20 April,2018

أيـهـــا  اللاجــئ الـســـوري.. مـمـنـــوع عـلـيـــــك الـمــــــوت!

 

بقلم علي الحسيني

وجهاء-بلدة-مجدل-عنجر-يهبون-السوريون-أرضاً-لإنشاء-مقبرة 

تمر بين قبورهم وانت تبحث عن أعمار ضاعت في بلاد الغربة وعلى ضفاف الألم والقهر، تبحث عن أسماء فلا تجد سوى أرقام لا تعرف أين يُمكن أن تحط رحالها. هم غرباء في موتهم كما كانوا في حياتهم، لا عيون تبكيهم ولا أرجل تمشي خلف جنازاتهم السريّة والعلنية، وحده التراب يحنو عليهم ويستر آخرتهم في أرض غريبة لا قريب فيها ولا صديق. روايات وحكايات عن أجساد لم تجد في آخرتها الراحة، بعضها دُفن في اماكن مهجورة، وبعضها الآخر وجد بقعة صغيرة عن فاعل خير، لكن قمّة الوجع أن يضطر الأهل إلى رمي جثة ولدهم في البحر بعدما ضاق بها البر ورفض استقبالها في رحلتها الأخيرة.

 

للموت طبقات ومواصفات

على مسار طريق الصعوبات في رحلة البحث عن قبر يوارى فيه النازح السوري في غربته، يبدو أن العنصرية ستظل تلاحقه حتى إلى مثواه الأخير. الجميع يرفض استقبال جثامينهم وفي حال وجد من يرعى حُرمة الموت، فإن التكاليف قد تصل الى حد قد يتمنّى فيها الأهل لو أن للبحر قعراً ثابتاً يُمكن ان يُخبئ لهم جثة ولدهم، ريثما تنفرج أمورهم وينقلونها لاحقاً إلى حيث يجب أن تُدفن أو أن تُكرّم. لكن كل هذه مجرد أمنيات وأحلام، فالواقع المرير الذي يعيشه جزء كبير من الشعب السوري في الشتات، يُمكن ان تُستخرج منه مجموعة قصص تصلح في جزء كبير منها بأن تتحول إلى أفلام سينمائية وربما تنال جوائز <أوسكار> عن فئة <القهر والظلم>. ففي الموت فنون وانحياز ومراتب وعنصرية، ولبنان يحتل مرتبة متقدمة في هذا الفن الذي تصل فيه تكلفة موت الفقير الى اكثر من الفي دولار خارج العاصمة والى ما لا يقل عن ستة او سبعة آلاف دولار في العاصمة. وهذه الأرقام ليست من باب التكهنات أو سرد حكايات لمجرد ملء السطور، بل هي حقيقة ملموسة يكشفها أكثر من شخص يُمارسون عملهم في مؤسسات تُعنى بدفن الموتى، سواء في مقابر خاصة، أو في الأوقاف العائدة للطوائف والمذاهب.

خدمة دفن السوري في لبنان واحدة تتراوح بين مرغوب ومرفوض. لا تقتصر الوسائط في لبنان على الوظائف أو الخدمات، بل هي تنسحب أيضاً على الموت وتحديداً عمليات الدفن، إذ يشتكي النازح السوري من طريقة التعاطي معه في حالة الموت وعدم وجود احترام لحرمة الموت، فأحياناً تظل جثة الميت في مسجد القرية أو البلدة اللبنانية أو في المستوصفات أو حتى المشافي المتواضعة، لأكثر من ثلاثة أيام من دون ان يتمكن الأقرباء من دفنها حيث تبدأ عملية شد الحبال وسلوك طريق الوسائط، بدءاً من المختار ومروراً برؤساء البلدية، وصولاً إلى النائب أو الوزير ربما، وكل من هؤلاء يُحيل القضية على الآخر ريثما يتم تأمين مساحة لا تتجاوز المتر أو مترين على أبعد تقدير لوضع حد لرحلة العذاب الأخيرة للأحياء قبل الأموات.

