19 June,2019

”أيــام بـيــــروت السينمائـيــــة“ فـــي دورتهـــا العـاشـــرة: لـنـثـــــق بـقــــوة الـتـأثـيــــر عـبــــــر الـسـيـنـمــــــا!

بقلم عبير انطون

تنفخ جمعية <بيروت دي سي> شمعاتها العشرين على كعكة سينمائية شهية في العاصمة بلغت من ناحيتها عامها العاشر تحت عنوان <ايام بيروت السينمائية>. الدورة العاشرة غنية، كما الأرض العربية التي تتناولها الأفلام بمواضيع من أهم القضايا الراهنة في العالم العربي، من المجازر الإسرائيلية في حق الفلسطينيين والتشتت الذي يعانونه، إلى ثورات مصر وتونس وليبيا، وظاهرتي التطرف والعنف، ومعاناة اللجوء، مروراً بالفقر والفساد والقضايا الإنسانية والاجتماعية، وسعي المرأة العربية إلى التحرر والإنطلاق، وذلك بدءا من شريط الافتتاح لطلال دريكي <عن الآباء والابناء> الذي رشّح عن فئة أفضل وثائقي ضمن <الأوسكار> ويتناول تفاصيل حياة جهادي <قاعدي> من الطبقة الشعبيّة، يقيم وأسرته في إحدى قرى إدلب، ويحاول نقل ثقافة القتل لأبنائه الذين يعدون منذ صغرهم ليكونوا وحوشاً كما آبائهم، وصولا الى <يوم الدين> فيلم الختام في السادس من نيسان/ ابريل من تأليف واخراج السينمائي المصري ابو بكر شوقي، عن قصة رجل ترعرع داخل مستعمرة للمصابين بالجذام، وينطلق في رحلة بحث عن جذوره.

لكن بغير فيلمي الافتتاح والختام ما ابرز ما تقدمه الدورة العاشرة؟ ما نقاط قوتها وتميزها، هل <زمطت> من مقص الرقابة، وماذا عن الصعوبات؟

 

قوة الدورة…!

 

 للأسف، سنة بعد أخرى تتقلّص ميزانية <الأيام> التي تنظم كل عامين ويخف التمويل، تقول المديرة الفنية لمهرجان <أيام بيروت السينمائية> زينة صفير لـ<الأفكار>، لكن بطبيعة الحال لا يمكن التراجع مع الارادة بالمحافظة قدر الامكان على مستوى معين، وقد ضمّت هذه الدورة كما سابقاتها أسماء ووجوهاً كثيرة عربية وعالمية شاركت في إيصال صورة عن واقعنا ومواضيعنا.

الصعوبات المالية تخفّض عدد الفريق والموارد وحتى الأفلام (الافلام الطويلة بلغت 17 فقط لهذا العام بينما كانت تتراوح عادة ما بين الأربعين والخمسين) وعلينا ان ننجز عملا كبيرا في وقت قصير تقول زينة. دعم وزارة الثقافة معنوي بالدرجة الأولى، لكنها تساعدنا أيضا في المعاملات الرسمية المطلوبة، كما وهناك دعم من قبلها من خلال منح تقدمنا بها ويمكن للوزارة المساعدة في شأنها. في الواقع بدأت رعايتها تضحي فعالة بشكل اكبر. أما بالنسبة لاستقدام الافلام لعرضها، فقد صارت الامور اسهل مما سبق وفي ذلك تساعدنا الوزارة أيضا.

