12 December,2019

أول استحقاق يواجه رئيس مجلس القضاء الجديد إجراء تشكيلات تضع القاضي المناسب في المكان المناسب!  

مرة جديدة يجد الجسم القضائي في لبنان نفسه أمام تحديات جديدة تتجاوز هذه المرة تدخلات المسؤولين والسياسيين في شؤون القضاء وعمل المحاكم، الى حد تحميل القضاة مسؤولية استمرار <الفلتان> في مختلف وجوهه. ذلك ان القيادات الأمنية تشكو من انها تقوم بدورها في القبض على المتهمين والمحرضين، لكن القضاء سرعان ما يطلق سراحهم تحت عناوين مختلفة منها <عدم كفاية الدليل> و<عدم توافر الأدلة الجرمية> و<التراجع عن الخطأ> وغيرها من التبريرات التي يرى فيها الأمنيون <ضياعاً> لجهدهم في ملاحقة المشتبه بهم والمرتكبين على حد سواء. و<تهمة> <إضاعة> جهود الأمنيين ليست وحدها المادة التي يتم تناول القضاء فيها، بل كذلك، أخذ القضاة الوقت الطويل لإصدار الأحكام وتكرار الاستماع الى الشهود و<التجاوب> مع طلبات الاستئناف والتمييز وأحياناً كثيرة إعادة المحاكمة…

تدخلات الرسميين والسياسيين!

 

لقد درج الجسم القضائي على عدم الدخول في المهاترات الكلامية والجدل الإعلامي، لكن هذا <التعفف> بدأ يشكل عبئاً على القضاة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وأخرى، وبين حادثة وأخرى، تحت الأضواء مع <تهم جاهزة> بأنهم يعطلون عمل الأجهزة الأمنية ومفاعيل توقيف المتهمين، سواء من خلال إطالة أجل المحاكمات، أو من خلال اطلاق سراح المتهمين، لأسباب مختلفة. ومع تعيين رئيس جديد لمجلس القضاء، القاضي سهيل عبود، تتوقع مصادر معنية حصول تغيير في نمط عمل الجسم القضائي، إلا ان هذا التغيير لن يبصر النور قبل استكمال التشكيلات القضائية التي تعتبر أول استحقاق سيواجه مجلس القضاء بعد تغيير رئيسه وتعيين المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات وإحداث تغييرات في المواقع القضائية الأخرى. وهذا الاستحقاق سيكون أول امتحان للرئيس عبود وأعضاء مجلس القضاء في اقتراح تشكيلات تضع القاضي (أو القاضية) المناسب في المكان المناسب بحيث يتفعل عمل المحاكم التي يشكو المتقاضون من بطئها من جهة، ومن توسيع إطار الطلبات والمراجعات من جهة أخرى، وقد أتى الحكم الذي صدر عن المجلس العدلي في ملف جريمة اغتيال القضاة الأربعة في صيدا، بعد 20 عاماً من وقوع الجريمة، ليؤكد ان العدالة المتأخرة لا تحقق المأمول من القضاة الذين يحكمون باسم الشعب ويقررون من خلال أحكامهم مصير آلاف المتقاضين، مدعين كانوا أو مدعى عليهم.

ولعل التحدي الأكبر الذي سيواجه التشكيلات المتوقعة، يكمن في مدى استجابة مجلس القضاء الأعلى لتدخلات السياسيين والمسؤولين على حد سواء خصوصاً في المواقع الحساسة التي يُحسب لها حساب في العمل القضائي. وثمة من يرى ان الرئيس عبود ليس من النوع الذي يخضع لمشيئة السياسيين والرسميين ولا هو ممن يديرون اذانهم لإصغاء مراجعات هؤلاء، وهو راغب في أن تكون التشكيلات القضائية تشبه مسيرته في السلك التي اتصفت في السنوات الماضية بالحكمة والمناقبية والتزام القوانين والأنظمة. لكن في المقابل يتحدث متابعون للحركة القضائية ان <وقاحة> بعض السياسيين والمسؤولين معاً وطلباتهم، تتجاوز أحياناً قدرة القضاة على عدم التجاوب معها، فيقع إذذاك المحظور، ويصبح

القضاء في يد السياسيين والمسؤولين ما يضرب ثقة الناس بسلطة هي الثالثة في البلاد بعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، التي يفترض أن تكون على مسافة واحدة من السلطتين كي تستطيع ممارسة دورها بنزاهة وحياد.

 

تعميم ملتبس للحريري!

