14 November,2019

أمن المخيمات اللبنانية.. هاجس يؤرق الداخل والخارج!

بقلم علي الحسيني

يعيش لبنان خلال الفترة الحالية حالة خوف من تمدد الخلافات السياسية والمذهبية بين قسم من المنظومة السياسية الحاكمة فيه ومن إمكانية تطور الخلافات وانعكاسها على الشارع على غرار ما يحصل في بعض المناطق الجبلية على الرغم من حصرها في غالب الأحيان بفعل إرادة بعض الحكماء الكبار. لكن إلى جانب هذه المخاوف التي تزداد يوماً بعد يوم وخصوصاً في ظل وصول التناحر السياسي إلى حد لم يعد يُطاق، برزت خلال الأيام الأخيرة جملة تطورات مهمة تتعلق بأمن المخيمات في لبنان واحتمال تمددها إلى الجوار ذلك في ظل تلقي لبنان تحذيرات بالغة الدقة تُنذر بتحركات مُشتبهة لبعض الجماعات المتطرفة من شأنها أن تُعرض أمن لبنان لاهتزاز إما عبر القيام بعمليات اغتيال جديدة، أو من خلال التعرض لأجهزة أمنية لبنانية وتحديداً المؤسسة العسكرية.

 

توتر دائم.. والعودة الى الإغتيالات

 

أجواء مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان توحي بتوتر دائم إذ لا يمر يوم على هذا المخيم الذي لا تتجاوز مساحته كيلومتراً واحداً من دون حدوث خضة أمنية غالباً ما تكون إما عملية اغتيال او اشتباكات مسلحة بين مجموعات من الفصائل الموجودة بداخله وعادة ما يكون للتنظيمات الاسلامية حصة الأسد فيها. وخلال الأسابيع الماضية تفاقمت الخروقات والأحداث الأمنية داخل مخيم عين الحلوة ومحيطه اذ باتت عمليات الاغتيال وزرع العبوات ونصب الكمائن لمسؤولين حزبيين، السمة الأبرز للوضع الحالي في داخله والتي تمثلت في مجموعة عمليات اغتيال كانت سبقت العملية الاخيرة مثل محاولة اغتيال <ابو الكل> الأمر الذي اعتبرته جهات أمنية بأنه يندرج ضمن خطة تهدف الى تطهير المخيم من كل من يستعدي الحركات الاسلامية بداخله، وذلك من قبل متشددين إسلاميين يتلقون أوامرهم من جهات خارجية.

الطارئ الجديد وليس المستجد، كان ليل الجمعة الماضي عندما اقدم مسلح مقنع في مخيم عين الحلوة على اطلاق النار باتجاه الفلسطيني حسين علاء الدين الملقب بالخميني الذي ينتمي الى عصبة الأنصار في محلة الرأس الأحمر داخل المخيم ما ادى الى اصابته بجروح خطيرة نقل على اثرها الى مستشفى النداء الانساني داخل المخيم حيث ما لبث أن توفي ليُنقل بعدها إلى مستشفى لبيب الطبي في صيدا. وعلى اثر الحادثة الأمنية التي جاءت بعد مرحلة استقرار استمرت لنحو شهرين تقريباً داخل المخيم الذي يوصف اليوم بـ<البركان>، شهدت بعض أحيائه استنفارات مسلحة وحالات حذر وترقب استدعت العديد من أبناء عين الحلوة، إلى النزوح باتجاه القرى المجاورة خوفاً من تطور الأحداث خصوصاً وان عملية الإغتيال جاءت لحظة مشاركة <أبو الحسن> في مسيرة لدعم الحقوق الفلسطينية لحظة مرورها في الشارع الفوقاني في عين الحلوة. وبعد تمكن مُطلق النار الذي تم التعرف اليه والمعروف بـ<بلال العرقوب> من الفرار إلى جهة مجهولة، أقدم ذوو الضحية وأقاربه في المخيم على إطلاق النار في أرجاء الشارع الفوقاني وباتجاه حي الصفصاف والرأس الأحمر، كما أُطلقت العديد من قذائف <الأر بي جي> في الهواء ما أدى إلى توتير الوضع الأمني مُجدداً رافقته استنفارات مُسلحة لجميع القوى المسلحة.

