26 September,2018

أنـتـــــم الـخـرطـوشـــــة الأخـيــــــرة

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

الإيمان بالوطن وبغده هو شرط أساسي للقيادة في أي حكم إصلاحي حقيقي، والتعويل على سيد العهد الجديد في لبنان لا يزال كبيراً بفضل الإيمان الكبير لدى معظم الناس بتاريخ الوطن وتاريخ سيد العهد المؤسس للوطن المنشود واستعادة بريقه الفكري وقوة مؤسساته التي أرساها الرئيس فؤاد شهاب ولا نزال نغرف من فتاتها حتى اليوم، هو الذي أطلق ثورة التغيير، وهي مقبلة لا محال، لأنه كلما طال الزمن، كلما ازدادت الحاجة الى هذا التغيير الديموقراطي الواعي، وعلينا واجب أن تكون شعلة الوطن الجديد في القرن الواحد والعشرين على أيدي أجيالنا الشابة المتشوقة لوطن الأخلاق والحرية والكفاية والوحدة الوطنية الصحيحة.

إن التجربة الإصلاحية الشهابية حظيت بدعم سياسي وقناعة الحاكمين بها، ودعم شعبي تجلى في قناعة هذا الشعب بدولة المؤسسات، وباندفاع وظيفي ذاتي نابع من قناعة الموظفين أنفسهم بأن مثل هذه الدولة المؤسسة هو الذي يحررهم من الارتهان السياسي لفرد أو لحزب أو لطائفة أو لمذهب.

إن الدولة بالنسبة للرئيس شهاب ليست أشخاصاً بقدر ما هي مؤسسات ثابتة لا تتأثر بحضور شخصه أو غيابه، ولهذا عمل على انتشال الإدارة من أيدي السياسيين لوضعها في إطار القانون الذي يحصنها بعيداً عن المداخلات والأهواء الشخصية، وهذا ما ظهر جلياً من خلال تركيزه على <مجلس الخدمة المدنية> و<هيئة التفتيش المركزي> و<المجلس التأديبي العام>.

وقد يكون من المفيد أن نتذكر وسط هذه الأزمات التي تعصف بالعالم عموماً، وبلبنان بصفة خاصة، ان مؤسسة المعرفة الأولى، أعني الجامعات، قد نُقش على مدخلها الشعار الآتي:

<لا يدخل هذا الباب من لم يتعلّم الحساب>.

وأحلامنا تدفعنا الى القول: حبذا لو يُنقش هذا الشعار على أبواب الحكام وأبواب المستقبل، لأن الحساب معناه العقل، ومن دونه لا أمل لنا بدخول التاريخ من جديد.

به نُسقط زمن السقوط، وزمن التطرف والتخلّف، وزمن الجنون، وزمن البؤس، ومن دونه سيستمر شرقنا دموياً أسود، دائم الأحزان والانتقامات وخالي الحكمة، وسيستمر عالمنا على قاب قوسين من الانفجار الكبير…

إن لبنان يعيش اليوم مخاضاً أخيراً وخطيراً، وليست قضيتا السلسلة وقانون الانتخاب سوى مؤشرين لما سوف يحمله قابل الأيام بالنسبة لمستقبل البلد.

ومن المفيد التذكير ووفق ما ورد في كتاب <فؤاد شهاب ذلك المجهول> للأستاذ باسم الجسر، <إن رجال المال والأعمال الذين تعودوا على الكسب اللامعقول منذ مطلع الاستقلال كانوا يرون في الإصلاح الشهابي خطراً عليهم لأنه كما قال لي أحدهم يفتح أعين العمال على حقوقهم ويجعلهم يطالبون بالمزيد..>.

ولسوء الحظ، يضيف الكاتب: <شارك رجال الأعمال في حملتهم على الإصلاحات شخصيات سياسية ودينية، رأت فيها خطراً على الاقتصاد اللبناني الحر الذي لا ينمو إلا في الحرية المطلقة والاستثمار الفردي اللامحدود>.

الى أي حدّ يمكن التعويل على الشباب؟ يقول الأستاذ غسان تويني: <قد يقال إن شباباً كثيرين وصلوا الى الحكم ولم يفعلوا شيئاً غير ما فعله الذين سبقوهم والذين لا يزالون رفاقاً لهم في الحكم، فهل يصح أن نصوّر وصول الشباب الى الحكم على أنه سبيل خلاص هذه الأمة؟

أما الشباب الذين وصلوا الى الحكم وبقوا في الحكم، فلم يصلوا إلا لأنهم تخلّوا عن شبابهم، وقبلوا أن يكونوا كهولاً في قيافة شباب… ثم انهم وصلوا الى الحكم لا باسم الشعب، ولا باسم الشباب، بل باسم ما يشكو منه الشباب! باسم الاقطاع.

والذي نريده من الشباب، ويريده الشباب من نفسه هو أن يجيء الى الحكم أناس باسم الشعب، هم حرب على الاقطاع، حرب على الطائفية، وحرب على الاستغلال>.

إن الظاهرة الأساسية التي تلازم شباب لبنان هي الحيرة: الشباب اللبناني هو وفق <موريس باريس>، مقتلع الجذور، يتخبط وسط تيارات متضاربة متكاثرة يدّعي كل منها لنفسه ولاءه التام، ولم يقدّم واحد منها بعد مثالية أو عقيدة تتيح له كسب معركة الشباب، أو توفّر له العناصر الكفيلة بكسب تلك المعركة.

ويقول الأستاذ صلاح لبكي: <إن العلّة الكبرى في حياتنا السياسية، بل إن العلل التي تتحدر منها مصائبنا الكبرى جميعاً هي ان الذين يحكمون اليوم مستعدون أن يحكموا باسم كل الفلسفات أو بدون أية فلسفة، وأنه يوم تزول هذه العلّة، أي يوم تُسند مقاليد الحكم الى أهل عقيدة ونهج، تكون قد زالت علل كثيرة>.

وبعد، هل يتمكن شباب لبنان من إزالة الحواجز اللبنانيـــــة التقليديــــــة؟ نحــــن رغــــم كــــل شــــيء، نـعوّل عليهم.