم الرئيس المكلف سعد الحريري <صيغة مبدئية> لتوزيع الكتل النيابية على التركيبة الحكومية والحقائب التي يقترحها كل فريق، كان تجدد الحديث عن صلاحيات رئيس الجمهورية في مسألة تشكيل الحكومة بعد ارتفاع أصوات <مستقبلية> قابلتها أصوات <برتقالية> حول حق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في إبداء <ملاحظات> حول الصيغة التي حملها اليه الرئيس الحريري داعياً الى الموافقة عليها. وإذا كان البيان الذي صدر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية حول <الملاحظات> التي أبداها الرئيس عون و<المعايير> التي ذكّر البيان بأن رئيس الجمهورية كان قد وضعها للحكومة العتيدة، اعتبر سبباً لانطلاقة الحملة حول <صلاحيات الرئيس>، فإن الواضح بأن البيان الرئاسي لم يورد شيئاً لم يكن الرئيس عون قد اعلنه في اكثر من مناسبة كما انه لم يعتبر ان رئيس الجمهورية <رفض> الصيغة المقترحة، بل ركز على استمرار التشاور بين الرئيسين وصولاً الى الاتفاق على التشكيلة الحكومية بصيغتها النهائية.

 

لماذا العزف على وتر <الصلاحيات>؟!

 

الذين التقوا الرئيس عون بعيد بدء الحملة حول <الصلاحيات> الرئاسية، لم يستغربوا انطلاقة <أوركسترا> العزف على وتر <الصلاحيات> فيما هدف هذه الحملة، حسب زوار بعبدا، صرف النظر عن الاشكاليات التي نتجت عن الصيغة التي اقترحها الرئيس الحريرري لجهة <التوزيع غير العادل> في الحقائب الخدماتية الاساسية، ومواقع وزراء الدولة، و<التهميش> الحاصل لفئة من المسلمين السنة، و<حصرية> التمثيل الدرزي بوزراء يسميهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط حصراً. ويضيف زوار بعبدا ان الرئيس عون لم يرفض الصيغة التي قدمها الرئيس الحريري بل طالب بتعديلها معللاً أسباب ذلك في حوار مع الرئيس المكلف استمر أكثر من ساعة. ولأن لا رغبة – على ما يبدو – في إعادة النظر بالصيغة الحريرية، أطلق العنان للحديث عن الصلاحيات وتحرّك رؤساء الحكومات السابقون في بيان مشترك اثار هذه المسألة على نحو لافت، فيما دخلت على الخط دار الفتوى والمشايخ في خطب الجمعة، وهو أمر أسف له رئيس الجمهورية لإدراكه بأنه لم يتجاوز صلاحياته بل مارس حقه كشريك في السلطة التنفيذية لاسيما وان الدستور حدد صدور مراسيم تشكيل الحكومة <بالاتفاق> بين رئيسي الجمهورية والحكومة. وفي رأي القانونيين والدستوريين، أن عبارة <الاتفاق> تعني أن لكل من الرئيسين حق القبول أو الرفض، وإلا لما كانت عبارة <الاتفاق>، فكما أن رئيس الجمهورية يمكنه أن يقول نعم أو لا، كذلك فإن رئيس الحكومة له الحق نفسه، ما يعكس مفهوم الشراكة الدستورية في تشكيل الحكومة. وفي الحالة الراهنة، لا الرئيس عون <رفض> بل طالب بتعديلات، ولا الرئيس الحريري <أصرّ> بل تحدث عن <صيغة مبدئية> وعن مشاورات سيجريها مع الأطراف المعنيين بالتشكيلة.

إلا أن الرئيس عون لم يكتف أمام زواره بـ<تبرير> موقفه بل ذهب الى حد الحديث بصراحة أن دور رئيس الجمهورية ليس مجرد توقيع مراسيم ترد اليه، بل ان قسمه يفرض عليه أن يكون قادراً على تحمّل مسؤولياته كاملة في المحافظة على سلامة البلاد، وتعطيه مواد الدستور صلاحيات واضحة يحرص هو على ممارستها منذ أن حلّ في قصر بعبدا في 31 تشرين الأول/ اكتوبر 2016، وقد مارس بعضها بالفعل للمرة الأولى في تاريخ رؤساء الجمهورية، لاسيما من انتخبوا بعد <اتفاق الطائف>. وإذا كانت الماة 53 من الدستور تتحدث حصراً عن مسألة تشكيل الحكومة <بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء>، فإن ثمة مواداً أخرى تكرّس حق رئيس الجمهورية بأن تكون له كلمته في أي عمل للسلطة التنفيذية، لاسيما لجهة المفاوضة على المعاهدات والاتفاقات الدولية، وترؤس جلسات مجلس الوزراء <ساعة يشاء>، والدعوة الى جلسات استثنائية لمجلس الوزراء وحصرية حقه بطرح مواضيع من خارج الجدول، والحق لم يعط لرئيس الحكومة بل حُصر برئيس الجمهورية، ما يعني مرة أخرى بأن رأي الرئيس في موضوع التشكيلة الحكومية لا يمكن تجاهله أو عدم التوقف عنده أو الإشارة الى أنه يحمل في طياته <تجاوزاً> للصلاحيات الرئاسية.

تحرّك <الصقور> لم يحقق غايته!