وفي الوقت الذي يستعد فيه مجلس القضاء لاستقبال رئيسه الجديد الذي يخلف القاضي جان فهد في هذا الموقع الأرفع، جاء التعميم الذي أصدره رئيس الحكومة سعد الحريري وطلب

فيه من الوزارات والادارات العامة والبلديات مخاطبة النيابة العامة والقضاء بواسطة المدعي العام عويدات حصراً، ليحدث بلبلة في الأوساط القضائية، حيث تباينت التفسيرات حيال هذا الاجراء وراوحت بين من اعتبر ان تعميم الرئيس الحريري يقوض صلاحيات النيابات العامة، وبين من رأى فيه اجراء طبيعياً يضع حداً لتفلت عمل هذه النيابات ويخرجها من التبعية السياسية لهذا الفريق أو ذاك. ويقول مؤيدو التعميم ان الغاية منه تصويب عمل النيابات العامة و<تحريرها> من سطوة الأفرقاء السياسيين عليها، وبالتالي حصر تخاطب المؤسسات والادارات والوزارات بالمدعي العام التمييزي وليس بالنيابات العامة على اختلافها استئنافية كانت أم مالية، أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. في حين رأى المعترضون، وبينهم قضاة كبار يشغلون مناصب حساسة، ان معالجة أي خلل في تطبيق القانون تستدعي وضع اليد على هذا الخلل، لا استحداث خلل اضافي، فضلاً عن ان التعميم يحوّل المدعي العام التمييزي الى <صندوق بريد> للنيابات العامة الأخرى، وهذا يخالف مبدأ قانونياً أساسياً وهو حق الوصول الى القضاء.

وبين الرأيين المتناقضين، ثمة من يقول إن بعض القرارات القضائية التي صدرت في الآونة الأخيرة خرجت عن العمل القضائي الصرف، ما يحتم إعادة تصحيح البوصلة من خلال قيام سلطة رقابة على مسار النيابات العامة حتى لا تكون القرارات القضائية عرضة للتشكيك، شرط ألا تمس صلاحيات النيابات العامة الأخرى المحددة بموجب القوانين المرعية الاجراء ولاسيما قانون أصول المحاكمات الجزائية. ويهمس بعض القضاة ان وراء التعميم رغبة في تقليص صلاحيات النيابات العامة الأخرى والحد من حقوق الجهات التي تخاطبها، ويعطي المدعي العام التمييزي سلطة انتقائية من تصنيف المراسلات واختيار ما يراه مناسباً له فيقبل بعضها ويرفض البعض الآخر من دون تبرير. ويضيف هؤلاء القضاة ان تعميم رئيس الحكومة أتى بعد خطوة مماثلة اتخذها القاضي عويدات ما دلّ على ان وراء هذا الاجراء خلفيات سياسية وليست

قانونية.

وتقول مصادر رئاسة الحكومة ان التعميم المشكو منه جاء كي لا يبقى كل قاضٍ <فاتح على حسابو>، وهذا هو التوجه الذي ينوي المدعي العام عويدات اعتماده خلال وجوده في هذا الموقع، لاسيما وان النائب العام التمييزي هو رئيس النيابات العامة الاستئنافية والمالية والعسكرية التي تخضع لسلطته وتعمل بموجب تعليماته وتحت اشرافه، على رغم ان العادة درجت من زمن بعيد على ان النيابات العامة تستقبل الشكاوى وتفتح تحقيقات فيها من دون مراجعة النائب العام التمييزي، ولا يستبعد متابعون لهذا الملف وجود خلفيات سياسية لبعض الملاحقات والدعاوى التي تقدم، علماً ان ثمة دعاوى بحق أشخاص تسير بشكل روتيني، ودعاوى مماثلة يجري حفظها لعدم تعريض أصحابها للملاحقة وذلك تحت تأثير المراجعات والضغوط السياسية. ويرى قانونيون ان تعميم الرئيس الحريري يقع في موقعه القانوني لأنه يستند الى قانون المحاكمات الجزائية، بصرف النظر عن أهداف سياسية أو غير سياسية قد تكون الدافع لاصداره!

والسؤال يبقى: هل اراد الرئيس الحريري من خلال تعميمه <تحصين> النيابات العامة من تدخلات السياسيين، أم حصر المرجعية في مكان واحد لمحاصرة السياسيين وجعلهم يمرون بمرجعية واحدة يعتبرها الأقرب إليه من مرجعيات أخرى؟!