23 September,2018

فيلم وثائقي بخمس لغات عن المجاعة الكبرى في جبل لبنان!

 

بقلم عبير انطون

1

مئة سنة تمر على ذكرى مجاعة جبل لبنان في الحرب العالمية الاولى والتي قضت فعليا على ثلث سكانه، ولاجل توثيق تلك الحقبة لما لها من اهمية وعبرة، كان الفيلم الاول من نوعه <الذكرى المئوية للمجاعة الكبرى في جبل لبنان> الذي اعدته وقدمته الاعلامية يولاند خوري المراسلة السابقة لاخبار المؤسسة اللبنانية للارسال، بناء على طلب من <المركز الماروني للتوثيق والابحاث>. الفيلم الذي اعتمد اللغة العربية اتفق على ترجمته مع نهاية شهر تموز/ يوليو الفائت الى خمس لغات مختلفة حتى يعرض في زوايا العالم الاربع.

هياكل عظمية تتنفس لشيوخ واطفال، لرجال ونساء.. هذا كان الحال الاصح لوصف ما ألمّ بالناس في تلك الحقبة التي وصفها البعض بحرب إبادة، من خلال السياسة العثمانية والالمانية المتحالفة معها، فكانت الويلات ما بين عامي 1915 و1918. المؤرخ يوسف الخوري فنّد اسباب المجاعة: <في البداية كان هناك غزو الجراد في العام 1915 والذي دمرت على اثره معظم المحاصيل الزراعية، وبعده كان هناك الحصار البحري الذي ضربه الحلفاء على لبنان ما منع دخول السلع الآتية من مصر، وكان الحلفاء يخشون وقوعها في أيدي القوات العثمانية أو الألمانية التي كانت منتشرة هناك. لكن السبب الرئيسي وراء هذه المجاعة كان الحصار البري الذي فرضه الحاكم العثماني جمال باشا، وقد منع دخول القمح تحديداً إلى جبل لبنان مما أدى إلى تجويع كامل سكان المنطقة، خاصة وأن هذه المنطقة الجبلية لم يكن إنتاجها من المحاصيل الزراعية كافياً لإطعام سكانها إلا لأربعة أو خمسة أشهر في السنة>.

فبعد ان سُدّت طريق البحر خلت الاسواق من الضروريات وارتفعت الاسعار بشكل جنوني، وبدأ فرض السخرة وإعدام المشتبه بهم وفرض التجنيد الإجباري، ولم تنتهِ المسألة بتجويع الناس حتى الموت وبيع ارزاقهم بأبخس الأثمان، فشكلت هذه كلها محطات أليمة جداً في تأسيس الكيان اللبناني.

خوري: جذور وجنسية..

 

الاعلامية يولاند خوري تحدثت لـ<الافكار> عن الفيلم وعن فرادته وأهميته، خاصة في هذا الوقت بالذات مع التشبث بالارض والدعوات الى استعادة الجنسية، بحيث يشكل الغوص في الجذور المدماك الاول في العودة اليها، والفيلم يتوجه الى اللبنانيين بجناحيهم: المقيم والمغترب.

 وبدأنا مع المُعدّة والمقدّمة حول خصوصية الفيلم، هي التي لطالما عرفت بتقاريرها ووثائقياتها المنحوتة نحتاً:

تقول يولاند:

– خصوصية هذا الوثائقي انه يتعاطى مع ناس يخصوننا، هم اجدادنا، اهلنا الذين لم يأخذوا حقهم في التاريخ فجاء هذا الوثائقي بمهمة إبراز دورهم والواقع الذي عاشوه، وكان طمس لمعالمه او التعتيم عليه او تم المرور عليه مرور الكرام لأسباب نعرفها جميعاً. فكتاب التاريخ في لبنان ليس موحداً وكل منا يرى التاريخ من وجهة نظره. في هذا الفيلم، لا يلقى اللوم على اي لبناني ولا اية جهة داخلية أو طائفة انما كانت المسؤولية خارجية، لا بل على العكس يبرز الفيلم التكاتف وصورة الوحدة تجاه العذاب الذي عرفه جبل لبنان والذي قضى فيه مئتا ألف شخص من اهالي جبل لبنان، اي ثلث سكانه.