 

مقتل <العرقوب> ومنع دفنه في الرشيدية

 

بعد رصد وتتبع عملية هروب المطلوب بلال العرقوب الذي نفذ عملية الإغتيال من مربعه الأمني في حي الرأس الأحمر وذلك خلال عملية أمنية مشتركة بين عصبة الأنصار الإسلامية وحركة فتح، تم قتل العرقوب بعد ملاحقته هو وأبنائه والإشتباك معهم، كما تم اعتقال نجليه يوسف وأسامة وتسليمهم عبر القوة المشتركة الفلسطينية لمخابرات الجيش اللبناني عند حاجز الحسبة. ومن المعروف أن العرقوب كان يقيم في مخيم الرشيدية قبل أن ينتقل منه الى صيدا ومنها الى مخيم عين الحلوة حيث انضم الى حركة فتح ــ المجلس الثوري، ثم التحق بعدها بالقوى الاسلامية، متنقلاً بين <جند الشام>، و<الشباب المسلم>، الى أن شكل خلية مقاتلة مدعومة من <جبهة النصرة> ولاحقاً من <داعش> ليسطع اسمه خلال المعركة التي وقعت بين حركة <فتح> والاسلامي المتشدد بلال بدر في <الطيرة> والتي انتهت بإحكام السيطرة على <حي الطيرة>.

ومن المعروف أن العرقوب كان حالة شاذة في عين الحلوة مع مجموعة من المقاتلين المتشددين، وتحول إلى عامل توتر دائم للأمن ما دفع بـ <القوى الاسلامية> و<الشباب المسلم> الى التخلي عنه. وقد هنأت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية واللجان الشعبية في منطقة صور بعد مقتله <ابناء شعبنا الفلسطيني البطل وجميع اهلنا في مخيم عين الحلوة بمقتل المجرم الإرهابي بلال العرقوب، الذي طغى في اجرامه ضد الابرياء من ابناء شعبنا المناضل>. وأشارت الفصائل في بيان الى أننا في منطقة صور وبعد أن تبلغنا نية أهل القتيل المجرم بدفنه في مخيم الرشيدية، يهمنا ان نوضح أن هناك رفضاً شعبياً وفصائلياً لدفن هذا المجرم في مقبرة الشهداء في مخيم الرشيدية، ولا تراجع عن هذا الرفض تحت اي ظرف من الظروف>، وأنه تم تبليغ قيادة الجيش اللبناني في منطقة صور رفض ادخال جثة القتيل الى اي مخيم من مخيمات صور.

ولفتت الى أن عائلة العرقوب غادرت مخيم الرشيدية في العام ١٩٧٣ إبان اول عدوان اسرائيلي على المخيم، ولا يحق لهم الدفن في مقابر المخيم. واحتراماً لحرمة شهدائنا وابناء شعبنا، لا يصح ان يدفن هذا القاتل المجرم الى جانب خيرة ابناء شعبنا البطل الذين ضحوا بأرواحهم للدفاع عن هذا الشعب العظيم.

 

اشتباه في التوقيت.. واجماع على تجنب التوتير

 

مصادر فلسطينية بارزة استغربت عبر <الأفكار> توقيت حادثة الاغتيال وما تحمله من أمور خطيرة مُبيتة تعكس وجود نيات لتفجير الوضع داخل المخيم وجعله نقطة صراع خارجي آداته قوى محلية في الداخل، وأيضاً لتصوير المخيم وكأنه بؤرة إرهاب يجب تنظيفها، بينما الحقيقة أن جميع القوى تعمل من أجل الحفاظ على امن المخيم الذي هو من أمن لبنان ومصلحة للشعبين اللبناني والفلسطيني معاً. من هنا ثمة اجماع من جميع الفصائل على ضرورة ملاحقة المتهم وتوقيفه تجنباً لاستمرار توتير الوضع وانفجاره ولتفويت الفرصة على المتربصين بنا لجرنا إلى اقتتال أخوي. وبهدف بث الطمأنينة في النفوس سواء اللبنانيين أو الفلسطينيين، جاء استقبال قائد الجيش العماد جوزف عون لعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد وعدد من القياديين نهاية الاسبوع الماضي ليؤكد تعزيز التعاون والتنسيق اللبناني الفلسطيني المشترك على كافة المستويات من اجل المحافظة على استمرار واستقرار وهدوء الأوضاع التي تعيشها المخيمات وقد تركت ارتياحاً كبيراً لدى الأوساط الشعبية والرسمية اللبنانية.