للدورة العاشرة من <أيام بيروت السينمائية> وعلى الرغم من الميزانية المتواضعة نقطتا قوة بارزتان: اولهما امتداد الاحداث والنشاطات على مدار أيام العام وخارج حدود العاصمة وصولا الى طرابلس وصيدا وحمانا، وثانيهما شبك أكثر من جمعية

تهتم بالسينما يدها مع بعضها البعض لحركة ثقافية ناشطة. وتشرح صفير:

 – مهرجان <ايام بيروت السينمائية> هو الاسبوع العربي، بموازاته، يدور ما هو مهم جدا، الجانب الصناعي من السينما أي <ملتقى بيروت السينمائي> وهو منصة للانتاج المشترك تنظمها جمعية <بيروت دي سي> بالتعاون مع جمعية <مؤسسة سينما لبنان>. هناك ايضا الـ<غودبتش> <Good Pitch>  الذي يهدف الى خلق جمهور للفيلم الوثائقي بعيدا عن التسويق والاعلام اي خلق جمهور واع في صفوف المجتمع المدني وهذا أيضا تقوم بتنظيمه جمعية <بيروت دي سي>. انها اضاءة على دور الأفلام الوثائقية في التغيير المجتمعي عبر ورشة عمل تفاعلية تشاركيٌة على أربعة أيام بعنوان <مختبر صناعة التأثير> يتدرب المشاركون فيها على دور مهني جديد يسمى <منتج التأثير> ويتمثل في صناعة التأثير من خلال الأفلام الوثائقية لخدمة قضايا المجتمع والمساهمة في <التغيير المجتمعي> بحيث شكلت تسعة أفلام وثائقية طويلة من سبع دول عربية قدمها مخرجوها قاعدة ومنطلقا لإظهار مدى قدرة الأفلام الوثائقية على إحداث تغيير مجتمعي عميق واستكشاف العلاقة التفاعلية النامية بين السينما والمجتمع المدني. والأفلام التسعة هي: <أرض مضطربة> لرحاب شريدة (فلسطين – استراليا) و<عيوني> لياسمين فضة (فلسطين – المملكة المتحدة)، و<باب الشرق> لحرام لميدو علي (العراق)، و<فولاذ> لمهدي هميلي (تونس)، و<عاش يا كابتن> لمي زايد (مصر)، و<المعلقات> لمريم عدو (المغرب)، و<يوم اكلت السمكة> لعائدة الكاشف (مصر)، و<نحن من هناك> لوسام طانيوس (لبنان)، و<العائلة الكبرى> من إخراج إليان راهب (لبنان) وإنتاج لارا أبو سعيفان (فلسطين- لبنان).

وتضيف صفير:

– كذلك، تنظم جمعية <متروبوليس> بالتعاون مع <مهرجان لوكارنو> ورش عمل لتدريب شباب على توزيع الأفلام المستقلة. كل هذه النشاطات تجري ضمن <أسبوع بيروت السينمائي>، فضلا عن نشاطات تقوم بها <مؤسسة سينما لبنان>. ونتعاون كجمعية <بيروت دي سي> مع جمعية <متروبوليس> على مهرجان <شاشات الواقع> المختصة فقط بالافلام الوثائقية بخلاف مهرجاننا الذي يعرض مختلف انواع الافلام، كما ستكون لنا محطة لاحقا مع مهرجان <سينما الفؤاد> حول العلاقة مع الجسد، يعقبه مهرجان عن البيئة ومن ثم مهرجان افريقي. بهذه الطريقة نحن نحتفل لهذا العام!

 

 عرس في غزّة!

 

اهمية مختلف هذه المهرجانات تكمن في خلق حركة ثقافية في المدينة، وهذا ما يجب ان يدخل من ضمن خطة ثقافية، تقول صفير، لاننا عندما نحضر افلاما جيدة ونتبادل الافكار نفكر افضل، ولما نفكر افضل ننتخب افضل، ولما ننتخب افضل تتحسن مجتمعاتنا واوطاننا. فإذا اخترنا ان نحلم، هذا ما يجب ان تكون عليه الأمور. نحن نحرص على دعوة ضيوف ومخرجين الى المهرجان علما ان ذلك يستقطع جزءا من الميزانية الا اننا نؤكد على ذلك لتبادل الافكار والخبرات، خاصة وان المخرجين عرب ما يؤدي الى تبادل افكار ونقاشات حول المواضيع التي تخصنا وتخص بيئتنا.

