26 September,2018

هل تجري الإنتخابات البلدية في ظل (موضة) التمديد التي يشهدها لبنان؟

 

بقلم صبحي منذر ياغي

4149820_1454308618

بدأت المناطق والمدن اللبنانية تشهد تحركات ولقاءات و(عجقة) اجتماعات، تحضيراً للانتخابات البلدية المزمع اجراؤها خلال شهر ايار/ مايو المقبل في لبنان.
ولجأ عدد من الأحزاب والشخصيات الى تشكيل ماكيناته الانتخابية التي هرعت الى تحضير لوائح الشطب والاطلاع عليها بعد ان اعلنت وزارة الداخلية عن نشرها كاملة على موقعها الالكتروني.

وتؤكد اوساط لـ<الافكار> ان القرار الحكومي بإجراء الانتخابات البلدية له عدة مفاعيل على الوضع العام، اذ ان إجراء مثل هذه الانتخابات من شأنه ان

ينفس الوضع القائم وأن يعطي جرعة أمل الى حد ما بعدما اعتاد المواطن على (موجة التمديد) التي باتت تطال كل شيء في ظل فراغ رئاسي شارف على السنتين، في حين ان اكثر بلديات لبنان باتت بحكم المنحلة، وبعضها من البلديات المستقيلة.

وأضافت المصادر، ان إجراء الانتخابات البلدية يشكل حاجة انمائية للمواطن قبل ان يكون بأبعاده السياسية، كون البلديات بمنزلة حكومات محلية انمائية تُعنى بالشأن العام وبخدمة المواطنين وتأمين احتياجاتهم، ولم تخف المصادر ان إجراء الانتخابات البلدية من شأنه تخفيف الاحتقان الحاصل حيال ملف النفايات، وبالتالي ان العملية الانتخابية بحد ذاتها تشغل المواطنين وتحرك المشاعر والنشاط، ولها فائدة مالية على الوضع العام.

التحضيرات الرسمية للانتخابات انطلقت، وحددت وزارة الداخلية مواعيد إجراء هذه الانتخابات في المناطق، وبات على كل مواطن ان يدرك واجباته حتى تجري هذه الانتخابات في اجواء ديموقراطية سليمة.

وعند طرح موضوع الانتخابات بشكل عام، تتبادر فورا للذهن مشكلة الآلية المتبعة في لبنان لإجراء هذه الانتخابات، والتي لم تزل لليوم لا تعطي النتيجة المرجوة وتعترضها شوائب عدة، ما دفع بعدد من الباحثين الى اعداد دراسات علمية حول الطريقة المثلى للانتخابات، والتي من شأنها ان تؤدي هدفها الاساسي الذي يتجلى بتحقيق التمثيل الصحيح، وبشعور المقترع انه مارس حقه الديموقراطي بكل شفافية وبعيداً عن الضغوطات الدكتور-انطوان-عطالله-والتزوير والشوائب التي ترافق كل عملية انتخابية.

فالعمليات الانتخابية تشهد دوماً حالات تزوير وممارسات غير قانونية بحق المقترعين، وهناك حالات كثيرة في هذا المجال سجلتها جهات مختصة خلال سير العمليات الانتخابية البلدية والنيابية في لبنان.

في إحدى الانتخابات البلدية في البقاع، عادت الحاجّة «أم جواد» متباهية بأنها انتخبت ثلاث مرات في صندوق الاقتراع نفسه، وبأسماء مختلفة، كونها ترتدي حجاباً إسلامياً شرعياً، وتغطي وجهها بـ«البرقع»! فلم يتسن لا لرئيس القلم، ولا للمندوبين رؤية وجهها.. أما «خليل.ر» من بعلبك، فقد اعترف بأنه تلقى مع عدد من أقاربه مبلغ 100 ألف ليرة و«بطاقة تشريج خلوية» خلال الانتخابات البلدية الماضية، من مسؤول في ماكينة انتخابية لحزب الله مقابل تسليم هوياتهم حتى لا ينتخبوا اللائحة المنافسة.

روايتا أم جواد، وخليل.ر، تفتحان الباب مجدداً للبحث في موضوع <التزوير الانتخابي> في لبنان، والذي لا يقل أهمية عن القانون الانتخابي نفسه، لأن العادة باتت أن نشهد في نهاية كل استحقاق انتخابي نيابي أو بلدي في لبنان، موجة من الاعتراضات وتقديم الطعون في نتائج الانتخابات، ويكون <التزوير> أساس الشكوى المقدمة من الخاسرين. فالتزوير الانتخابي مدرسة لها اختصاصيوها وخبراؤها، وهم لا ينتمون إلى فريق دون آخر.