 

أيها السوري.. أخرج من لبنان؟

بدايتهم-من-مقابر-الموت  

كانت الكاتبة غادة السمان كتبت مقالاً تحت عنوان: <أيها السوري: اخرج من لبنان>! شرحت في مضمونه الحالة الذي وصل إليها النازح السوري في لبنان إذ انه يتعرض للسخرية والضرب يومياً من اللبنانيين حيث تقول: لم يعد السوريون النازحون يطيقون تذمّر اللبنانيين من حضورهم فهم اختاروا أهون الشرين، لبنان او المراكب الغامضة اللعينة التي قد تقودهم إلى الغرق في شواطئ أوروبا. وكانت صديقتي اللبنانية تقود سيارتها وأنا إلى جانبها حين اندفع طفل في حوالى الخامسة من العمر امامها عند الإشارة الخضراء/ الحمراء في شارع الحمرا وكادت المسكينة تدهس الطفل المسكين أيضاً لكنه تمالك نفسه وتسول منها بلهجة سورية كمن أنف ذلك.. وعلى الرصيف أمه التي تشجعه. صديقتي اللبنانية صاحت بأمه مؤنبة نصف شاتمة.. وردت عليها السورية: بدلاً من الأذى ادفعي له تعويضاً واحمدي ربك بأنه لم يُدهس تحت عجلاتك.

في هذا الشق الذي كتبته السمان، تتقاطع الآراء بين اللبنانيين، بين متعاطف مع الحالة السورية، وبين رافض لها. جزء كبير من الشعب اللبناني بدأ يُعلن على الملأ مدى انزعاجه من الوجود السوري ومن التصرفات التي تنجم عن بعض هؤلاء والتي تصل أحياناً إلى حد القتل، بينما يُجاهر البعض الآخر في دفاعه عن حالة الوجود السوري ويرى فيهم ضحية الحرب ويضع اللوم الأكبر على النظام السوري صاحب اليد الطولى في حرب قضت على أكثر من ثلاثة ملايين سوري وهجرت مثلهم. لكن الموضوع الذي لا وجود للانقسام حوله، هو ملف الأموات السوريين الممنوعين من الموت كونه أيضاً هو أمر في غاية التعقيد حتّى عليهم لأنه يتطلب تأمين القبر ودفع تكاليف الطبيب الشرعي وسيارة النقل وشهادة الوفاة، وهذا الأمر قد دفع بالعديد من اللاجئين إلى دفن أمواتهم بعد حلول الظلام بعيداً عن أعين البلديات ومديرية الأوقاف الاسلامية.

حكايات عديدة يرويها نازحون سوريون حول الصعوبات التي واجهتهم في رحلة موت لأفراد من عائلاتهم أو أقاربهم، أو حتّى أصدقاء لهم. أحد هؤلاء يقول: كان قرار عائلتي يومذاك قضى بنقل جثمان والدي الى سوريا، وبدل أن نلتفت إلى حزننا بفقداننا عمود بيتنا والصلاة على روحه، رحنا نبحث له عن قطعة أرض تحتويه لفترة من الزمن إلى حين نتمكن من إعادة جثمانه إلى دمشق. لكن بعد الصعوبات الكثيرة التي واجهتنا حيث مُنعنا من دفنه في أكثر من مكان وكان الرفض الكلي يتكرر معنا في كل مقبرة نسأل فيها عن إمكانية دفن الوالد، قررنا نقله الى سوريا ولو في ظل الخطر الذي يتهددنا خصوصاً من الناحية الأمنية. هنا بدأت رحلة جديدة من العذاب، إذ أخبرونا بأنه يجب الحصول على ورقة من المشفى واستخراج شهادة وفاة من المختار، ثم الذهاب إلى السفارة السورية لأخذ الموافقة على نقل الجثمان وأن هذه العملية تحتاج إلى ثلاثة أيام، ونظرأ إلى أن حالة الوفاة قد حصلت يوم السبت، كان علينا الانتظار حتى يوم الاثنين لنبدأ بالإجراءات اللازمة، وبما أن التعقيدات قد زادت في ظل الضغوط المستمرة علينا لإخراج جثة والدي من المشفى، قمنا بتهريب الجثة عن طريق البر مع مجموعة من المهربين لقاء مبلغ 300 دولار، لكن المشكلة أنهم اختلفوا في ما بينهم، ورموا بالجثة في أحد الأمكنة القريبة من الحدود لكن داخل الاراضي اللبنانية حيث اضطررنا الى دفنه في مكانه تحت جنح الظلام من دون أن نتمكن من تحديد المكان وعلّنا نتمكن ذات يوم من استرداد رفاته ونقلها الى سوريا.

