16 October,2019

”أوركسترا“ الشائعات التي واكبت عون في نيويورك تتجاوز أهدافها ”الحرص“ الملتبس على مالية الدولة!

لم تفاجئ أحداً الحملة التي استهدفت رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال وجوده في نيويورك لترؤس وفد لبنان الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي امتدت من 22 أيلول (سبتمبر) الماضي الى 26 منه، خصوصاً انها ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الرئيس عون خلال وجوده خارج لبنان في مهمات رسمية، وهي في كل الأحوال قليلة العدد قياساً الى غيره من المسؤولين اللبنانيين… إلا ان عنصر المفاجأة كان في <التنظيم> المتقن الذي اعتمد لـ<مواكبة> الرحلة الرئاسية الى نيويورك، والذي كان نتاج <غرفة عمليات> محترفة بدليل حجم الشائعات التي استعملت في هذه الحملة والتي تنوعت من عدد أعضاء الوفد المرافق لرئيس الجمهورية الذي قيل انه 160 شخصاً، الى الفندق الذي حل فيه والذي قيل انه <الأغلى> في المدينة الأميركية التي تحتضن مقر الأمم المتحدة، الى المطاعم التي <حلّ> فيها الوفد الرئاسي وأحدها ــ وفق هذه الشائعات ــ هو مطعم <سانت ريجيس> الذي <دبّج> مرجو الشائعة انه حجز بكامله لاستضافة الرئيس عون والوفد المرافق بكلفة فاقت 40 ألف دولار… ناهيك بأخبار وروايات من نسج <غرفة العمليات> إياها التي تلجأ في كل مرة يضع فيها رئيس الجمهورية <رجله> في الطائرة لاطلاق الشائعات في محاولة مكشوفة للنيل منه.

ولأن الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد ليست على ما يرام، استغل <مفبركو> الشائعات التأزم الذي تعيشه خزينة الدولة هذه الأيام ليضربوا أخماساً بأسداس بهدف النيل من سمعة الرئيس وتصويره وكأنه اعتمد سياسة <البذخ>، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة نقدية واقتصادية غير مسبوقة. وقد أدار ساكنو <غرفة العمليات> محركاتهم في كل اتجاه، سواء من خلال بعض الإعلام المكتوب، أو الاعلام المرئي والمسموع، وصولاً الى مواقع التواصل الاجتماعي التي غصت بالتعليقات والملاحظات والأخبار غير المستندة الى أي معطى حقيقي، بل كانت التوجيهات المعطاة للناشطين على هذه المواقع تلخص بالمثل المعروف <اكذبوا ثم اكذبوا فلا بد أن يعلق شيء في الأذهان>!

 

شاهدوا وشهدوا

غير ان الذين رافقوا رئيس الجمهورية في رحلته الأممية من رسميين واداريين وأمنيين واعلاميين، شاهدوا وشهدوا بحقيقة الموقف، وكتبوا ملاحظاتهم وخلاصتها ان عدد أعضاء الوفد الرئاسي بكل مستوياته لم يتجاوز الـ60 شخصاً، بينهم 20 اعلامياً ينتمون الى مؤسسات اعلامية مرئية ومكتوبة ومسموعة، و20 رجل أمن توزعوا بين مقر إقامة الرئيس عون في فندق <بلازا> وفي الأماكن التي قصدها، وفي المطار المجاور لمطار <ج.ف. كينيدي> حيث رُكنت الطائرة الرئاسية المستأجرة من شركة طيران الشرق الأوسط وفقاً للأصول المرعية الاجراء، خصوصاً ان رئاسة الجمهورية لا تملك طائرة خاصة للتنقل فيها خلال زيارات رئيس الجمهورية الى الخارج. أما الفندق الذي قيل انه <الأغلى>، فإن الأرقام تدحض هذه الشائعة وتخنقها في المهد، لأنه ليس الفندق <الأغلى>، بل هو فندق جيد وحل فيه الرئيس عون للمرة الثانية على التوالي، وكلفة الغرفة فيه لا تتجاوز الـ500 دولار في الليلة الواحدة وهو سعر يكاد يكون رمزياً قياساً الى أسعار غرف الفنادق النيويوركية الأخرى التي ترفع أسعارها في شهر أيلول (سبتمبر) لأنه شهر الذروة نتيجة انعقاد الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة التي يشارك فيها رؤساء الدول والحكومات وكبار المسؤولين في الدول ناهيك بفريق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. أما بالنسبة الى مطعم <سانت ريجيس> الذي قال مروجو الشائعات المحترفون ان الرئيس عون <حجزه> بكامله لتناول طعام العشاء، فلم تكن هناك حاجة لـ<حجزه> لأن رئيس الجمهورية لم يغادر طوال مدة وجوده في نيويورك جناحه في <البلازا> إلا للتوجه الى مقر الجمعية العمومية للأمم المتحدة ثم العودة منه. لا بل أكثر من ذلك، فقد ألغى الرئيس عون احتفال الاستقبال الذي كان يُقام تقليدياً للقاء أفراد الجالية اللبنانية ــ كما يحصل في كل الزيارات الرسمية ــ بهدف عصر النفقات. وكانت التعليمات التي أعطيت لأعضاء الوفد باختصار اتصالاتهم الهاتفية بالضروري منها، وتناول الطعام خلال أوقات <البوفيه> بسعر موحد، كما توزع أعضاء الوفد، على مختلف المستويات، على غرف مزدوجة وبعضها كان مثلثاً.

