15 November,2018

أولى ثمار ”التسوية“ ظهرت في مجلس الوزراء من جديد: ”التيار“ و”المستقبل“ و”الثنائي الشيعي“ تقاسموا التعيينات!  

يوسف فنيانوسإذا كانت ثمرة التسوية السياسية التي تم التوصل إليها خلال الاجتماع الثلاثي الذي ضم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري في قصر بعبدا قبل ثلاثة أسابيع، أعادت الحياة الى مجلس الوزراء واستئناف الجلسات بمشاركة جميع الوزراء حتى <الحردانين> منهم، فإن النتيجة العملية الأولى لهذه التسوية كانت عودة التعيينات الإدارية على أساس المحاصصة وبالتفاهم مع القوى الفاعلة في مجلس الوزراء على رغم صرخات وزراء لم يكونوا على علم بما يجري بين <الفاعلين> في الحكومة الذين وإن باعدت الخلافات بين بعضهم الى حد القطيعة الكلامية، إلا ان ما يجمعهم، ولو عن بعد، فهو تمرير دفعة من التعيينات لم تكن متوقعة ولا هي أدرجت على جدول الأعمال، بل <هبطت> على طاولة مجلس الوزراء بـ<باراشوت> التفاهم على اقرارها.

وهكذا فإن ما كان غير ممكن قبل أسابيع، صار ممكناً في آخر دقائق من تلك الجلسة التي قيل فيها كلام كثير وخطير في آن عن الوضع الاقتصادي في البلاد والحالة المذرية للخزينة وللمالية العامة للدولة، إضافة الى الواقع الرديء للكهرباء الذي دفع رئيس الجمهورية الى <الضرب على الطاولة> مهدداً بعدم انعقاد مجلس الوزراء مرة أخرى قبل الاتفاق على حل معضلة الكهرباء، ولو اقتضى الأمر اللجوء الى التصويت على تأمين 800 ميغاوات اضافية تقلل من ساعات التقنين في المناطق كافة.

صحيح ان صرخة الرئيس عون الكهربائية لن تذهب سدى وان غداً لناظره قريب، كما يقول أحد الوزراء، إلا ان الصحيح أيضاً ان <غضب الرئيس> على الوضع الكهربائي العام والتحذيرات التي أطلقها <كهربت> الأجواء الوزارية لفترة، ثم عادت الأمور الى طبيعتها بحيث تم تمرير تعيينات من خارج الجدول في أقل من عشر دقائق من أصل ساعتين ونصف الساعة من النقاش في مواضيع أخرى.

 

هكذا تم <تهريب> التعيينات!

 

كيف هبطت التعيينات على جلسة مجلس الوزراء؟

يروي أحد الوزراء <المعترضين> على <تهريب> التعيينات وقائع ما جرى فيقول انه فيما كان الوزراء منهمكين في مناقشة البنود الواردة على جدول الأعمال، كان وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل يتنقل من وزير <فاعل> الى آخر (ما ملحم رياشيعدا الوزير علي حسن خليل الذي لا يتكلم معه منذ الخلاف على الفيديو المسرّب الذي تضمن اتهامات وجهها باسيل بحق الرئيس نبيه بري) حاملاً معه ملفاً أبيض فيه لوائح وأسماء.

وهنا ــ يضيف الوزير ــ ساد شعور بأن ثمة ما يتم <طبخه> لتمريره في الجلسة على عجل ومن خارج الجدول علماً ان بعض الوزراء كان يهم بالخروج من القاعة ظناً منهم ان النقاش قد انتهى مع انتهاء بنود الجدول. وفجأة ــ يقول الوزير نفسه ــ ارتفع صوت الرئيس سعد الحريري داعياً الوزراء الى البقاء في القاعة لاقرار بعض التعيينات. وهنا تعالت أصوات وزراء يقولون إنه لم توزع عليهم الوظائف التي سيتم التعيين فيها ولا السير الذاتية (CV) للمرشحين ولا تقارير لجنة الآلية الوزارية التي يفترض أن تكون درست طلبات الترشيح وأوصت بثلاثة أسماء لكل وظيفة لاختيار واحد منها. إلا ان ملاحظات الوزراء المعترضين لم تلق الصدى المطلوب فكانت الدفعة الأولى من نصيب وزير الثقافة غطاس خوري الذي بدا وكأنه حفظ السيناريو المعتمد وخلاصته: <بدكن تعينوا عينوا ما بدكن بلاها>! لكن <رغبة> الوزير تحققت وفقاً للسيناريو الموضوع أصلاً، فكانت دفعة أولى من التعيينات في وزارة الثقافة إذ عُين الدكتور علي الصمد مديراً عاماً للوزارة (من حصة تيار <المستقبل>)، ثم الدكتور حسان عكره مديراً عاماً للمكتبة الوطنية وهو من حصة <التيار الوطني الحر> كونه نجل الناشط في <التيار> الدكتور أدونيس عكره الذي كانت له في ما مضى صولات وجولات لصالح <التيار البرتقالي> في زمن <الجنرال> عون. وعلى رغم اعتراض وزراء بحجة عدم الحصول على السير الذاتية للصمد وعكره، فإن تعيينهما تم، على رغم ان مجلس ادارة المكتبة الوطنية لم يعين وكذلك مجلس ادارة المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار) وإدارة المتاحف الوطنية لعدم <التوافق> عليهما، كما قال الوزير المعني أي وزير الثقافة.