عطا الله: الوعي الانتخابي

 

 الباحث الدكتور طوني عطا الله، وله في هذا المجال كتاب تحت عنوان <تقنيات التزوير الانتخابي وسبل مكافحتها>، يؤكد لـ<الافكار>، <أن أفضل قانون انتخابي لا يُعطي النتائج المرجوة منه إذا كان الناخبون غير واعين لحقوقهم أو إذا كانت الإدارة الانتخابية ملطخة. وبالعكس، فإن قانوناً سيئاً مع ناخبين واعين زحمة--نسائية-امام-مركز-اقتراعيعطي نتائج جيدة>.

ويوضح عطا الله أن <تقنيات التزوير التي تسبق العملية الانتخابية تتضمن مجموعة الأساليب المُتبعة لتحريف إرادة الناخبين عبر أشكال من التدخل قبل يوم الاقتراع، وأثناء سير العملية الانتخابية والفرز، وإعلان النتائج>.

تقنيات التزوير

 

ومن تقنيات التزوير التي تسبق العملية الانتخابية: <الأخطاء في قوائم الناخبين التي تعدها وزارة الداخلية، لأنها بدائية وتنقصها الدقة، وتحوي غالباً أسماء وأشخاصاً باتوا في عداد الأموات، وتُحرم هذه القوائم بعض من بلغوا سن الانتخاب القانونية حق الانتخاب لأن أسماءهم لم تُدرج فيها. ومن الأخطاء الشائعة في القوائم الانتخابية وجود أسماء النساء المتزوجات حديثاً في مكان قيد نفوسهن الأصلي وفي محل إقامة أزواجهن في آن، الأمر الذي يسمح لكل واحدة بالاقتراع مرتين>.

ويعتبر عطا الله أن <إجراء تشكيلات وتعيينات جديدة لمصلحــــة النـــــافذين في السلطــــــة يــــــلعب دوراً أساسيـــــــاً في هــــذا الإطار ويشكّل عاملاً مهماً من عوامل التزوير، فكان من المتعارف عليه مثلاً الامتناع عن تغيير رئيس مخفـــــر قـــــــوى الأمــــــن في منطقــــــة قلم الاقتراع قبل شهرين أو ثلاثة من موعد الانتخابات، إضافة إلى تجميد تشكيلات المحافظين أو مأموري الأحوال الشخصية أو رؤساء المخافر لأن السلطات الإدارية المشرفة أو القوى الأمنيــــة بوصفهـــــا الحاميــــة لسلامة الاقتراع، لها تأثير كبير في مجريات الانتخابات والنتائج. فإذا تم استبدال رئيس مخفر بآخر، أو موظف إداري في الداخلية بآخر، فهـــــذا يعنـــــي أن الرئيس الجديد قد يحمل تعليمات سياسية، ويسكت عن الانتهاكات الصادرة عن مناصري المتنفذين>.

صورة-خاصة-للافكار-الرئيس-تمام-سلام-يقترع-في-انتخابات-2009-ال 

تأليف اللوائح  والإعلام..  والمال

ولعل الأبرز في أساليب التزوير التي تسبق العمليات الانتخابية طريقة تأليف اللوائح، وما يشاع عنها. إذ يتم تأليف اللوائح عبر حجز المقاعد مسبقاً لمرشحين في اللوائح الرسمية التي تجمع عدداً قليلاً من الزعماء الشعبيين، إلى جانب عدد أكبر من المرشحين الضعفاء، كما أن تأخير صدور قانون الانتخاب يصب في مصلحة من هم في مركز القرار.

ولأن للإعلام دوره الأول في تحديد سير العملية الانتخابيـــــة ونتائجها، يقول عطا الله: <إذا لم تتوافر لجميع المرشحين من دون استثناء الفرص المتساوية في استخدام الإعلام ووسائله الخاصة والرسمية، عُدّ ذلك تزويراً للانتخابات..  فمن حق المرشحين أن يتعامل الإعلام معهم بعدالــــــة، فتُعطـــــى للمـــــرشحين مساحـــــات إعلاميـــــــــة في التلفزيونـــــات والإذاعات والصحف توزَع عليهم بالتساوي>.