 

أرض-لدفن-الأموات-السوريين-في-مجدل-عنجرالسفارة السورية.. ماذا تقول؟

من ناحيتها، تنفي السفارة السورية في لبنان ما يقال عن صعوبات تفرضها على اللاجئ السوري في لبنان لنقل الجثامين إلى سوريا. ويقول أحد الموظفين في المكتب الإعلامي للسفارة في بيروت إن هذه الأنباء غير صحيحة، فالسفارة تطلب من عائلة الفقيد رسالة من المستشفى حيث توفي، توضح سبب الوفاة وتفاصيل طبية عنه، وطبعاً أوراقه الثبوتية التي من المفترض أن تكون موجودة لدى مفوضية اللاجئين، التي تتولى تسجيل كل سوري دخل إلى البلد. ويشير إلى أنه في حال عدم توفر الأوراق الثبوتية بسبب التهجير القسري الذي عاناه النازح، فإن السفارة تأخذ الموضوع بعين الاعتبار وتعمل على تسهيل عملية نقل الرفات من لبنان إلى سوريا. ويلفت المصدر نفسه إلى أن الصليب الأحمر الدولي يتكفل بعملية نقل الجثمان، فيما العائلة ملزمة بدفع تكاليف الدفن وتحاول السفارة المساعدة بمبلغ بسيط في حال لم تتوافر الماديات للدفن.

من النافل القول إن أسعار القبور في لبنان تُشكّل عقبة كبيرة أمام السوريين، فكثيرون لا يملكون ما يدفعونه لقاء غرفة فوق الأرض أو حفرة تحتها، الأمر الذي جعل حلول فردية بسيطة تظهر لمواجهة هذه المشكلة، وأحيانا يجمع الناس ثمن القبر لمساعدة أهل المتوفى، فمنذ فترة اشترى ثري قطعة أرض جبلية كمدفن للسوريين لكن الحفر فيها صعب للغاية لذا من النادر أن يدفن أحد فيها. وهنا تروي سيدة بقاعية تملك <دكاناً> صغيراً لبيع المواد الغذائية البسيطة، حكاية تقشعر لها الأبدان تنم عن حالة التمييز العنصري الذي يتعرض له بعض السوريين الذين لا ذنب لهم في ما يحصل سواء في وطنهم، أو لجهة الإشكالات الحاصلة بين جزء من اللبنانيين مع ملف النزوح السوري بشكل عام. تقول السيدة: كانت توجد إمرأة ثلاثينية تزورني باستمرار وتُمضي ساعات وهي تجلس على الكرسي خارج <الدكان> حاملة طفلها الذي لم يتجاوز عمره العام الواحد، الى أن يحل الليل فتعود أدراجها إلى خيمتها في مخيم قريب من هنا، واللافت أن الطفل كان دائم البكاء بشكل غير اعتيادي وغالباً  ما كانت تُسكته إما بهزه بشكل متكرر، أو بوضع ملعقة حليب صغيرة في قنينة الرضاعة مقابل كمية كبيرة من المياه، من دون تعقيمها حتى.

وتضيف: لقد غابت هذه الإمرأة لفترة شهرين من دون أن تزورني، وبعدها زارتني لكن من دون طفلها هذه المرة، لتخبرني لاحقاً بأنه توفي بسبب مرضه من دون أن تتمكن من تأمين العلاج اللازم له. حدثتني عن معاناتها والعذاب التي واجهه زوجها لتأمين قبر يدفن فيه الطفل، وأنه بعدما عجزت العائلة عن إيجاد قبر، تكفّل عم الطفل بتأمين قبر صغير في قرية حدودية تبعد كثيراً عن المخيم الذي نسكن فيه. وتُخبر صاحبة <الدكان> بأن السيدة السورية علمت من قريبة لها بعد فترة قصيرة من دفن طفلها، بأن عم الطفل قد رمى جثته في احد الأنهر، وعندما واجهته أنكر شقيق زوجها الأمر وأصر على أنه لم يعد يذكر تحديداً المكان الذي دفن فيه ابن شقيقه، كونه اضطر الى دفنه تحت جنح الظلام بمساعدة شخص قال يومذاك إنه دفع له مبلغ مئة دولار لشراء سكوته وعدم فضح فعلته.