وأكملت يولاند:

 – عملت على هذا الوثائقي بناء على طلب من <المركز الماروني للابحاث والتوثيق> بمناسبة مئوية المجاعة، وكانت تجربة لم تشبه اية تجربة أخرى قمت بها. بنيت المعلومات على مصادر ووثائق وكتب موجودة في ارشيف بكركي، وبشكل خاص الكتاب الموثق والعلمي للخوري اسطفان ابراهيم الخوري بعنوان <مجاعة اهالي جبل لبنان خلال الحرب الكونية الاولى 1914-1918>، وكان الاب اسطفان الخوري قد ضمّن كتابه خلاصة الجولة التي قام بها على مختلف المناطق ووثقها فيه بالارقام والمستندات والاحصاءات، كما استندت الى مصادر الآباء اليسوعيين والدكتور <كريستيان توتل> الذي جمع الكثير عن تلك المرحلة، واتجهت الى دير عبرين حيث متحف البطريرك الياس حويك والصور عنه. كانت هذه الصعوبة الاولى والاكبر، تلتها صعوبة ايجاد الصور المرفقة من بعض الضيع التي عانى اهلها من المجاعة والتي غادروها او ماتوا فيها. اما أبرز هذه الضيع والبلدات فكانت في البترون. وفي كسروان قصدت الخرب المتبقية من تلك الفترة في منطقة الفتوح. ولم يكن الوقت متاحاً لي بشكل طويل، اذ انجزت الفيلم في خلال شهرين.

2البحث عن شهود

 

وتزيد يولاند:

– اول ما فكرت فيه ايجاد شهود عن تلك المرحلة وكان الامر عسيراً طبعاً، لأن من عايش تلك الفترة توفي اليوم، ولما قصدت الجيل الثاني للحديث عمن اصيبوا في المجاعة وعانوا من اهوالها، تردد على ألسنتهم جميعاً انهم أُخبروا كذا وقيل لهم كذا اي انهم يروون ما كانوا يسمعونه، فارتأيت ان اتخلى عن شهاداتهم حتى لا تتكرر المعلومات التي أملكها اصلاً، فهم لن يستطيعوا نقل المشاعر التي عاشها الشخص بنفسه، ووجدت ان الحجر او الامكنة والبيوت يمكنها ان تشكل شاهداً اقوى خاصة ان الفيلم تلفزيوني ولهذا ضرورياته لشد المتابع. اما الصور التي وصلت الينا عن تلك الفترة، فهي لا تتعدى الست، تقول خوري، وهي من الارشيف الخاص لابراهيم كنعان نعوم الذي كان ايام السلطة العثمانية يتولى مكتب توزيع القمح. كثيرون قبلي حاولوا جمع صور عن تلك المرحلة ولم يكن الحصاد وفيراً.

ولمن يتوجه الفيلم بشكل خاص؟ نسأل يولاند فتجيب:

– هناك ملايين اللبنانيين في اميركا اللاتينية وافريقيا واستراليا لا يعرفون شيئاً عن هذه الحقبة المهمة من تاريخ بلدهم، فاتفق على ترجمة الفيلم الى اللغات البرتغالية والايطالية والفرنسية والاسبانية فضلاً عن اللغة العربية، اي الى خمس لغات تغطي دول الانتشار وسوف يتم عرضه في بلدان اميركا الشمالية واميركا الجنوبية وجميع دول الاغتراب الفرنكوفونية، وخصوصاً في افريقيا والدول الناطقة باللغة الانكليزية خارج الولايات المتحدة الاميركية كأستراليا وبريطانيا، بالتنسيق ما بين <المركز الماروني للتوثيق والابحاث مع المؤسسة اللبنانية للانتشار> بهدف نشره في بلاد الاغتراب.

وحول انتقادات او ملاحظات سمعتها بعد عرض الفيلم على محطات التلفزة وعبر <الانترنت> تقول خوري التي تحضر حالياً لوثائقي عن اللبنانيين في افريقيا:

– لم اسمع سوى ردود الفعل الايجابية لأن الفيلم الوثائقي اضاء على هذه الحقبة بطريقة لا تلوم ولا تؤذي اي طرف، وقد سردت الوقائع بحقيقتها وأظهرت المآسي والضحايا، ومن ساعد الاهالي محلياً ومن ساعدهم من الاجانب، إضافة إلى أن الفيلم يبرز كما سبق وذكرت التكاتف بين اللبنانيين وكيف هبوا لمساعدة بعضهم البعض.