أما عن دور المال في الانتخابات والرسم المالي على الترشـــح، فإن عــــدداً كبيراً من الباحثين يؤكدون أن الضمانة الماليـــــة التــي يفرضهــ ـــا قانــــون الانتخاب تُعتبر بمنزلة القيد المفروض على كل من يرغب في الترشح للانتخابات، وهــذا بالطبع يتنافى ويتعارض مع الأصول الديموقراطية.

أساليب التزوير

الرئيس-حسين-الحسيني---صبحي-منذر-ياغي

لقد أبرعت الأحزاب النافذة وتفننت في عمليات التزوير خلال الانتخابات، فاحتجاز هويات المقترعين من <الخط السياسي الآخر> بات يُعتبر من أكثر الأساليب الشائعة، بحيث يتمّ دفع مبلغ من المال للمواطن مقابل تسليم هويته ولا تُعطى إليه إلا بعد انتهاء فترة الاقتراع حتى لا ينتخب المرشحين المنافسين، عدا عن أساليب الترغيب والترهيب، وعرقلة دخول المقترعين إلى مراكز الاقتراع التي تُعتبر مراكز محسوبة على منافسيهم!

<لا حرية بلا سرية>

ويرى خبراء ودارسون أن من تقنيات التزوير الانتخابي في الاقتراع، وضع الأقلام من دون عازل، إذ رأى الرئيس حسين الحسيني أن <لا حرية بلا سرية>، وهذا المبدأ طُبّق للمرة الأولى في لبنان بموجب الإصلاحات التي أُدخلت على القانون الانتخابي في عهد الرئيس كميل شمعون. فقبل ذلك كان الناخبون يصوتون تحت أعين السلطة، وكانت الانتقامات تُمارس بعد ذلك ضد المعارضين، فكان الناخب يصوّت في جو من الترهيب.

 

سرية الانتخاب

وفي بعض الانتخابات تم خرق مبدأ سرية الانتخاب على نحو فاضح، كما حصل في انتخابات عام 1992، عندما تُركت أقلام اقتراع من دون معازل انتخابية يشترط قانون الانتخاب وجوب توافرها (المواد 47 و49 و50). ويتوقف أحمد ن.(أحد الناشطين في الماكينة الانتخابية عام 2009 في بيروت) عند لجوء عدد من المواطنين في أحد أقلام الاقتراع إلى <التصويت بشكل علني، وأمام أعين الجميع، لعدم وجود عازل سري، الأمر الذي أثار اعتراض بعضهم، حيث تم الرئيس-سعد-الحريري-متفقدا-الانتخابات-عام-2009---بيروت---وضع العازل بعد مرور ساعات على بدء العملية الانتخابية>..

ووضع العازل لا يكفي، بل يجب عدم مخالفة أصول استعمال هذا العازل، إذ تنص المادة 49 من قانون الانتخاب على الآتي: <يُسلّم رئيس القلم ظرفاً إلى الناخب، فيخلو بنفسه من دون أن يبرح قلم الاقتراع في المعزل المعد لحجبه عن الأنظار ويضع في الظرف ورقة واحدة للاقتراع تشمل أسماء بعدد النواب الذين يراد انتخابهم، ولا يجوز أن تشمل على اكثر من هذا العدد>.

شهادات وروايات

 

ويعدد حسان ق. مسؤول ماكينة انتخابية في البقاع حالات أخرى وشوائب يمكن وضعها في إطار ما يجري من تزوير انتخابي، ومنها حالات حصلت في الانتخابات البلدية في مدينة بعلبك في أيار/ مايو 2004، إذ أكد أن أحد المسؤولين في حزب نافذ، طلب <من ابنة أخته إحضار صورة شمسية لها قبل إقفال صناديق الاقتراع بنصف ساعة، وأصدر لها بطاقة انتخابية، انتخـبت <بواسطتهــا>، إذ كما يبـدو كان للحزب حينذاكمطبعته التي تصدر البطاقات الانتخابية، أو لديه بطاقات فارغة تنتظر فقط من يملأهـا، في حين اقـترع عـدد كبير من المواطنين بأسماء مــواطنين مــغتربين أو أموات>.

 

تصويت النساء المحجبات

 

وفي هذا الإطار، يتحدّث الرئيس الحسيني عن ثغرة قانونية تاريخية في شأن تذاكر الهوية خصوصاً لدى النساء ولاسيما المسلمات منهن، <حيث إن حق الإناث بالاقتراع لم يصبح عاماً وشاملاً بالمساواة مع الذكور إلا في عهد الرئيس كميل شمعون بموجب القانون الصادر في 24 نيسان/ ابريل 1957. لكن العرف، وليس النص، قضى ألا تحمل بطاقات الهوية صورة شمسية لصاحبة العلاقة، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام تصويت نساء بدلاً من نساء غائبات، وحتى من دون معرفتهن، الأمر الذي مثّل أحد عناصر انتهاك القانون الانتخابي>.