 

مجدل عنجــر تفتـح أرضها

وجـــثث أمـــام دار الفتوى

بعد كل هذه المعاناة التي يواجهها أهالي الأموات السوريين في لبنان، قامت بلدية مجدل عنجر التي يرؤسها سعيد ياسين بإنشاء مقبرة للنازحين السوريين المقيمين في بلدة مجدل عنجر حصراً. ولإعطاء الخطوة بُعداً دينياً، افتتحت المقبرة بحضور إمام أرقام-على-لائحة-أمواتالبلدة الشيخ محمد عبد الرحمن والعضو البلدي عدنان أبو هيكل.

المسؤول عن ملف النازحين في دار الإفتاء في البقاع الشيخ وسام عنوز، يشير الى أنه في هذا البلد الصغير بالنسبة لسكانه لا توجد فيه أماكن لدفن الموتى من السوريين، ومع هذا لم يتم رسمياً إحصاء عدد الوفيات بين النازحين بشكل دقيق، لكن لا بد من الكشف عن أن لا مكان خاصاً لإيواء جثامين المتوفين. وأوضح أن دار الفتوى تقوم بواجباتها أمام حرمة الموت، وتستقبل جبانة كل بلدة في البقاع المتوفين إلى جانب اللبنانيين، لكن أعداد الوفيات آخذة في التزايد ولا بد من إيجاد حلول عبر تدخّل منظمات إنسانية لتنظيم الأمر. وبأسف يشير عنوز إلى أمر حصل معه 3 مرات، إذ حضر سوريون ورموا جثث 3 موتى أمام دار الإفتاء في البقاع كي يتصرف المعنيون بها، لأنهم لم يجدوا مكاناً لدفنها.

ويتابع: الحلول المؤقتة موجودة، وهناك عدد من المقابر التي تستقبل السوريين، مثل: الجراحية في خراج المرج، مقبرة بر الياس، مقبرة مجدل عنجر، مقبرة العمرية وفي الفاعور. وهناك مواطن كان قدم بيتاً مساحته أكثر من دلم عند طلعة التويتي، وخصصه لدفن السوريين، موضحاً أن أهالي البقاع يرحبون بالنازحين، ومعظم القرى تستقبل الجثامين إلى جانب اللبنانيين، لكن المسألة هي عدم وجود مساحات كافية. وأكد أن الأمر ليس مادياً، وأن الجمعيات التي جهزت بعض قبور السوريين لم تأخذ مقابلاً سوى بدل تجهيز القبر، فلم يشتر السوريون قبوراً بل قُدّمت لهم بشكل مجاني.

المعضلة نفسها واجهتها مدينة صيدا التي كان سمح المفتي سليم سوسان للاجئين من مختلف المناطق في لبنان بأن يدفنوا في المدينة، واستُحدثت مساحات إضافية في المقبرة خاصة بالسوريين. لكن طول مدة اللجوء وتكلفة الدفن الباهظة في بيروت أدت إلى امتلاء مقبرة صيدا، ما جعل المفتي يتخذ قراره قبل أربعة أشهر بمنع دفن أي سوري من خارج صيدا في المقبرة. لكن حتّى القرار هذا، لم يحلّ حتى مشكلة اللاجئين في صيدا كون مقبرتهم امتلأت. ويقول إمام احد المساجد إن المفتي كان أجاز للبنانيين دفن الميت في القبر نفسه مع أحد ذويه بعد مرور ثلاث سنوات على دفن الأول، ويمكن للسوريين البدء بالقيام بالأمر نفسه بعد مرور هذا الوقت، وهذا قد يشكل حلاً جزئياً.

