25 September,2018

أيها الرجل...اغفر لهنّ!

بقلم : كوزيت كرم الأندري

أبدأ مقالتي هذه بالاعتذار منكَ، نيابةً عن كل امرأة ظنّت، عن قصد أو عن غير قصد، أنكَ عدوّها اللدود الذي جاء ليسلبها كل شيء. أعتذر منك بالنيابة عن كل امرأة، وما أكثرهن، أمعنت في إقناع مثيلاتها بأنك ذاك الوحش الجزّار المسؤول عن شقائها. فالحديث عن <تحريرنا> بات موضة رائجة، وكل من ليس لديه عمل يؤسس جمعية <لمناهضة العنف ضد المرأة>. المتاريس كثيرة، و<نجمات> النضال لخلاصنا من مخالب الرجل كثر، لا يفوّتن مناسبة لتفجير غضبهن أمام الكاميرات والميكروفونات، منصّبات أنفسهن مسؤولات عن توعية حوّاء.
أيها الرجل، أنت الصديق والحليف والحبيب. أنت الأخ والإبن والأب. أنت الزميل والرفيق والنديم. أنت السند، و<ما أتعس امرأة لا ينتظرها رجل، ليمسح عن جبينها تعب الأيام>. نمونا في رحمٍ واحد، ونتحرك في المجرّة عينها. ما يحزنك يحزنني، وما يفرحك يفرحني. الغابة التي نعيش فيها، جميعنا أبطالها، نساءً ورجالاً. لكلَينا جانبٌ مظلم وآخر مضيء. ما كسر أحلامي الشاهقة، كسر أحلامك أنت أيضاً. محكومان نحن بعبثية الحياة وفلسفة الوجود. نحن متطابقان، في جنوننا وشراستنا ومزاجيتنا وثنائيتنا وتناقضاتنا وهمجيتنا… كما في دفئنا وصدقنا ونقاوتنا ومودّتنا وسخائنا وشفافيتنا ورقّتنا وإخلاصنا. ومثلما <ابتليتُ> أنا برجل أبكاني، لا شك في أنك ابتليت بامرأة أبكتك. كلانا يقع في أخطاء أبدية، وإن كنتَ لا تستحقني أحياناً، فأنا أيضاً لا أستحقك في الكثير من الأحيان، بل قل إننا لا نستحق أنفسنا مراراً.
يا امرأة، دَعكِ ممن يوهِمْنك بأن الرجل هو أصل البلاء. إنها عقيدة انتحارية، تدخلك الحب بحالة استنفار، وأنت رهينة الأفكار المسبقة والصور الموحشة. أسيرة العقد التي لا مبرر منطقياً لها. دَعكِ من الحصاد المرّ المثخنّ بالجراح، ولا ترِثي تجارب سواك من النساء اللاتي يبحثن عن لعب دور الضحية، لأن في ذلك نوعاً من الشاعرية. هؤلاء يسارعن إلى توزيع نسخ مجانية عن معجم الهمجية الذكورية، وقد غاب عن بالهن أن عدوّ اليوم كان حبيب الأمس! فلنكفّ عن اختيار أسوأ ما في الرجل ونمزجه مع أسوأ ما في أخبار الجيران والأصحاب، حتى لا نلبسه تهماً لا علاقة له بها.
النضال من أجل <تحرير المرأة> يمرّ بمحنة، والقضية خرجت عن مسارها الطبيعي. فالمطلوب، أساساً، هو المساواة بين البشر، من أي جنسٍ كانوا. وهدف النضال يجب أن يكون استئصال الجهل العربي الذي يرزح بثقله على الذكر كما على الأنثى، بدلاً من تصوير الرجل على أنه بُعبُع. فلنعمل على تمزيق عقلية الخنوع لدى المرأة، ليس في علاقتها معه فحسب، بل في مختلف جوانب حياتها، علّهما يجدان البوصلة من جديد. الرجل، هذا المستبدّ بنظهرهن، يثير شفقتي. أشعر أنه بحاجة إلى إعادة تمركز. فالمرأة، بحجة انتزاع حقوقها ــ منه ــ أربكته، وجعلته عاجزاً عن فهم الدور الذي تريده أن يلعب. ثم أيمكن أن تفسر لنا إحدى المناضلات و<فانزاتها> ماذا تعني تحديداً عبارة <المجتمع الذكوري>؟ وهل قالت إحداهن لنا مرّة كيف سيكون البديل. لنقرّر ما إذا كنّا نثور مع الثائرات أم لا؟ فالثورة في سبيل حصول المرأة على حقوقها، بمعالمها الحالية، لا تزال تتّسم بالعشوائية الموتورة أكثر منه بالخطاب المتّزن والهادف.
صدقيني، يا عزيزتي، إن تلك المستفحلة التي تستميت لتقنعك بأنك متساوية مع الرجل في الحقوق، تتبرّأ من الواجبات حيث يناسبها الأمر. هل رأيت مناضلة نسويّة رفضت الهروب من طائرة مخطوفة إيماناً منها بالمساواة؟! وهل سمعت بأن إحداهن أصرّت على البقاء تحت ركام مبنى مهدّم لأنها لا تريد أن تتميز عن الرجل بشيء؟! وإذا كنا فعلاً نطمح إلى التعامل مع الأنثى من دون أي تمييز عن الذكر، لمَ الاحتفال <بيوم المرأة العالمي>؟ فلنمح إذن هذه المناسبة من الروزنامة، أو لنضف إليها <اليوم العالمي للرجل> عملاً بمبدأ المساواة!
كلانا خاسر، حتى إشعارٍ آخر. الرجل ليس سعيداً. وكذا هي المرأة، وإلا فكيف تفسرون اكتظاظ عيادات الطب النفسي بحالات الكآبة؟ لا شك في أنهما فقدا شيئاً مهماً: الثقة.
كُفّوا عن ترويع المرأة من الرجل، فقد يضاهيها إنسانية…
كُفّوا عن تغذية مخاوفها بحالات تعمَّم وكأنها منزَلة…
كُفّوا عن عزلها عمّن لا خلاص لها من دونه…
كُفّوا عن إفساد أحلامها، فقط لأن أحدهم هشّم أحلامكن…
كفوا عن ضخّ الحقد في لاوعيها…
كُفّوا عن ترسيخ رغبتها في الانتقام من الشريك، لا بل من الشراكة…
والأهم الأهم، <فكّوا عن ظهر الرجل>، ومن كانت منكنّ بلا خطيئة، فلترجمه بحجر!