 

مؤسسات المياه… محاصصة!

 

ويقول الوزير <المعترض> نفسه انه ظن مع غيره من الوزراء ان الأمر انتهى وهمّ مع عدد من زملائه بالخروج من القاعة، إلا ان صوت الرئيس الحريري أعادهم مجدداً والهدف هذه المرة <دسم> جداً: تعيين رؤساء مجالس المؤسسات العامة للمياه. صرخ وزراء مجدداً: وين الأسماء الـ27، فلم يحصلوا على جواب، فيما شرع الوزير المعني، أي وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل بتلاوة الأسماء ليتضح في ما بعد، وفق الوزير نفسه، ان <المحاصصة> لعبت دورها هذه المرة أيضاً، وتوزع المعنيون على <التيار الوطني الحر> وتيار <المستقبل> و<الثنائي الشيعي>. وما أن تُلي اسم المهندس جان يوسف جبران ليكون رئيساً لمجلس الادارة ومديراً عاماً لمؤسسة المياه في بيروت وجبل لبنان حتى ارتفع صوت وزير الإعلام ملحم رياشي قائلاً بين المزح والجد: <إذا اسمو جبران مش موافقين>، فرد الوزير باسيل بالوتيرة نفسها <شيل اسم جبران وخللي جان يوسف>… ضحك الوزراء ومرّ التعيين وسط اعتراض وزراء <القوات اللبنانية> ووزير <المردة> يوسف فنيانوس وتساؤلات وزير الدولة علي قانصوه الذي بحث عن السيرة الذاتية للمهندس جبران فلم يجدها.

وبين صرخة من هنا <وقفشة> من هناك، كرت سبحة التعيينات وفق الحصص المحددة فنال <التيار البرتقالي> مؤسسة مياه البقاع التي حل فيها رزق جرجس رزق، ونال تيار <المستقبل> مؤسسة مياه الشمال من خلال الناشط <المستقبلي> خالد بركات عبيد، فيما نالت حركة <أمل> مؤسسة مياه الليطاني من خلال تعيين سامي حسن علوية، وحظي حزب الله بمؤسسة مياه الجنوب من خلال وسيم صلاح ضاهر. ومع استمرار الاعتراضات أعاد الرئيس الحريري ما كان يقوله دائماً في حالات مماثلة: <بعد اليوم جيبوا السير الذاتية ووزعوها قبل بوقت>!

 

مجلس الوزراء مجتمعا أين الآلية؟

ويضيف الوزير المعترض، الذي ذهب اعتراضه سدى، ان آلية التعيين <اغتصبت> مرة أخرى كما حصل في التعيينات السابقة وان كان الوزير أبي خليل قال ان المعينين خضعوا للآلية وفقاً للأصول، وعندما اعترض الوزير رياشي ردّ أبي خليل <هيدي صلاحياتي الدستورية> فأنا أقترح الاسم من بين الأسماء الثلاثة التي وردت في تقرير لجنة الآلية التي تضمه الى الوزيرة عناية عز الدين ورئيسة مجلس الخدمة المدنية القاضية فاطمة الصايغ عويدات. وعندها قال الوزير رياشي: إذا كانت الآلية محترمة ومن حق الوزير أن يسمي اسماً من الثلاثة، فلماذا لم يؤخذ بنتائج الآلية التي اعتمدت لتعيين مجلس ادارة تلفزيون لبنان، والاسم الذي رشحته لهذا المنصب؟ لكن سؤال رياشي ظل بلا جواب فطلب تسجيل اعتراضه ووافق الرئيس الحريري على تسجيل اعتراض وزراء <القوات>، وكذلك فعل الوزير فنيانوس الذي اعترض بدوره وغادر القاعة ليقول للصحافيين ان التعيينات تمت بتهريب الآلية!

إلا ان وزراء لاحظوا في وقت لاحق ان تعييناً مرّ من دون نقاش ــ وربما من دون انتباه المعترضين ــ لرئيس الادارة المدير العام لمستشفى بيروت الحكومي ــ الكرنتينا وهو ميشال حنا مطر القريب من <التيار الوطني الحر>، مع أعضاء مجلس الادارة الموزعين على الأحزاب. أما حصة حركة <أمل> في مستشفى <الكرنتينا> فبقيت محفوظة من دون الاسم الذي سيؤمنه لاحقاً الوزير علي حسن خليل ليضاف الى مرسوم التعيين من دون أن يعرض مجدداً على مجلس الوزراء!

وتقول مصادر وزارية متابعة ان <تمرير> التعيينات على دفعات وفي الربع الساعة الأخير لن يتكرر وسترتفع الأصوات المعترضة أكثر فأكثر إذا ما تكرر هذا <السيناريو> الذي يطبخ قبل الجلسة وعلى الوزراء القبول بـ<طبق التعيينات> كما أعده ثلاثي الطهاة: الحريري ــ باسيل ــ خليل بالتنسيق مع وزراء حزب الله وبعض المستقلين من دون تجاهل دور وزيري الحزب التقدمي الاشتراكي مروان حمادة (الذي غاب للمرة الثالثة عن جلسات مجلس الوزراء) وأيمن شقير الذي لا يريد أن <يعمل مشكل>. وتضيف المصادر انها ليست المرة الأولى التي يعد فيها الرئيس الحريري بادراج التعيينات على جدول الأعمال مع السير الذاتية للمرشحين، لكن وعد الرئيس الحريري ظل… وعداً!