يأكلون أجساد أولادهم

 

وعن مبالغة ما وصل الينا عن تلك الحقبة، تؤكد خوري من خلال اطلاعها المعمق ان هذه الفرضية مستحيلة. لا مبالغات فبعض الاهل أُجبروا على اكل جثث اولادهم، ومنهم من كان يفتش في براز الحيوانات عن حبة قمح، وهناك الكثير الذي لم اورده لفظاعته، وهناك من باعوا اجسادهم وآخرون فضلوا الموت بالمقابل، كما أضأت على مسألة التجار الذين باعوا ضمائرهم واتفقوا مع العثمانيين ضد اهل بلدهم، فاعتمد بعض اللبنانيين سياسة احتكار المواد الغذائية مبادرين ضد مضاعفة اسعارها مما جعل الضائقة المعيشية والحياتية أكثر صعوبة.

عدم المبالغة في ما وصل الينا، والذي اكدته خوري عن تلك الحقبة، تؤكد عليه ايضاً الرسالة النادرة التي بثها الفيلم والتي تركها عبدو باسيل الناجي من مجاعة جبل لبنان والتي نكشف اليوم عنها اليوم بعد مئة عام، وهي جزء من رسالة احتفظ بها المهندس سام افرام باسيل، وكان قد أرسلها جده عبدو فرنسيس سام باسيل الى اقاربه في المهجر يروي فيها المآسي التي عرفوها في قريته درعون التابعة لبلدة حريصا في جبل لبنان، وقد جاء في الرسالة ما حرفيته:

<لو جئنا نذكر لكم كلَّ شيء أصابنا، لَعجزَ اللسان عن ذلك. ومهما سمعتم في الجرائد ونحن كتبنا لكم، لا يمكن ان تسمعوا ربع قيراط من أربعة وعشرين، من الذي اصابنا من بهدلة وإهانة ووجع وجوع وعري، ومنظرنا وحده كان كافياً للحزن والتأسف. فنحن اليوم قد خلقنا خلقةً جديدة على الأرض لأننا قمنا من بين الأموات، ونشكر الله على هذه النعمة العظيمة اذ ابقانا احياء، لأننا كل مساء كنا نودّع بعضنا بعضاً، ولا نعلم من يصبح ميتاً ومن يصبح في حالةٍ حزينة. نسأل الله ان لا يعيد هذه 3الأيام على احد في ما بعد>.

عدم المبالغة اكد عليه أيضاً غبطة الكاردينال بشارة الراعي في مئوية المجاعة قائلاً: <انه قبل مئة عام كان اجدادنا في الجبل اللبناني ضحية دولة طال احتلالها لبلادنا… فبلغ الامر الى ان اطبق الحصار على اهل الجبل براً وبحراً فجاعوا واكلوا مؤونتهم وحيوانهم، ثم ما ترك لهم الجراد من بذار ارضهم، وبعض ما يعطيه الغاب والحقل، ثم باعوا الاغلى من المقتنيات والارزاق، واخيراً ماتوا على الطرق وفي المنازل والحقول من دون اي كرامة انسانية>.

 

الذكرى والعبرة..

 

زهق الارواح والفتك بها لم يكونا النتيجة الوحيدة لمجاعة سكان جبل لبنان، اذ برزت الهجرة خوفاً من الموت وشبح المجاعة من جديد، فكان ان هاجر ما يبلغ متوسطه 6929 شخصاً في الحقبة الممتدة بين عامي 1900و 1913، وقد وصل المجموع العام للمهاجرين الى 97000 شخص توجهوا في غالبيتهم نحو اوروبا واميركا اللاتينية وافريقيا، وذلك على دفعات اذ لم يكن السفر سهلاً خاصة بسبب الحصار البحري المفروض على الشواطئ، ولما انتهت الحرب ازدادت أعداد المهاجرين بشكل سريع.

الهدف الاساسي من الوثائقي يبقى في العبرة من الذكرى، بشكل خاص اليوم حتى لا تُستعاد مأساة تفريغ الارض من اهلها. الوثائقي الذي صدر بعد أشهر على اطلاق كتاب <مجاعة اهالي جبل لبنان> في الثامن والعشرين من شهر ايار/ مايو الماضي، جاء وبحسب ما اشار اليه الخوري اسقف سعيد الياس سعيد على قاعدة ان <ما من وطن يقوم بإغفال تاريخه المشرق منه والكئيب، وما من مستقبل لدولته ان لم ترب اجياله على معرفة الماضي لتحسن فهم الحاضر وتتصالح مع الذات ومع الآخر وتتآزر لصنع الحياة المشتركة>.