24 September,2018

أي نظام سياسي جديد يجب أن يلحظ أولاً خطة لاجتثاث الفساد...  

بقلم خالد عوض

salameh  

ما يمر به لبنان من أزمات سياسية يقصم ظهر أي اقتصاد في العالم ويطيح بعملته الوطنية. المسألة تستحق أن تدرس في كليات الاقتصاد في العالم.

بلد لديه دين عام يقارب مرة ونصف كل ناتجه المحلي، وهو يعاني من خلل سياسي تاريخي، أطيافه غير متفقة على شكل نظام إدارة الدولة، الطوائف والمذاهب فيه تُستخدم وبكل الوسائل لتأجيج الانقسامات السياسية، دوره كساحة كباش إقليمي تارة بين العرب واسرائيل وطورا بين إيران والعرب لا ينطفئ، لديه أكثر من مليوني نازح أو مهجر بين سوري وفلسطيني غير معلوم متى بل إذا ما كانوا سيعودون إلى بلادهم، الآلاف من مواطنيه يحاربون ضد شعب سوريا التي هي الباب الجغرافي البري الوحيد المفتوح للبلد، الإرهاب جاثم على حدوده وينخر داخل بؤر الفقر في داخله، النمو الاقتصادي فيه لم يبتعد كثيراً عن الصفر منذ حوالى خمس سنوات، الصادرات لا تزيد عن عشرين بالمئة من الواردات، الميزان التجاري ومؤخرا ميزان المدفوعات في عجز مزمن، بلد من دون موازنة منذ أكثر من عشر سنوات، عجز الخزينة (المعروف منه) يزيد عن مليارين ونصف المليار دولار سنوياً، الفساد ينهب مقدرات الدولة والإدارة والمؤسسات <وعلى عينك يا تاجر>!…

رغم كل ذلك يحافظ لبنان على استقرار نقدي ونمو مستمر في ودائع مصارفه، وعلى استقرار نسبي في مستوى الإحتياطي من العملات الأجنبية بشكل يعاكس كل المبادئ الاقتصادية والمالية القديمة والحديثة. يكفي النظر إلى تقارير صندوق النقد الدولي منذ التسعينات حول لبنان، وشروط كل مؤتمرات <باريس>، والتحذيرات المستمرة بضرورة القيام بالإصلاحات الإدارية والمالية وإلا فالويل والثبور من النتائج والعواقب على البلد، ليتبين أن الأداء المالي لليرة اللبنانية خالف كل التوقعات وأن الاستقرار النقدي في لبنان هو معجزة مالية بكل المقاييس.

هي نظرية النموذج اللبناني <المختلف>، ولكن المؤشرات الرئيسية لهذا الإنجاز المالي تختصر بالتالي: وجود ملايين اللبنانيين الذين يعملون في الخارج المؤمنين بأن لبنان ما زال أفضل خيار اجتماعي لهم ولأهلهم فيحولون ما توفر من أموال الى البلد، بالإضافة إلى الثقة والحرفية التي التصقت بسمعة النظام المصرفي اللبناني، يجعلان من اقتصاد لبنان ما يمكن أن يسمى <اقتصاداً غجرياً> أي أنه بلا حدود جغرافية، ولا يكفي قياس النمو الاقتصادي swiss-federal-council-2016الحقيقي فيه من خلال الحركة الداخلية فقط.

 المنتقدون لسياسة مصرف لبنان منذ التسعينات يقولون أن هذا النموذج الذي نجح ماليا هو أحد اسباب الفشل الاقتصادي لأنه شجع ما يسمى الاقتصاد الريعي المعتمد على دين الدولة لتحفيز القطاع المصرفي وجذب الأموال إليه. كما أن هذا النموذج بالنسبة لمعارضيه يشجع على هجرة الشباب ورحيل الأدمغة وتنامي حجم الفساد ما يفقد لبنان من أي ميزة اقتصادية تفاضلية لديه. كان يمكن لهذا الكلام أن يكون صحيحاً لو توافر الاستقرار السياسي والأمني الداخلي خلال العشرين سنة الماضية، أما في ظل ما نعيشه من أزمات فتظل سياسة مصرف لبنان الحالية هي السياسة الأكثر حكمة.

ولكن السؤال اليوم هو إلى متى يصلح هذا النموذج؟ وماذا لو تأخر الغاز أو كان أقل من التوقعات؟ وكيف يمكن أن تتعايش الاسواق المالية مع دين عام لبناني يناهز المئة مليار دولار عام ٢٠٢٠؟ وهل نعود إلى الموارد نفسها إياها أي السياحة والسفر والبنوك ونظرية <مونتي كارلو> من دون تطوير رؤية اقتصادية تجاري ما يحصل حولنا؟ أم نحاول أن نصبح فعلاً <سويسرا الشرق> بحلة القرن الواحد والعشرين؟ سويسرا لم تعد فقط مقصداً للسياحة والتزلج والودائع، بل أصبحت  اليوم من أهم بيوت الصناعة العالمية والتكنولوجيا المتطورة والأبحاث العلمية والابتكار، بناتج محلي يزيد عن ٧٠٠ مليار دولار أي إثني عشر ضعف الناتج المحلي اللبناني، رغم أن عدد سكان سويسرا لا يتجاوز ٨ ملايين نسمة أي أقل من ضعف عدد سكان لبنان. إن أهم عناصر نجاح الاقتصاد السويسري تتركز في النظام السياسي السهل الممتنع والوفاق الداخلي المطلق للتصدي للفساد.

في سويسرا لا حكومة بل مجلس فيديرالي مؤلف من سبعة أعضاء يمثلون الأحزاب السويسرية الأربعة في المقاطعات السويسرية الثلاث. ورئيس سويسرا هو رئيس هذا المجلس، ينتخب لسنة واحدة مداورة بين الأعضاء. شكل لبنان بلا رئيس يمكن أن يصبح مثل النظام السويسري خاصة وأن النزعة الفيديرالية هي اليوم في أوجها. والرئيس تمام سلام يمكن أن يتحول إلى رئيس مجلس لبنان الفيديرالي لسنة انتقالية يعقبه جبران باسيل وحسين الحاج حسن، هذا إذا اردنا القفز عشر سنوات إلى المستقبل بنظام سياسي عصري.

ولكن عندما نراقب أداء هذه الحكومة ونسمع أخبار السياسة في لبنان وروايات الفساد فيه تصبح المقارنة مع سويسرا ضرباً من الهذيان.