والمفارقة ان الحملات التي استهدفت رئيس الجمهورية خلال وجوده في نيويورك، اختلط فيها الحابل بالنابل، فمن أزمة الدولار التي استُثمرت بقوة، الى توقف بعض المصارف عن الدفع بالدولار، وغيرهما من المشاكل التي <انفجرت> الواحدة تلو الأخرى في فترة وجود الرئيس عون في نيويورك، لـ<تُتوج> كلها بالدعوات الى التظاهر والمطالبة باستقالة الحكومة وأحياناً بأن <يرحل> الرئيس من قصر بعبدا، مع ما رافق هذه الشعارات من كلمات <تدغدغ> مشاعر الرأي العام وتُشعل مواقع التواصل الاجتماعي…

القصة أكبر من حرص على المالية العامة!

فهل كل الذي حصل في بيروت خلال وجود رأس الدولة في نيويورك مجرد ردود فعل <عفوية> أو وليد <احتقان> تم التعبير عنه على نحو مبالغ فيه؟

مصادر متابعة تجيب عن هذا السؤال بالقول إن ما حصل في الأسبوع الماضي من ردود فعل مبالغ فيها وحملات اعلامية مركزة لم يأت من عدم، لاسيما وان مثل هذه الحملات تتكرر كل مرة يسافر فيها رئيس الجمهورية الى خارج لبنان بهدف التشويش على مثل هذه الزيارات الرسمية التي لم تتجاوز بعد عدد أصابع اليد العشرة، و<الأوركسترا> التي توزع <ألحان الشائعات> يقودها <مايسترو> واحد يعطي إشارة الانطلاق فتنزل الأخبار ومعها التعليقات، ويتم اقتطاع كلمات الرئيس ومواقفه للتدليل على نواح معينة تزيد الهوة اتساعاً بين القاعدة والقمة. أكثر من ذلك ــ تضيف المصادر المتابعة  نفسها ــ يعمل المروجون وفق خريطة طريق تستهدف العهد بقصد اضعافه وتصويره بأنه لا يلبي حاجات شعبه ولا يوفر لهم ظروفاً اجتماعية محددة ورعاية صحية كاملة… وغيرها من الضمانات التي تهاوت تدريجاً نتيجة عجز موازنة 2019، والمتوقع أن يتكرر في مشروع موازنة 2020.

وتشدد المصادر نفسها بأن القصة ليست قصة وفد وفندق ومطعم… بل هي ردة فعل سياسية وحملة مبرمجة تستهدف إضعاف العهد وتعطيل قدرته على تحقيق الاصلاح والتغيير الذي التزم رئيس الجمهورية تحقيقه خلال فترة ولايته، وإلا كيف يُفسّر الكلام السياسي الذي رافق <الاعتراض> على تركيبة الوفد الرئاسي الى نيويورك، وكيف يُفسر التحرك المفاجئ للشارع تحت عناوين براقة وشعارات تهدف الى <استقطاب> الرأي العام المتألم من الضائقة الاقتصادية؟ واستطراداً لماذا الحديث عن

