19 November,2018

أموال مئة شركة خاصة تفوق مال كل حكومات العالم!

بقلم خالد عوض

gebran-bassil فاقت القيمة السوقية لشركة <الفابت> مالكة <غوغل> وشركة <أبل> ألف مليار دولار. قيمة الشركتين أكثر من نصف مجموع الناتج المحلي لكل الدول العربية. المغزى الأهم من هذه الأرقام هو الحجم الذي بلغته الشركات العالمية وخاصة الأميركية وتحديدا التكنولوجية ومدى تأثيرها في الاقتصاد العالمي مستقبلاً.
إلى مزيد من الأرقام في السياق نفسه: مجموع الأموال النقدية لـ<آبل> و<غوغل> و<مايكروسوفت> هو أكثر من ٣٠٠ مليار دولار، تسعون بالمئة منها خارج الولايات المتحدة لاسباب ضرائبية بحتة. وبالمقارنة فإن الاحتياطي المالي للولايات المتحدة لا يزيد عن ١٣٠ مليار دولار، أي أن ثلاث شركات أميركية هي أغنى مرتين من الحكومة الأميركية.
القوة النقدية للشركات أصبحت تقارن القوة النقدية لكل دول العالم مجتمعة. الشركات الأميركية تجلس على سيولة مالية تناهز ١٧٠٠ مليار دولار منها ١١٠٠ مليار دولار لخمسين شركة فقط. الشركات الأوروبية لديها سيولة تزيد عن ١٣٠٠ مليار دولار. والشركات اليابانية جمعت أكثر من ٢١٠٠ مليار دولار من النقد. وهناك حوالى ٤٠٠ مليار دولار من السيولة المالية في حوزة شركات من دول أخرى معظمها في آسيا. أي ان مجموع النقد الموجود في يد الشركات يساوي حوالى ٥٥٠٠ مليار دولار. في المقابل فإن مجموع الاحتياطي النقدي للحكومات في العالم كله يساوي حوالى ٨٠٠٠ مليار دولار، منها ٣٠٠٠ مليار دولار للصين و١٢٠٠ مليار لليابان و٧٤٠ مليار دولار للإتحاد الأوروبي و٦٠٠ مليار للمملكة العربية السعودية و٥٥٠ مليار دولار لسويسرا.
وفي ظل استمرار الإنخفاض في اسعار النفط وتباطؤ النمو في العالم كله وخاصة في الدول النامية، فإن معظم الدول التي لديها فوائض مالية ستضطر إلى الاستعانة بالاحتياطات النقدية لدعم عملتها وتحفيز اقتصادها. الصين مثلاً تستعين بـ40 مليار دولار شهرياً لدعم عملتها، والبرازيل والمملكة العربية السعودية بحوالى ٥ مليار دولار لكل منهما من اجل سد العجز، وبالتالي فإن الاحتياطات المالية لدول كثيرة ستنخفض بسرعة كبيرة في السنتين المقبلتين. وإذا استمر النمو العالمي على حاله، فمن المتوقع أن يصبح النقد الموجود في يد مجموعة شركات لا يزيد عددها عن المئة شركة أكثر من الاحتياطي المالي لمعظم دول العالم قبل Riad-Salame٢٠١٨.
هناك تعبير اشتهر بعد الأزمة التي ضربت الاسواق المالية عام ١٩٨٨ ويقول: <النقد هو الملك> (Cash is King). وإذا طبقناه اليوم نجد أن <الملكية> الحقيقية لم تعد في يد الحكومات، بل في يد الشركات التي تسيطر على نصف مجموع المال في العالم، ولديها أفضلية كبيرة ألا وهي سهولة الحركة والتنقل والتصرف بمالها. ولذلك فإن المال الذي بحوزة الشركات هو من النوع الهجومي الذي يمكن أن يحدد مسار اقتصاد كامل، أو يؤثر في ذوق المستهلك في أي دولة، أو يصوب اتجاه التكنولوجيا في العالم، بينما المال الموجود مع الدول هو دفاعي بالدرجة الأولى ومهمته الحفاظ على العملة وتحفيز النمو. ولذلك فإن المال الموجود في القطاع الخاص هو مال فعال بينما الاحتياطي المالي الحكومي هو سلبي لا يقدم ولا يؤخر في شكل الاقتصاد العالمي.
وأمام هذا الواقع وفي ظل استفحال الديون الحكومية، ربما تلجأ الحكومات إلى سحب المال من الشركات بكل السبل المتاحة وليس فقط عن طريق الضرائب. فكما تمكنت من فرض عقوبات على المصارف الكبرى وصلت إلى ٢٣٥ مليار دولار في الفترة بين ٢٠٠٨ و٢٠١٥، فهي لن تتأخر في استحداث أنواع مختلفة من العقوبات لسحب ما يمكن سحبه من أموال الشركات طالما أن الضرائب وحدها لن تكفي لسد الثغرة المالية التي تشكلها خدمة الدين العام.
بالتأكيد، شكل السلطة المالية في العالم تبدّل مع بروز شركات لا يزيد عمرها عن عقدين ولديها مال أكثر من عشرات الدول مجتمعة. وإذا عرف لبنان طريق السلم والسلام، فالوجهة الصحيحة يجب أن تكون في استقطاب الشركات العالمية وليس توسّل المساعدات من الدول الأخرى، وبدلاً من الاعتماد على وزارة الخارجية لذلك، يمكن أن يكون استحداث وزارة أو إدارة لشؤون الشركات الخطوة الأولى الصائبة في هذا الاتجاه.