25 May,2019

أي نموذج هو الأنجع لاقتلاع ”داعش“؟

بقلم خالد عوض 

ابوبكر-البغدادي

هناك ما يقارب مليار وستمئة مليون مسلم في العالم اليوم. وبنظرة إحصائية تقديرية تأخذ بعين الاعتبار أماكن وجود التطرف الإسلامي من نيجيريا إلى سوريا والعراق مروراً بشمال أفريقيا والصومال واليمن وصولاً إلى الشيشان شمالاً وأفغانستان في الشرق لا يتعدى الأنصار المباشرون لـ<القاعدة> و<داعش> والتنظيمات المتطرفة الشبيهة من مقاتلين ومتعاطفين ومؤيدين وممولين واحداً بالمئة من المسلمين أو 16 مليون شخص.  ومهما اختلفت التقديرات حول هذا العدد ودقته، تبقى حقيقة ثابتة أن النسبة ضئيلة جداً ولكن العدد ضخم ويضم أكثر من ثلاثين جنسية.

 هناك من يشبه التطرف الإسلامي بـ<البولشفية> الشيوعية أو الفاشية الإيطالية أو النازية الألمانية. كل هذه الحركات الراديكالية انطلقت من أقليات ما لبثت أن تحكمت بالسلطة وخاضت حروباً تدميرية. الشيوعية عاشت أطول من غيرها لأنها مبنية على فكر فلسفي إجتماعي يطرح شكل النظام الإقتصادي الأكثر عدالة. ولكنها هي أيضاً سقطت في فخ الحروب في <أفغانستان> وفي حرب النجوم الوهمية التي جرتها إليها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس <رونالد ريغان>.

في كل الأحوال <داعش> هي حركة راديكالية إسلامية أو كما يسميها البعض في أوروبا وعلى رأسهم رئيس الوزراء الفرنسي <مانويل فالس> <إسلاموفاشية> (Islamofacisme)  وأبو بكر البغدادي يشبه <هتلر>. المشكلة أن هذه التنظيمات قائمة على تحريف فكر الإسلام واستخدام أعوج لآيات قرآنية وتعتبر المؤسس الأول أسامة بن لادن مصدر إلهام كما ينظر الشيوعيون إلى <كارل ماركس>. وبالتالي لديها مرجعية فكرية قائمة على الدين من الصعب اقتلاعها بسرعة.

حيدر-العبادي-1نحن اليوم أمام عدة نماذج لمحاربة هذه الظاهرة:

1 – الحرب المباشرة التي تجمع إيران بالغرب على الأراضي العراقية. إلا أن هذه الحرب محصورة جغرافياً ولا يمكن أن تمحو الفكر الراديكالي الذي تمثله اليوم <داعش> وأخواتها خاصة وأن هذا الفكر موجود في عدة مناطق من العالم العربي والإسلامي بعيدة عن العراق والحرب الدائرة هناك. كما أن هذه الحرب تغذي التطرف المذهبي وبالتالي تزيد من تأصل الراديكالية الإسلامية.

2 – القمع العسكري وهو النموذج الجزائري في السابق والمصري حالياً الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي بضراوة. ومعروف أن هذا الأسلوب غير مجدٍ على المدى الطويل وهو يستنزف موارد البلد ويتطلب وضع البلاد في شبه حجر عسكري وأمني وانغلاق كبير مع كل ما يستتبع ذلك من أكلاف إقتصادية.

3 – المنافسة الاجتماعية المباشرة وهو إطار تمثله تونس اليوم. ورغم الفرق الشاسع بين تيار النهضة الإسلامي التونسي والتيارات الإسلامية المتطرفة، فإن ما حصل في تونس عبر التغيير الديموقراطي السلمي هو نموذج يمكن أن يلغي تماماً أسباب قيام راديكالية إسلامية على الطريقة الداعشية.

4 – النمو الإقتصادي والمشاريع التنموية، وهذا هو النموذج الخليجي الذي يعتمد على التركيز على البنية التحتية الانشائية والاجتماعية كبديل عن الشطط الفكري إلى التطرف. بالطبع يستمد هذا النموذج قوته من النظام الأمني وغياب الديمــــــــــــــــــــــــــــــــــوقراطية والأهم من كل ذلك النفط والغاز. ولكنه حتى الآن نموذج ناجح يحمي الدول الخليجية التي ولو تعتبر الإسلام دين الدولة إلا أنها لا تسمح بأن يجر التطرف ايمن-الظواهريبلادها إلى الفوضى.

هناك أيضاً وكالعادة النموذج أو الخلطة اللبنانية التي يغذيها الوجود المسيحي في البلد والتعددية الطائفية بشكل عام. هذا النموذج يقوم على مزيج من الحرب كما يحصل على حدودنا الشرقية عبر الجيش، والقمع كما حصل في صيدا وطرابلس، والمناخ الديموقراطي الذي يعطي الإسلاميين بعض الحضور الإعلامي والتمثيل النيابي وينفّس بعض الاحتقان عبر الحوار، وأخيراً البديل الإجتماعي القائم على الحرية وهذا يحصن النسيج الإجتماعي اللبناني أمام الأفكار التزمتية التي تأتي بها الحركات الدينية المتطرفة.

ما ينقص النموذج اللبناني هو الرؤية الاقتصادية والإنمائية والاجتماعية. ولو كانت هذه متوافرة لكانت دفاعات البلد أمام الراديكالية الإسلامية أعلى بكثير. كما أن تفشي الفساد على أنواعه والفراغ الدستوري ومذهبة المقاومة التي أدت إلى تحكم حزب الله بمقاليد السلطة الفعلية في البلد تؤمن عدة منافذ مباشرة للفكر الإسلامي المتطرف الذي يترعرع على الإحباط والتعصب المذهبي.

مصير الراديكالية الإسلامية متوقف على نجاعة النماذج المتبعة لاستئصالها. صحيح أن الحرب العالمية الثانية قضت عام 1945 على <هتلر> و<موسوليني> إلا أن الحسم الحقيقي جاء عن طريق مشروع <مارشال> عام 1948 الذي خلق البديل الإقتصادي والإنمائي للأفكار الراديكالية. هذا ما لم يفعله رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في العراق وهذا ما يجب أن يتبع أي إنتصار ميداني للقوات العراقية التي تتقدم اليوم ضد <داعش>. من دون رؤية إقتصادية للمنطقة كلها ومن خلالها إلى الدول التي تعاني من الإرهاب، لن تزول الفاشية الدينية التي يقودها أبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري وينضوي خلفها اليوم ملايين المسلمين، وهم على ازدياد.