20 September,2018

أين هي مؤسسة السياسة والسياسيين مما يدور في أفق لبنان والمنطقة؟

11  بقلم جورج بشير

الإعجاب الرسمي والشعبي في لبنان كان كبيراً عندما أعلنت شركة الطيران المدني الوحيدة في لبنان <الميدل إيست> انها حقّقت أرباحاً عالية في مجال عملها بموجب التقرير الذي أعلنه رئيس مجلس إدارتها محمد الحوت <بأن هذه الشركة اللبنانية التي كان ميؤوساً من إمكانية بيع طائراتها، أو بقاياها، وليس مأمولاً من ان تقوم لها قيامة تحقق هذه السنة هذا الحجم من الربحية (80 مليون دولار)، الى جانب امتلاكها أسطولاً جوياً متطوراً واسع الأرجاء من حيث انتشار خطوطه ومحطاته، ومن حيث وجود طاقم إداري واسع الخبرة والتخطيط من أجل المستقبل الأفضل.
لا شك ان هذه النتيجة المشرّفة وضعت هذه المؤسسة اللبنانية في مراتب مؤسسات الطيران المدني الإقليمية والدولية الناجحة والتي يؤمها الكثيرون في المستقبل على صعيد الطيران المدني والانتشار على مدى أوسع يوصل لبنان بديار الانتشار اللبناني الواسعة في مختلف أنحاء العالم.
هذه الورشة التي قادها محمد الحوت ورفاقه الى جانب حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة ورفاقه على مدى خمسة وعشرين عاماً تستحق التقدير والدرس على الصعيد الوطني، في وقت شحّ فيه النجاح والتقدم والتطور في العديد من المؤسسات اللبنانية الأخرى العاملة في القطاعين العام والخاص، بفعل حال الشلل والفساد والرشوة وانعدام الرؤية. هذه الأمراض المنتشرة في طول لبنان وعرضه بسبب الحالة السياسية المتردية وانعدام الوفاق والتوافق بين زعماء الكتل السياسية المتناحرة على المناصب ومراكز القوى وجبنة الحكم، مما يفرغ البلد من الطاقات الشابة المثقفة، ومراكز الحكم القيادية وفي طليعتها مؤسسة رئاسة الجمهورية التي طوى لبنان السنة الأولى وهي شاغرة من وجود رئيس لأسباب شتى…
في مجال الحديث عن مؤسسة <الميدل إيست> والنجاح الذي تحققه بفعل نشاطها وقيادتها الجيدة، يبرز حديث مماثل عما حققته مؤسسة الجيش اللبناني برئاسة العماد جان قهوجي بعد شلل، لا بل انفراط مبرمج من خلال تدخل السياسيين والحزبيين في شؤونها، وما حققته هذه المؤسسة خلال مدة مماثلة من تلاحم ووحدة ونتائج كبيرة على صعيد الصمود أمام الإرهاب والطامعين بالوطن أرضاً وشعباً، وفي مجال المخابرات، الى جانب مؤسسات أمنية أخرى وفي طليعتها مؤسسة الأمن العام بقيادتها الممثلة باللواء عباس ابراهيم، ومؤسسة قوى الأمن الداخلي.
طبعاً، لا مجال لتكرار الإشادة بما حققته مؤسسة مصرف لبنان بقيادة حاكمها الدكتور رياض سلامة على صعيد تثبيت دور ووجود متقدمين للبنان على الصعيدين المالي والمصرفي في المنطقة العربية كما في العالم، وثباته أمام الانهيارات التي واجهتها الأسواق العالمية في السنوات العشر الماضية وأدت الى انعكاسات بالغة السلبية على جميع الصعد، خاصة على موازنات هذه الدول وأوضاعها الاقتصادية وأسواقها المالية. ولا شك ان هذا النجاح لمؤسسة مصرف لبنان وقيادتها انعكس بدوره على القطاع المصرفي بشكل تعكسه علناً الموازنات السنوية التي تواصل المصارف اللبنانية نشرها علناً.

22.. والمؤسسة السياسية؟!

