19 November,2018

أميركـــا تـتـحـــدى العـالـــم وتطـيـــح بالـمشــروع المصــري في مجلــس الأمـــن وتـنـتهــك الـقـــرارات الدولـيــــة!

بقلم وليد عوض

macron-saad

من فرط اعتداده بنفسه وبشعوره أن الولايات المتحدة هي سلطة الحرب وسلطة السلام، أطلق الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> دعوته الى اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل والدفاع عن هذا الخيار مهما كان الثمن. ومن فرط غروره، وتصوره بأنه الفارس الكبير المتربع على حصان العالم لا يرى ضـــرورة لــسؤال الـــرئيس الفــرنسي <إيمانويل ماكرون> المناهض لهذا التهويد ولا عن رئيسة وزراء انكلترا <تيريـــــزا مـــــاي>، ولا عــن الخصــم الروسي فارش ريشه على خريطة العالم، بل يقول: <الأمر لي وليأخذ الجميع علماً بذلك>.

ماذا في متناول العرب أن يردوا على الرئيس <ترامب>؟

طبيعي أن يكون الرد اقتصادياً وثقافياً لأن روسيا غير جاهزة حتى الآن لدخول سوق المواجهة الحربية مع الولايات المتحدة. وهذا يعني أن ضرب السيوف غير ذي موضوع، والحرب الباردة التي تهدد بالضرب وإن لم تضرب، ليست الآن على الشاشة الاليكترونية، بل عندكم أسواق العــــالم، ولاسيما أســـواق الخليـــج ذات الغنـــى الفاحـــــش وبضائعهـــــا فـــــي الدرجـــــة الأولــــى أميركية!

عندما امتنعت اميركا عن بناء السد العالي في مدينة الأقصر ظنت أن ذلك سيضطر الرئيس جمال عبد الناصر الى الـــركوع والاستسلام والنزول عند تمرد الرئيس <دوايت ايزنهاور> و<أمرك يا سيدي>. لكن حسابات البيت الأبيـــض كانت صوتــاً في صحـــــراء، فقـــد اتصــل الـــرئيس عبد الناصـــــر بـــــــالدوائر السوفيتيــــــــة واستحصل على موافقة <الكرملين> علـــى بنــــاء السد العـــالي، ممــا أتـــاح للرئيس المصري أن يقــوى ويشتــد ولخـطــابــــــه أن يــأخـــــــذ الـطـابـــع الهجومي والموقف المناوئ لكل يد تمتد الى مصر، واستطاع بخطابه المجلجل وهو يواجه الولايات المتحدة أن يكسب زعامة جديدة وقوة استمرارية، كانت مدخلاً الى خروجه منتصراً في حرب السويس!

 

قصته مع السد العالي!

فــــأي درس تعلمنــــا مــن الماضـــي الملتبس؟

من عجائب الظروف أن <دوايت ايزنهاور> الذي قطع مساعدته لبناء السد العالي عاد سنة 1958 وقدم نفسه كمنقذ لمنطقة الشرق الأوسط، وكان هو وراء مجيء اللواء فؤاد شهاب الى رئاسة الجمهورية سنة 1958، والمرجع الأساسي للجيش اللبناني في تكوين نفسه.

وبسلاح المراوغة، واللعب على الحبال، والتصرف من تحت الطاولة استعاض <ايزنهاور> عن سلاح النار والحديد، وأعطى الضوء الأخضر لإسرائيل حتى ترى ما يناسبها في المنطقة بعد رحيل <ايزنهاور> ومجيء <جون كنيدي>..  وبورشة <جون كنيدي> أعطت واشنطن اسرائيل خريطة التصرف في الشرق الأوسط فكانت الحرب الضروس عام 1967، وولد القرار 242 الداعي الى السلام بتوقيع المندوب البريطاني في مجلس الأمن <اللورد كاردون>، ولا يزال هذا القرار ساري المفعول حتى الآن، برغم أن القرار يدعو اسرائيل الى الانسحاب من الاراضي التي احتلتها بعد الخامس من حزيران/ يونيو 1967.

سلاح الحديد والنار الذي اعتمده <ريكاردوس> قلب الأسد ضد جيوش الفاتح صلاح الدين الأيوبي، تقاعد لصالح سلاح المراوغة والمداهنة والتصرف من تحت الطاولة. ولا تزال هذه السياسة متبعة حتى الآن برغم تبدل رؤساء البيت الأبيض بين ديموقراطي وجمهوري.