معيار اختيار الافلام واضح بالنسبة للمديرة الفنية: الجودة الفنية اولا، والافلام العربية طبعا او التي تتناول العالم العربي. المواضيع تفرض نفسها لانها عربية وتحكي عن مجتمعاتنا. ولقد لاحظنا في هذه الدورة اختيار العديد من المخرجين الاجانب مدينة <غزة> مادة لافلامهم فكان إطار عريض في <الأيام> لهذه الفئة تحت عنوان <غزة تحت الضوء>، ذلك ان اكثر من مخرج اجنبي تتطرق اليها والى الحياة فيها . في هذه الفئة يدخل فيلم <ساموني رود> للمخرج الإيطالي <ستيفانو سافونا>، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان <كان> في فئة <العين الذهبية>، ويتناول أحداث المجزرة التي سقط ضحيتها 29 من أفراد عائلة السموني خلال عرس في مدينة غزة، غالبيتهم من الأطفال والنساء، من خلال لقاءات مع الناجين من تلك المجزرة.

 فيلم آخر يأتينا في هذه الفئة ايضا تحت عنوان <ابولو غزة> <Apollo Of Gaza> للمخرج السويسري <نيكولا فاديموف> حول التمثال الأثري لإله الشمس والموسيقى <أبولون> في غزة والذي اختفى في ظروف غامضة. فضلا عن فيلم قصير عنوانه <غزة> لمخرجين اسبانيين. هذه الفئة يتم عرضها في <دار النمر> تحت رعاية مؤسسة <التعاون>. وفيلم <ساموني رود> سيعاد عرضه في مخيم البداوي في طرابلس بالتعاون مع <مؤسسة الجنى> و<الكشاف الفلسطيني – قسم القاسمية> و<مؤسسة غسان كنفاني>.

 

شاهد على الاختطاف…!

ولا يغيب عن المهرجان موضوع الخطف والمخفيين قسرا أي ضحايا الخطف، فيتناولهم <طرس – رحلة الصعود الى المرئي> للبناني غسان حلواني، وهو فيلم تجريبي وثائقي عرض للمرة الاولى في <مهرجان لوكارنو> حيث حصل على تنويه خاص، ويتناول قصة رجل تم اختطافه في لبنان قبل 35 عاما، وكان المخرج شاهدا على اختطافه، ولم يظهر بعد، لكن المخرج يصور ظهوره على طريقته.

أما موضوع اللجوء فيبرز في فيلم <بمشي وبعد> الوثائقي للمخرجة اللبنانية سينتيا شقير، الذي اقيم عرضه الأول في <مهرجان روتردام> ويتناول اللاجئين في جزيرة <لسبوس> اليونانية من خلال مهرّجين كانوا يحيون مهرجانا للترفيه عن أطفال هؤلاء اللاجئين. وتستعيد المخرجة من خلال فيلمها الماضي اذ أن عائلتها كانت قد طلبت الأمان في اليونان خلال الحرب اللبنانية.

والى الخطف واللجوء ينضم موضوع الشتات. اكثر من فيلم يتناوله بينها فيلم <تأتون من بعيد> للمخرجة المصرية أمل رمسيس في قصة غير عادية لعائلة فلسطينية تشتتت وافترقت عن بعضها البعض بسبب الاضطرابات التي شهدها القرن العشرين، بداية من الحرب الأهلية الإسبانية التي شارك فيها الأب نجاتي صدقي في النضال ضد حكم <فرانكو> مرورا بالحرب العالمية الثانية وبعدها النكبة الفلسطينية ثم الحرب اللبنانية.

 جوسلين وأسامة…!