ولا بد من الدخول في مجال المؤسسة السياسية اللبنانية وما أنجزته وأنتجته هذه المؤسسة للبنان الدولة ومؤسسات الدولة، والشعب اللبناني بكل مؤسساته في القطاعين العام والخاص من انهيارات مخيفة، لا بل خطرة ومصيرية على وجود هذه الدولة التي باتت – اي الدولة – عاجزة عن تحقيق سياسة المساءلة والمحاسبة بحق الفاسدين والمفدسين من العاملين فيها، ومن مواكبة تطورات الأحداث الإقليمية والدولية وإثبات الوجود اللبناني فيها بفعل عجز هذه المؤسسة – المؤسسة السياسية – عن القيام بالواجبات المطلوبة منها والتزام قادتها بالدستور والقانون وملء المراكز القيادية الشاغرة، أو تلك المرشحة للشغور قريباً من رئاسة الجمهورية، الى قيادة الجيش اللبناني، الى بقية القيادات في المؤسسات الإدارية والأمنية والاقتصادية في هذه الدولة. وتكفي الإشارة الى ما يعانيه المجلس الاقتصادي والاجتماعي اللبناني في البلاد من شبه شلل، كون المؤسسة السياسية لا تزال عاجزة عن تثبيت هذه المؤسسة والتوافق على أركان قيادتها ورئاستها منذ سنوات، وهي المرشحة لأن تكون بمنزلة <الفيلتر> الذي يجب أن تمرّ فيه حكماً الخلافات بين أرباب العمل والعمال، لمنع تطورها وانعكاساتها السلبية على الوضع العام، كما حصل ولا يزال يحصل. ولولا استمرار المسؤولين عن قيادة هذه المؤسسة – المجلس الاقتصادي والاجتماعي – الذين انتهت ولايتهم من زمن بعيد في مواصلة أدائهم لواجباتهم لمنع هذه المؤسسة من الانهيار والتلاشي، لكان المجلس قد صار في خبر كان….
السؤال المطروح هو الآتي: هل يصحّ اعتماد المقدرات والنتائج التي حققتها المؤسسات المذكورة في مجالات عملها لتوظيف نجاحاتها مع قادتها في مجال إنقاذ لبنان مما وصل إليه مع دولته ومؤسساتها من شلل وانعدام وجود، ما عدا وجود حكومة تتألف من 24 رأساً تكاد بدورها تصاب فعلاً بما أصاب المؤسسة السياسية من عاهات وأمراض دفعتها الى العجز عن القيام بما هو مطلوب منها على صعيد تأمين قيادة الدولة ومؤسساتها وفي طليعتها مؤسسة رئاسة الجمهورية، والعجز عن تحقيق التوافق بين أركانها وكتلها وأحزابها، الى درجة ان بعضها لجأ الى إقامة حوار هدفه كما أعلن ليس إنقاذ الوطن والشعب بالتوصل الى حلول جذرية تؤدي الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والاتفاق على قواعد تخرج قانون الانتخاب من الوحل الذي يتخبط فيه من حيث العدالة وصحة التمثيل، وتهيئة اللبنانيين لانتخابات نيابية جديدة ينبثق عنها مجلس نيابي يمثل فعلاً تطلعات الشعب اللبناني ويحقق مطالبه؟!
الغريب هو أن هدف الحوار الجاري سواء بين تيار <المستقبل> وحزب الله، أو بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية ينحصر حتى إشعار آخر في <التخفيف من حال التشنج المستشري في البلاد> ليس إلا.. وهذا الهدف ضروري أن يتوصل إليه المتحاورون، لكن الهدف الأسمى الواجب على المؤسسة السياسية أن تتوصل إليه هو إنقاذ مؤسسة رئاسة الجمهورية من الاضمحلال والاندثار، ومعها سائر مؤسسات الحكم والحكومة والإدارة في لبنان لتعود هذه الدولة الى مصاف الدول العاملة للوصول الى أفضل معارج التطور والتقدم والإنماء، وليس دولة عاجزة مشلولة يكفر بها شبابها وينشدون الهجرة منها الى ديار الله الواسعة طلباً للاستقرار والأمن الحياتي والاجتماعي.

الموقف الإقليمي والدولي، هذا هو33!

دأب الموفد الفرنسي لزيارة لبنان أكثر من مرة بالاتفاق مع الفاتيكان والولايات المتحدة الأميركية، وحتى مع إيران، على إجراء الاتصالات والمشاورات مع قادة المؤسسة السياسية ومؤسسة الحكم في لبنان، وفي كل مرة كانت النتائج مماثلة: <إن القضية هي من اختصاص اللبنانيين وحدهم، وأن عليهم أن يجدوا الحلول للأزمة السياسية بأنفسهم، وألا يسمحوا لغير اللبنانيين من خارج لبنان بالتدخل في شؤون لبنان>.
هذا ما كان عليه موقف الموفد الأميركي الذي زار لبنان في الأسبوع قبل الماضي <أنطوني بلينكن> في مستهل جولته الشرق أوسطية، <ان على اللبنانيين أن يتحاوروا ويقرروا كيفية حل مشاكل بلدهم وإنقاذه من الأزمة الواقع فيها>…
طبعاً زيارة الموفد الأميركي <بلينكن> ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ملائكته حاضرة في لبنان من خلال الوجود الديبلوماسي والأمني الفاعل لسفير بلاده <دايفيد هيل> المتمتع باحترام وتقدير المسؤولين اللبنانيين في القطاعين العام والخاص.
وفي نهاية هذا الأسبوع، ستكون أزمة لبنان حاضرة على طاولة المحادثات التي ينوي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي اجراءها في باريس مع القادة الفرنسيين وفي طليعتها محادثاته مع الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند> ومعاونيه.
العلاقة تاريخية بين بيروت وباريس، وبين بكركي وفرنسا، وحتى بين البطريرك الماروني والقيادة الفرنسية. لكن ما عساه بطريرك الموارنة الراعي يفعل، وقد بحّ صوته من جراء صرخاته المرتفعة من صرح بكركي كل يوم أحد، لا بل في كل مناسبة متوجهاً بالرجاء والتمني والأمل المعقود عليهم أي على السياسيين من شعبهم للتوافق وتحمّل مسؤولياتهم، في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسن قانون جديد للانتخابات.
.. والسؤال المطروح في هذا المجال أيضاً هو: هل لقاء <الإليزيه> بين رئيس فرنسا <فرنسوا هولاند> وبطريرك الموارنة الراعي سينتهي الى رسم خريطة طريق لحل أزمة لبنان وإنقاذه؟ لا أحد باستطاعته التأكيد منذ الآن لأن بكركي تعرف، وباريس أيضاً والفاتيكان، وكل الدول تعرف ان الحل هو في الرياض وطهران، حيث يكمن الخلاف الذي يكبّل القيادات السياسية اللبنانية ويكاد يطوّق عنقها ويخنقها، حتى عن قول الحقيقة.
هل يعرف الداعون الى عدم المراهنة على الخارج هذه الحقيقة؟ إذا كانوا يعرفونها، فما عليهم سوى التوجه نحو الرياض وطهران، وينتهي الأمر…