وهذا ما يتعين على العرب أن يعوا خطورته ويدركوا أبعاده، ويعملوا بإخلاص على عودة اللاجئ الفلسطيني من لبنان الى الأرض المحتلة. وقد راجت هذه الدعوة مطلع الخمسينات مع قيام بنك <انترا> برئاسة الفلسطيني يوسف بيدس… وفندق <فينيسيا> برئاسة الملياردير نجيب صالحة، ومؤسسات بتمويل فلسطيني، مما ارجع المطالبة بعودة الفلسطينيين وراء الشمس.

 

مجلس الأمن… والقدس!

وكما كان متوقعاً، فقد أطاحت الولايات المتحدة بمشروع القرار المصري الذي ناقشه مجلس الأمن الدولي مساء يوم الاثنين الماضي من خلال استعمال حق النقض <الفيتو> رغم تأييده من قبل الأعضاء الـ14 الآخرين في انحياز واضح للكيان الغاصب وإمعان مستمر في الاستهتار بالحقوق الفلسطينية وفي تحدي القرارات الشرعية الدولية، إذ ما أن بدأ أعضاء مجلس الأمن بحث مشروع القرار المصري على اعتبار مصر هي العضو العربي الوحيد حالياً في مجلس الأمن، والتنديد باعتراف <ترامب> بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو يتألف من صفحة واحدة ويشدد على أن أي قرارات أحادية الجانب تخص وضع القدس ليس لها أي أثر قانوني ويجب إلغاؤها، حتى عمدت المندوبة الأميركية <نيكي هايلي> الى استخدام <الفيتو> لتعطيل هذا المشروع رغم أنه لا يذكر اسم الولايات المتحدة أو اسم رئيسها في نصه ويحظى بموافقة غالبية الأعضاء، الأمر الذي دفع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للتوجه الى الجمعية العامة لإسقاط الإعلان الأميركي والتوقيع على الانضمام الى 22 منظمة دولية والقول صراحة إن الولايات  لم تعد وسيطاً نزيهاً للسلام وان الفلسطينيين لن يقبلوا بعد اليوم أن تكون وسيطاً، متهماً إياها بالانحياز الكامل للعدو وتتبنى السياسة الصهيونية.

ومن هنا على لبنان أن يتصرف ويحسن التعامل مع مرحلة مجلس الأمن.

aoun-gueteress

 

لبنان والنـأي بالنفس

ولئـــن كــان لبــــنان بصـــورة عامــة قــادراً على النأي بالنفس اقليمياً بعد رجوع الرئيس سعد الحريري عن الاستقالة، فهل هو قادر على ذلك بالمفهوم الدولي، أي أين يكون موقفه إذا عادت الحرب الباردة من جديد بين موسكو وواشنطن؟!

فشبح الصدام مهيمن الآن على القسم الشرقي من آسيا، وتحديداً على أجنحة صواريخ كوريا الشمالية، وهي الكابوس الذي يدق على أبواب البيت الأبيض ويقلق منام الرئيس الأميركي <دونالد ترامب>، تماماً كما كانت فيتنام الجنرال <جياب> تقلق منام الرئيس الأميركي <ريتشارد نيكسون> ووزير خارجيته <هنري كيسنجر>، ولم يبلغاها بالمواجهة إلا بالتنازل الأميركي إثر إقامة مباراة كرة السلة بين بكين وواشنطن، وإطفاء شبح النار بين <بيونغ يانغ> وواشنطن يحتاج الى حركة عقلانية من الرئيس الأميركي <دونالد ترامب>. فالحرب ليست مجرد صواريخ عابرة للقارات وكفى. وليس معنى ذلك أن يدعو<ترامب> رئيس كوريا الشمالية الى مباراة <كرة سلة>، بل الى إطلاق حوار.

وخذوا العلاقات بين باريس وأوروبا مثالاً. فالرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> مختلف عن أسلافه <فرانسوا ميتران> و<جاك شيراك> و<فاليري جيسكاردستان> و<فرانسوا هولاند>. ولا يستطيع <ماكرون> أن يخاطب العالم بعبارة <الأمر لي>، بل قوته تكون في بناء جسور مع فرنسا، والمانيا، والوصول الى حل ممكن للهجرة من أوروبا الشرقية الى أوروبا الغربية.

وها هو الرئيس <دونالد ترامب> يترك لغة الصاروخ ليطلب من الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> أن يتعاون مع الصين بالضغط على كوريا الشمالية، ويرسل وزير خارجيته <ريكس تليرسون> الى آسيا الشرقية لإزالة آثار التهجم السياسي بين <بيونغ يانغ> وواشنطن وصولاً الى تسوية كورية شمالية اميركية!

والكرة الآن في ملعب <ترامب> و<كيم جونغ اون>!