 

المقدح: ممنوع استهداف أمن عين الحلوة

 

من نافل القول إن فرض الأمن في المخيمات ليس حاجة لبنانية فقط، بل هو أيضاً مطلب لعدد من الفلسطينيين في لبنان ومن قيادات وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية لحماية الوجود الفلسطيني في لبنان. ويقول قائد الامن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء منير المقدح، وهو قيادي بحركة فتح: أولاً أن ما حصل في المخيم هو في إطار العمل الفردي رغم خطورته ورفضه بالمطلق. والحياة في المخيم اليوم طبيعية على عكس ما يُشاع من أن اشتباكات حاصلة بين أطراف هنا، مشيراً أن ثمة قراراً موحداً بملاحقة الفاعل وتوقيفه تجنباً لحصول خضات أو تعكير أمن المخيم وجره إلى صراع أخوي في وقت نحن احوج فيه كشعب فلسطيني، إلى الوحدة والتكاتف خصوصاً في ظل الهجمة الصهيونية التي تتعرض لها القضية الفلسطينية.

من جهة أخرى وجه المقدح التحية لكل الفلسطينيين الذين وقفوا في وجه القرار الظالم لوزارة العمل بشكل سلمي، ونحن نعمل بشكل ايجابي لتنظيم الوجود الفلسطيني بشكل قانوني، وهناك اكثرمن 20 وزيراً مروا في حكومات سابقة ولم يتخذوا هكذا قرار، ودعا الى استثناء الفلسطيني من قانون العمل خاصة وان القرار جاء بعد صفقة المنامة. وأوضح ان رئيس مجلس النواب نبيه بري تحدث مع وزير العمل كميل ابو سليمان مباشرة كي يتم تأجيل القرار الذي كان أعلنه الوزير، ونحن وافقنا على ما وافقت عليه طاولة الحوار اللبناني، ونهاية قرار وزير العمل يؤدي الى التوطين اذا تعامل معنا كأجانب. وأكد انه بمجرد الموافقة على هذا القرار يؤدي الى انهاء صفة اللجوء، حيث نواجه الادارة الاميركية التي تريد انهاء خدمات <الانروا> وترك الخدمات على الحكومة اللبنانية.

وإذ حيا لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي قاطعت الوزير، لأن الحديث كان فقط عن تطبيق القانون، ودعا لاعطاء فرصة لهذه اللجنة لتقديم ورقة الى الحكومة، أشار المقدح الى وجود قرار بوقف التحركات ضد قرار وزير العمل وحصرها داخل المخيمات، خاصة واننا مع لبنان في مواجهة صفقة القرن والعمل على تطبيق القانون. ومن جهة أخرى شدد على ان إزالة المظاهر المسلحة في مخيم المية ومية، كانت أتت في إطار التوافق الفلسطيني اللبناني لمصلحة مشتركة بين الطرفين، عبر برنامج مشترك بيننا وبين الجيش اللبناني لضبط وتنظيم السلاح في المخيمات. ورداً على ربط الخطوة بـ<صفقة القرن>، أكد المقدح على أن صفقة القرن مرفوضة فلسطينياً ولبنانياً، وهي لا تعطي أي حقوق للفلسطيني وعودته إلى بلاده، ولبنان متضرر من هذه الصفقة أيضاً، ولذلك من الصعب أن تمر على حساب الشعب الفلسطيني وحساب قضيته.

 

القوى الأمنية اللبنانية.. جهوزية وتوقعات استباقية

 

ثمة قلق كبير كانت عبرت عنه مرجعيات وقوى سياسية وامنية في البلد خلال الفترة الأخيرة من تطورات دراماتيكية قد تشهدها المخيمات الفلسطينية بالتزامن مع استمرار الحملات المعترضة على الاجراءات القانونية التي تتخذها وزارة العمل في اطار خطتها لمكافحة اليد العاملة غير الشرعية. وتزامناً لا تخفي جهات امنية لبنانية هواجسها من دخول طابور خامس على الخط للعبث بأمن هذه المخيمات الممسوك منذ فترة وبالتحديد منذ وقف اشتباكات مخيم المية ومية في شهر ايار (مايو) الماضي.

فلطالما تحرك الأمن في المخيمات وبالتحديد في مخيم <عين الحلوة> على وقع التطورات والاحداث في لبنان والمنطقة، فكانت حوادث واستحقاقات بسيطة تفجر الوضع في المخيم الذي يعاني من اكتظاظ سكاني كبير ومن سلاح متفلت، والاهم من تمركز جماعات ارهابية ــ تكفيرية متشددة فيه لا ترضخ بكثير من الاحيان لقرارات القيادة الفلسطينية المشتركة التي تدير شؤون المخيمات. لذلك تتخوف الجهات الأمنية، من أن يشكل الاجماع الفلسطيني الحالي على رفض اجراءات وزارة العمل منطلقاً لتحرك الجماعات والعناصر المتطرفة للعبث بالأمن مستفيدة من التحركات الاحتجاجية المستمرة منذ أكثر من شهر، والتي تتخذ أشكالاً شتى وتتحول الى الاضراب والاقفال العام كل يوم جمعة.