ويلفت الدكتور عطا الله إلى مشكلة لدى تصويت النساء المحجبات <وخصوصاً اللواتي يغطين وجوههن وفق تقاليدهن الدينية، بحيث لا يمكن أن يتعرف رئيس القلم إلى الناخبة المحجبة، لذا يجب اعتماد طريقة لحل هذه المشكلة، منها تعيين رئيسات أقلام ومساعدات لهن من النساء. ففي طرابلس وحدها على سبيل المثال يُقدّر زعماء العائلات السياسية ومسؤولو الحملات الانتخابية عدد النساء المحجبات اللواتي ينتخبن بزهاء 1411648228.4284931500 امرأة، يمكن أن تصوّت كل واحدة منهن بمعدل ثلاث مرات، أي ما مجموعه 4500 صوت تمثل زهاء 4، 5 في المئة من مجموع الناخبين الفعليين>.

 

أخطاء تتكرر..  واعتراضات

 

أما الأخطاء التي تقع في لوائح الشطب فهي مشكلة تتكرر في كل موسم انتخابي، وخصوصا في ظل غياب المكننة، والاحتفاظ بسجلات نفوس اعترتها شوائب وأخطاء، وبسبب التلاعب الذي يحصل في هذه اللوائح من بعض الجهات والسلطات لأسباب انتخابية. كما أن عدم شطب أسماء الأموات يفسح في المجال لحدوث التجاوزات. وتقع المخالفات نتيجة التصويت عن ناخبين مهاجرين، أو أموات لا تزال أسماؤهم مسجلة في لوائح الناخبين، وحتى عن ناخبين ليسوا بمهاجرين.

ففي انتخابات 1992 على سبيل المثال، شكت المواطنة جومانا ج. من برج ابي حيدر، بأنها تقدمت للإدلاء بصوتها في قلم اقتراع منطقتها، لكنها وجدت أن أخرى اقترعت بدلاً منها، وصادقَ رئيس القلم على ذلك على رغم انها لم تقترع. أما إميل ن. الذي كان أحد اعضاء فريق العمل الانتخابي لوزير لبناني راحل، فأكد أنه صوّت مع عدد من اصدقائه <للوزير المرشح> بأسماء أشخاص مقيمين في الخارج، وأن أحد المواطنين في انتخابات عام 2000 النيابية صوّت عن رجل توفي في 12 تشرين الأول/ اكتوبر 1960 لا يزال اسمه وارداً في لوائح الشطب في أحد احياء بيروت حتى اليوم!

التزوير خلال فرز الأصوات

أما أساليب التزوير أثناء الفرز وإعلان النتائج، فيعددها عطا الله كما يأتي:

– غياب معايير للفصل في صحة الأوراق الباطلة لدى لجنة قيد الأسماء.

baladiye– إجراءات تدوين الأصوات واحتسابها في مراكز الاقتراع وأمام لجنة القيد، قبل أن يكون الناخبون الحاضرون في باحة قلم الاقتراع قد اقترعوا.

– الغش أثناء الفرز، والذي يجري أحيانا بتواطؤ بين رئيس القلم والمندوبين، فيمكن لرئيس القلم أن يقرأ اسم حسن بدلاً من غسان أو جورج بدلا من جوزف، وهذا ما كان يحصل في دورات الانتخابات المختلفة.

– انتهاك حقوق الرقابة الممنوحة للمرشحين.

– الأساليب البدائية في عمل لجان القيد.

– فقدان الثقافة الانتخابية لدى الهيئات الناخبة، وهذا ما يتطلب ضرورة المراقبة، وتشجيع التثقيف الانتخابي.

– تولي المرشحين تأمين رؤساء الأقلام.

– التزوير أثناء نقل الصناديق وحالات فقدانها واستبدالها.

ختاماً، لا بدّ من ثقافة انتخابية للمواطنين، ومنها عقد الندوات في المناطق اللبنانية المختلفة وإشراك الناس في وضع قانون للانتخاب، وبالتالي يجب توعية المواطن عبر وسائل الإعلام، وإصدار المطبوعات، لمعرفة تفاصيل عمليات الاقتراع، وطرق ووسائل التزوير التي يلجأ اليها النافذون والزعماء وأصحاب القرار والسلطة والأجهزة..