 

وإذا كان الموقف الرئاسي <محسوماً> لجهة الصلاحيات وممارستها لدى الرئيس عون والذي <أنقذ> في يوم من الأيام حكومة الرئيس الحريري من <السقوط> تحت تأثير استقالة ملتبسة قدمها رئيس الحكومة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي من الرياض، ولم يناقشه أحد يومذاك حول صلاحياته أو عدمها، كما لم يعترض أحد على ممارسته حق <البت بالاستقالة>، فإن لهذه المسألة ترددات أخرى لدى بعض <الصقور> في تيار <المستقبل> الذين تحركوا <لمواجهة> ما وصفوه بـ<تجاوز> الرئيس عون لصلاحياته، خصوصاً أن مرحلة ما بعد <اتفاق الطائف> تختلف عن مرحلة ما قبل <الطائف>. وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة إن موقف الرئيس عون في إبداء <ملاحظات> على الصيغة المقترحة والذي لم يرتقِ الى مستوى <الرفض>، أحدث صدمة لدى فريق الرئيس الحريري الذي كان يتوقع بعض <الصقور> فيه أن يقول رئيس الجمهورية انه <يرفض> الصيغة فيتحقق ما يتمناه هذا الفريق من <صدام> بين رئيسي الجمهورية والحكومة. لكن الرئيس عون أبقى باب التشاور مفتوحاً على أساس أن المسودة المطروحة تحتاج الى تعديلات يمكن إدخالها عليها إذا ما رغب الرئيس الحريري، لاسيما وانه كان قد اتفق مع الرئيس عون على أن تعكس حكومة الوحدة الوطنية، نتائج الانتخابات النيابية ولا تتيح لأحد احتكار تمثيل طائفة ولا يحوز أحد حصة لا يستحقها. من هنا بدا البيان الرئاسي الذي عكس موقف الرئيس عون غير القابل وغير الرافض في آن حالة غير مسبوقة سماها البعض <عُرفاً جديداً> في تعاطي رئيس الجمهورية مع مسودة حكومية، خصوصاً أنه أبدى رأيه فيها علناً تفادياً لسوء تفسير تحفظه وامتناعه عن توقيع ما حمله الرئيس المكلف، ويقول المتابعون إن <الجديد> في الموقف الرئاسي، أن لا الرئيس عون <اعتدى> على صلاحيات الرئيس الحريري، ولا الرئيس المكلف فعل، بل سلّم الاثنان بمدى اختصاص كل منهما، كما نص الدستور في مقاربة تأليف الحكومة، أي استطراداً لا اعتداء على صلاحيات أحد من الرئيسين.

عون: لا إحراج للحريري… لإخراجه!

 

ويضيف المتابعون ان موقف الرئيس عون من الصيغة المقترحة، لم يشأ منه رئيس الجمهورية إحراج الرئيس الحريري الى حد <إخراجه> – كما روّج بعض <الصقور> في <التيار الأزرق>، لكن في الوقت نفسه أزال اجتهادات والتباسات شائعة من أن الرئيس المكلف هو من يؤلف الحكومة، وان حق الرئيس هو في التوقيع على المرسوم أو عدم التوقيع. وفي هذا الأمر الجديد سابقة حققها الرئيس عون يمكن لرؤساء الجمهورية من بعده أن يمارسوها من دون أي اعتراض أو مواربة. من هنا، يقول المتابعون، سعى رؤساء الحكومة السابقون الى الإضاءة على <تجاوز الصلاحيات> كي لا يتكرّس موقف الرئيس عون في المستقبل ويصبح عُرفاً لاسيما ما ورد في البيان في عبارة <الأسس والمعايير> التي قد تحمل أكثر من تفسير، حسب الرؤساء السابقين للحكومة الذين قرأوا مواد الدستور باجتزاء للحديث عن <تجاوز للصلاحيات>، في وقت أكدت فيه مصادر بعبدا أن <المعايير والأسس> التي أشار إليها البيان الرئاسي، هي نفسها التي اتفق عليها الرئيسان في اليوم الأول للتكليف وتفاهما على احترامها والتزامها لأن لا حكومة تبصر النور من دون توقيعهما معاً. ووفق المصادر نفسها فإن الرئيس عون راغب في الإسراع في تشكيل الحكومة، لكنه ليس على استعداد ليوقع مرسوماً لصيغة حكومية لا تتناغم مع المبادئ والأسس والمعايير التي حددها رئيس الجمهورية بالاتفاق مع الرئيس المكلف. كذلك فإن البيان ألحّ بشكل غير قابل للاجتهاد، بأنه كما أن لا مهلة لرئيس الحكومة لتشكيل الحكومة، كذلك فإنه لا مهلة مفروضة على رئيس الجمهورية لتوقيع المراسيم الحكومية، من دون أن يعني – مباشرة أو مداورة – بأن مسألة سحب التكليف من الرئيس الحريري واردة في عداد الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها خصوصاً أنه أكد مراراً حرصه على أن يبقى الرئيس الحريري الى جانبه حتى نهاية ولايته. وفي هذا السياق تتساءل مصادر بعبدا: هل أن الصيغة التي قدمها الرئيس الحريري تلتقي مع رغبة الرئيس عون في أن يستمر التعاون بينهما خصوصاً ان الحريري اعطى لرئيس الاشتراكي ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ولنفسه، ما لم يعطِ للرئيس عون و<تكتل لبنان القوي>؟ ما دلّ على تركيب <نواة> تحالف جديد بين الحريري وجنبلاط وجعجع يعرف الرئيس الحريري أنه <يزعج> الرئيس عون الذي <انتزع> منه الرئيس المكلف حقيبة العدل وأعطاها لـ<القوات> مع إدراكه بأن مثل هذه الخطوة لن تلقى موافقة بعبدا مطلقاً.

في أي حال، بعد عودة الرئيس عون من ستراسبورغ وقبل سفره الى نيويورك، لا بد للمشهد الحكومي أن يتضح، فهل يتصاعد الدخان الأبيض في قصر بعبدا، أم يستمر الضباب؟!