 

ــ وماذا عن التحية المميزة للمخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب؟

– الى فيلم <عفاريت الاسمنت> للمخرج المصري أسامة فوزي الذي توفي في سن مبكرة والذي تعرضه <الايام السينمائية> في تحية تكريمية له بمناسبة عيد ميلاده الذي يصادف خلال شهر آذار/ مارس الماضي، يفرد المهرجان تحية خاصة الى جوسلين صعب المخرجة اللبنانية التي رحلت هذا العام. التحية لا تقتصر على استعادة أفلامها، الأمر الذي تقوم به اكثر من جمعية وفاء لانتاجها السينمائي المميز انما تدخل عميقا في التعريف بها وبطريقة عملها. فأعضاء جمعية <بيروت دي سي> ومعظمهم مخرجون مدافعون عن السينما اللبنانية والعربية، ارادوا ان تعرّف لفتتهم السينمائية بجوانب مختلفة من عمل جوسلين صعب التي كانت صحافية ومصورة ومراسلة حرب ومخرجة. الفكرة العائدة للمخرج هادي زكاك استقرت على تقديم نواح من عملها في لبنان بشكل خاص، ولأجل ذلك تم اختيار فيلمي <لبنان في الدوامة> ( 1976) و<بيروت مدينتي> (1982). واستعرضت التحية أيضا جانبا من التجربة السينمائية الخاصة بميشال تيّان معها هي التي مثلت في افلامها وعملت معها في المونتاج، كما تناولت نظرة جديدة وقفت عندها مخرجة شابة اسمها ملاك مروة باعتبار انها من الجيل الجديد الذي اكتشف جوسلين صعب.

ولبنانيا ايضا، يعرض المهرجان فيلما تجريبيا للمخرج غسان سلهب بعنوان <وردة> المستوحى من حياة الفيلسوفة والمناضلة الشيوعية <روزا لوكسمبرغ> اشهر شيوعية في التاريخ، بمناسبة مئوية اغتيالها. وهذا الفيلم الذي عرض في الدورة الاخيرة من <مهرجان برلين السينمائي> يستند الى الرسائل التي كتبتها <لوكسمبورغ> عندما كانت في السجن عام 1917.

 وبعيدا عن نضال <روزا لوكسمبرغ> انما في الدائرة نفسها كان عرض لفيلم <حقول الحرية> الوثائقي، للمخرجة الليبية – البريطانية <نزيهة عريبي> حول نضال نسائي من نوع آخر إذ يتناول طموح المرأة الليبية إلى التحرر من القيود التي يفرضها المجتمع عليها. وعلى خلفية الثورة في ليبيا، تركز المخرجة على ثلاث فتيات مثقفات يتهيأن لبدء العمل في الطب والصيدلة، دون التخلي عن ولعهن بكرة القدم رغم الهجوم الشديد واتهامات شتى من جانب رجال الدين لهن.

والى افلام مصر والمغرب العربي، للسودان حصة في <الايام البيروتية> تمثلت بقصة حب تدور في زمن الحرب الأهلية، من خلال فيلم <اكاشا> للمخرج حجوج كوكا والذي عرض ضمن <أسبوع النقاد> في <مهرجان البندقية السينمائي> عن أحد أبطال الثورة السودانية الذي يعشق القتال بقدر عشقه لحبيبته، ويتناول الفيلم استمرار الحياة في ظل الحرب…

 

المقص؟!

وكما تطرح مع كل مهرجان همروجة الرقابة أو المنع او الحذف تؤكد المديرة الفنية للمهرجان ان الموضوع لم يعد مع الأمن العام بقدر ما هو مع الذين يعدوننا من محامين وغيرهم بانهم يعملون على القانون وفي الواقع لا يقومون بعملهم. هو ككل امر في لبنان… <بيروح بالنسيان>. في موضوع الرقابة عندنا جديا ما نقوم به، ومن يجب ان يقوموا به ملهيون عنه لسوء الحظ. نتناول موضوع الرقابة ونتناقش ونحكي ونحاول ومن ثم نعود ونتراجع. بقينا حتى الليلة التي سبقت الافتتاح من دون جواب حول عرض الفيلم من عدمه. المشكلة اننا <ما منفوق> على مسألة الرقابة الا كلما كان عندنا مهرجان او منع لفيلم ما، علما ان المسألة يجب ان تبتّ!