بدورها أمّنت مقبرة مخيم عين الحلوة الفلسطيني في صيدا بديلاً جزئياً للاجئين السوريين وبتكلفة مخفضة تبلغ 250 دولار، لكن هذه المقبرة امتلأت بدورها. ومن هنا، يمكن القول إن كل هذه المبادرات الانقاذية لدفن اللاجئين الأموات، تبقى مرحلية وتقوم على مساعدة من دار الإفتاء من هنا أو تبرعات مالية من فاعلي خير من هناك، بينما تغيب أية خطة جدية لحل الأزمة. ويأتي ذلك وسط غياب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية الدولية التي لا تلحظ ضمن مساعداتها تكاليف الدفن. وفي هذا الإطار، أوضحت المفوضية على لسان الناطقة باسمها دانا سليمان أنها ليست معنية بموضوع الدفن، ويقتصر تدخلها على تأمين مراكز اجتماعية لتقبل التعازي والتنسيق مع المستشفيات لخفض التكاليف من أجل تسليم الجثامين في عنصرية-الموتحال كان الشخص المتوفى مسجلاً لديها.

إنها الحرب أيها الأموات

الحرب السورية جلبت الويلات على رؤوس السوريين بشكل عام، واللاجئين في مخيمات الدول المجاورة بشكل خاص. معاناة ومذلة لن ينساها أصحابها ما عاشوا، والأصعب أن هذه المذلة وصلت الى حد عدم وجود مكان يؤوي موتاهم على الرغم من التبريرات والاستيضاحات التي يشرحها البعض. وقد تجاوزت هذه الاهانة، أزمة النزوح من الناحيتين، الانسانية والاجتماعية. والمُلاحظ أنه لدى زيارة الأمكنة التي سُمح فيها للسوريين بدفن موتاهم، من السهل أن تميّز قبور الأطفال الصغار في جميع المقابر، نتوء صغير على الأرض، محاط من الجوانب الأربع بقطع إسمنتية بحيث تحدد حجم جسم الطفل الموضوع فيه، وشاهد يحمل اسم صاحبه وإلى جانبه رقم صغير يُشير الى العدد الذي وصل اليه الاموات. أما في مقبرة <الرحمة>، لا توجد أسماء منقوشة على الرخام للأطفال اللاجئين السوريين، هناك فقط أسماء غير مفهومة محفورة على الحجارة بأداة خشنة، ما هي إلا علامة لأحد الوالدين القانطين.

والدة تبكي على قبر ابنها، يسألها البعض حول كيفية معرفة القبر من دون وجود اسم عليه؟. تُجيب: أحسب عدد <الفشخات> من الشجرة إلى القبر. على هذه القاعدة المؤلمة، تتفاوض المنظمات غير الحكومية في بعض الأحيان مع البلديات على صفقات من أجل السماح للاجئين بمشاركة المقابر مع السوريين، لكن أعداد موتاهم تتزايد نظراً لعددهم الكبير حيث يبلغ أحياناً ثلاثة أو أربعة أضعاف عدد السكان المحليين. تقول الوالدة: حتى في الموت لا نتوصل إلى الراحة، فنحن محرومون حتى من العواطف الإنسانية الحزينة التي تتمثل في الحداد والوداع عند فقداننا شخصاً قريباً، فما بالكم بطفلي الذي مات غرقاً في النهر أثناء وجودي في عملي؟!

المُلاحظ أنه حتى اليوم، لا توجد بيانات شاملة لمعدل الوفيات بين اللاجئين السوريين في لبنان. ولا تعلم المفوضية سوى بحالات الوفاة التي تحصل لشخص يتلقى الدعم الطبي في المستشفى، أو للحالات التي تختار الأسرة إعلامهم بها، حيث أنها خطوة غير مرجّح حدوثها كونها تؤدي إلى خفض المعونة.. وقد أحصت المنظمة 2087 حالة وفاة في العام 2015، في حين من المرجح أن يكون العدد أكبر بكثير نظراً لعدد السوريين المتزايد باستمرار. واللافت أنه عندما توجه سؤالاً لجميع من عانى هذه المصائب والآلام والقهر، تأتيك الإجابة على قبر من حجارة ورمل: <إنها الحرب>.