أما بالنسبة إلى قيادة الجيش، فهي تُدرك حجم التحدي الذي تواجهه في التعامل مع ملف المخيمات الفلسطينية في هذه المرحلة، وهي اتخذت تدابير أمنية لضمان عدم تطور الاوضاع باتجاه أي اشكالات يُمكن أن تحدث على يد جماعات تتربص بأمن المخيمات وتسعى إلى تفجير الأوضاع داخل المخيمات وخارجها خصوصاً بعد النكسات التي اصيبت بها على يد الأجهزة الامنية اللبنانية. وفي السياق تواصل قيادة الجيش مساعيها ولقاءاتها مع جميع المعنيين بأمن المخيمات لبقاء الأمور هادئة. اما على خط الفصائل الفلسطينية، فهي تقوم بما يلزم من أجل الحفاظ على الأمن وأيضاً على تمرير القرارات الأخيرة بشكل سلمي بحيث لا تُستغل من أجل إرباك الأوضاع وتحويرها إلى أمكنة يُصبح التعامل معها لاحقاً، صعباً ومعقداً. لذلك تسعى هذه الفصائل الى إبقاء خط التواصل مع الجيش مفتوحاً وعدم قطع العلاقات معه لما في هذا الأمر من مصلحة مشتركة خصوصاً وأن التدابير والاجراءات المُشتركة قد أثبتت جدواها وأهميتها، وهذا بتأكيد الجميع.

وعلى الخط نفسه، صرح الدكتور عبد الرحمن البزري بكلام استهدف فيه القرارات الأخيرة التي طالت الفلسطينيين في لبنان وذلك بأن <إغتيال الشاب حسين علاء الدين المعروف بـ<الخميني> في مخيم عين الحلوة والتوتر والإشتباكات التي تلته يضر بقضية الفلسطينيين، ويصب في مصلحة كل من تآمر عليهم وذلك من أجل إعاقتهم في الحصول على حقهم في العمل، كما ويضعف الورقة التي بين أيديهم وهي ورقة التضامن الفلسطيني ــ الفلسطيني، والفلسطيني ــ اللبناني، مطالباً بوقف الإشتباكات، ومعاقبة الفاعلين>.

المخيمات الفلسطينية في لبنان    

مخيمات جنوب لبنان: مخيم عين الحلوة، مخيم المية ومية، مخيم البرج الشمالي للاجئين ومخيم الرشيدية للاجئين. مخيمات بيروت: مخيم الجليل، مخيم ضبية، مخيم، مار الياس، مخيم شاتيلا ومخيم برج البراجنة. مخيمات شمال لبنان: مخيم نهر البارد ومخيم البداوي.

يعتبر مخيم عين الحلوة أهم المخيمات في لبنان وأكبرها من ناحية عدد السكان حيث يعيش فيه حسب احصاءات منظمة <الانروا> حوالى 50000 نسمة في حين ترى تقديرات كثيرة ان تعداد سكان المخيم بلغ حوالى سبعين ألف نسمة او يزيد، وهو أكبرها من ناحية المساحة والحجم والاكتظاظ البنياني وأهمها كونه يعبر عن التوجه السياسي العام للاجئين الفلسطينيين في لبنان. ففيه أطياف سياسية مختلفة ومتناقضة في اكثر الأحيان، وغالباً ما تتحول فيه هذه الاختلافات او التناقضات الفكرية والعقائدية الى معارك مسلحة على الارض ينتج عنها قتلى وجرحى لكن سرعان ما تعود الأمور الى مجرياتها الطبيعية بين الاخوة.

وما زالت الفصائل المسلحة داخل مخيم عين الحلوة محافظة على سلاحها الكامل وهي التي تعتبر العمل الجهادي ضد اسرائيل عملاً مقدساً وتوليه اهمية كبرى. ومع كل ما يثار حول مخيم عين الحلوة تبقى للاهالي اسئلة مشروعة تتعلق بنظرة العالم كله الى هذه البقعة. لماذا يكتسب هذا المخيم كل هذه الاهمية؟ ولماذا ينظر الينا من منظار واحد وزاوية ضيقة؟ هل هي سياسة مقصودة؟ لماذا يتم التركيز على المخيم من الزاوية الأمنية في حين تهمل عن قصد او غير قصد الجوانب الاخرى؟ وهل ما يحدث في مخيم عين الحلوة سبباً لأمور أخرى، ام هي نتائج لما يعانيه هذه المخيم اصلاً من ظروف لا تحتاج الى تحليل او تقرير؟