تغيير للحكومة حيناً، واجراء انتخابات نيابية جديدة حيناً آخر وعمر المجلس الحالي ما زال في أوله، وصولاً الى المناداة بـ<رحيل> رئيس الجمهورية؟

المتابعون لمسار ردود الفعل المبالغ فيها يؤكدون ان المسألة ليست محصورة بوفد رئاسي سافر الى نيويورك، لأنه منذ اللحظة الأولى لانتخاب الرئيس عون في 31 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2016، بدأ التخطيط لشل العهد وتطويقه، وفق روزنامة محددة ومدروسة سهر على تنفيذها ــ ولا يزال ــ بعض <الحرّيفين> من أهل السياسة الذين هالهم أن يأتي رئيس جمهورية مثل الرئيس عون ينادي بـ<التغيير والاصلاح> ويضيف الى هذا الشعار المزدوج مكافحة الفساد، والعمل على تغيير نهج زرعته الوصاية السورية في البلاد منذ بدء تطبيق <اتفاق الطائف>، لاسيما وان هذا النهج يلتقي حوله قياديون يدركون ان الرئيس عون لن يدخل الى <ناديهم> ولن يقف عند <خاطرهم>، بدليل ان المواجهات كانت شبه شهرية، بدءاً من محاولة التمديد للمجلس النيابي القديم (ما اضطر الرئيس عون الى استعمال حقه الدستوري في تعليق جلسات مجلس النواب شهراً كاملاً) وصولاً الى التحالفات في الانتخابات النيابية العام 2018، ثم التعثر في تشكيل الحكومة الجديدة تسعة أشهر، ناهيك عن <تضييع> الوقت في مواضيع تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء، مثل خطة الكهرباء التي تأرجحت ثلاث سنوات ولم تنته بعد، والبيان الوزاري، وسلسلة الرتب والرواتب، والرسوم الجديدة في موازنتي 2018 و2019 الخ… وفي رأي المتابعين أنفسهم ان ما حصل خلال وجود الرئيس عون في نيويورك هو جزء من هذا المسار الذي لن يتوقف على ما يبدو وسوف يرتدي في كل مرة لبوساً مختلفاً على ان يتصاعد تدريجياً مع نهاية السنة الثالثة من الولاية الرئاسية وبدء السنة الرابعة في 31 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وهو أمر يدركه رئيس الجمهورية ويتصرف على أساسه مع بعض التعديلات من وقت الى آخر تسهيلاً لبعض المشاريع أو الخطوات التي يريد اتخاذها.

ويرى المتابعون، في هذا الإطار، ان الاجتماع السياسي ــ الاقتصادي الذي عقد في قصر بعبدا مؤخراً وأسفرت عنه ورقة عمل للمرحلة المقبلة كان يفترض أن تُترجم في مشروع موازنة 2020، لكن الواقع ان هذه الموازنة جاءت خالية من العديد من النقاط التي تم الاتفاق عليها ما شكل عملياً خطوة أولى على طريق النكث بالوعود التي التزم بها الحاضرون، خصوصاً بعدما فتح مشروع الموازنة شهية بعض الكتل النيابية الممثلة في الحكومة فراحت تقدم اقتراحات يتناقض بعضها مع ما تم الاتفاق عليه في بعبدا، كما عادت <ظاهرة> عرقلة تنفيذ خطة الكهرباء على رغم اقرار جميع الحاضرين بضرورة المضي بتنفيذ الخطة التي تبناها مجلس الوزراء، علماً ان المجتمع الدولي ينتظر أن تكون انطلاقة التنفيذ الكهربائي المؤشر الجدي لالتزام لبنان موجبات مؤتمر <سيدر>.

في أي حال، يؤكد القريبون من الرئيس عون، ان رئيس الجمهورية أظهر تاريخه السياسي انه عندما يصمم على شيء <يناضل> في سبيل تحقيقه مهما كانت الصعوبات، و<الجنرال> الذي كان في الرابية هو نفسه <الرئيس> عون في قصر بعبدا من حيث الثبات في الموقف والصلابة في تحقيق ما يخطط له، وهو الذي قال للصحافيين الذين رافقوه الى نيويورك وهو في طريق العودة <ثلاثة لا أكشف عنها: نقاط ضعفي، نقاط قوتي، وما أنوي فعله>!