23 September,2018

أمن الدولة ”محروم“ من المخصصات السرية منذ سنتين وحجب ”داتا الاتصالات“ عنه يبقيه ”محدود الانتاجية“!

تمام-سلام-و-جور-قرعةفي وقت مرّ فيه ملف التعيينات العسكرية في الجيش بين تمديد تأجيل تسريح قائد الجيش العماد جان قهوجي، وتعيين رئيس جديد أصيل للأركان العامة هو اللواء حاتم ملاك، وفيما نجح وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بإبقاء ملف تعيين قادة أصيلين لوحدات قوى الأمن الداخلي <يشرعنون> وضع مجلس قيادة قوى الأمن… فإن ملف المديرية العامة لأمن الدولة بقي مفتوحاً ولم تطوَ صفحة الخلاف الذي كان قائماً بين المدير العام اللواء جورج قرعة ونائبه السابق العميد محمد الطفيلي على رغم إحالة الأخير على التقاعد منذ شهر حزيران (يونيو) الماضي. وفيما بدا ان الوعود التي كانت أعطيت للوزراء المسيحيين بمعالجة <الوضع الشاذ> في جهاز أمن الدولة ضمن <سلة> تمرير التعيينات العسكرية، شهدت جلسة مجلس الوزراء الأسبوع الماضي إعادة فتح الملف من جديد لدى طرح بند خاص على جدول الأعمال يتعلق بصرف الأموال السرية لكل من الجيش وقوى الأمن الداخلي، ما حرّك من جديد الأموال السرية العائدة لأمن الدولة والمجمدة منذ عام ونصف العام حتى بلغ مجموعها نحو 7 مليارات ليرة لبنانية أبقاها وزير المال علي حسن خليل <محجوزة> في أدراج وزارة المال كجزء من الوصول الى الحل المطلوب.

ومع عودة النقاش الى ملف أمن الدولة، برزت تساؤلات، قيل بعضها في مجلس الوزراء، والبعض الآخر خارجه، عن الأسباب الحقيقية لإبقاء هذه المديرية الأمنية <مشلولة> أو <محدودة الانتاجية>، وأقل نشاطاً من المديرية العامة للأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن العام، في وقت تمنح مديرية المخابرات في الجيش وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي والأمن العام المخصصات المالية المطلوبة كي تقوم بالمهام الموكولة إليها وتحقق انجازات كثيرة ومتنوعة. بعض الأصوات التي ارتفعت داخل مجلس الوزراء، ومنها صوت الوزير الكاثوليكي الوحيد الذي يحضر جلسات المجلس ميشال فرعون، اعتبر ان استمرار هذه الطريقة في التعامل مع أمن الدولة يؤثر على القدرات المطلوبة لمواجهة الارهاب والتخريب وضرب الاستقرار، مع اقراره بأهمية ما يقوم به الجيش وفرع المعلومات والأمن العام، فضلاً عن ان الانطباع بدأ يترسخ بأن ثمة <استهدافاً> لهذا الجهاز لأن رئيسه كاثوليكي. وكاد الأمر أن يتطور الى انسحاب الوزير فرعون وعدم إقرار البند الخاص بالجيش وقوى الأمن لولا ان الوزير فرعون نال وعداً من الرئيس تمام سلام بمعالجة هذه المسألة <في وقت قريب>.

 

لماذا لم يُعين خلف الطفيلي؟

أما الأصوات التي ارتفعت من خارج مجلس الوزراء، ومنها صوت الوزير الكاثوليكي الثاني المستقيل من الحكومة آلان حكيم، فقد اعتبرت ان وراء الأكمة ما وراءها وان الخلاف الشخصي الذي نشأ بين رئيس الحكومة واللواء قرعة بعد تلك الجلسة الشهيرة في السرايا، لا يزال يتفاعل سلباً على نحو يجعل الرئيس سلام يتمسك بموقفه الرافض <لتسيير> شؤون أمن الدولة على رغم الوعود التي كان أعطاها في هذا الصدد، وبالتالي فإن الوضع سيبقى على حاله الى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإعادة النظر في كل المواقع الأمنية الأساسية، وإذا تعذّر الانتخاب لأي سبب كان، فإن <معاناة> جهاز أمن الدولة سوف تستمر الى حين إحالة اللواء قرعة على التقاعد في شهر حزيران (يونيو) 2017 إذ انه من المتعذر <إقالته> أو <إنهاء خدماته> بقرر من مجلس الوزراء لعدم توافر التأييد اللازم من الوزراء (غالبية الثلثين).

ويعطي أصحاب هذه الأصوات دليلاً على أقوالهم، بالإشارة الى انه مضى أكثر من خمسة أشهر على إحالة العميد الطفيلي على التقاعد ولم يُعين مجلس الوزراء خلفاً له، كما حصل بالنسبة الى رئاسة الأركان العامة في الجيش، وغيرها من التعيينات الادارية، لاسيما وان لا خلافات <جذرية> على اسم الخلف طالما انه سوف يكون كما تريد <الثنائية الشيعية>، لأن نائب رئيس جهاز أمن الدولة هو شيعي وفق العرف المعتمد في التعيينات الأمنية لأن رئيس الجهاز كاثوليكي. ويضيف هؤلاء ان اسم الخلف لم يعد سراً ولا اعتراض عليه من أحد، فلماذا لا يتم التعيين وينتظم العمل في أمن الدولة ادارياً ومالياً وأمنياً أسوة بما هو قائم في المؤسسات الأمنية والعسكرية الأخرى، ثم ما ذنب الذين قُبلوا في دورة التطوع في أمن الدولة ولا يزالون ينتظرون الاجراءات التنظيمية التي تمكنهم من الالتحاق بوظائفهم، كما يحصل أيضاً مع رفاق لهم تطوعوا في الجيش والأمن العام وقوى الأمن الداخلي وباتوا في الخدمة الفعلية؟!

 

متى عُرفَ السبب

ويذهب بعض المتابعين لملف أمن الدولة الى القول بأن السبب الأساسي لإبقاء هذا الجهاز الأمني <محدود الانتاجية> يكمن في قرار متخذ على مستويات عدة بعدم اعطاء <داتا الاتصالات> الى أمن الدولة، كما هو الحال مع مديرية المخابرات وفرع المعلومات والأمن العام، وحصر هذه <الداتا> بالأجهزة الثلاثة فقط، على رغم وجود قرار من مجلس الوزراء يقضي بإعطاء <الداتا> الى المؤسسات الأمنية الأربع لتنسيق العمل الاستخباراتي في ما بينها لتسهيل عملية ملاحقة الارهابيين والخلايا النائمة. ويضيف هؤلاء للتدليل على صحة ما يقولون، بأن كل الطلبات التي رفعتها المديرية العامة لأمن الدولة للحصول على <داتا الاتصالات> جُمدت في السرايا الكبير على رغم انها ــ أي <الداتا> ــ لا ترتبط مباشرة بأسباب الخلاف بين المدير العام لأمن الدولة ونائبه (قبل أن يتقاعد)، بل هي تمس جوهر عمل الجهاز وتمكينه من الحصول على معطيات تسهّل عمله أسوة بما يحصل مع الأجهزة الأخرى، خصوصاً بعدما أظهرت الأحداث ان مضمون <داتا> الاتصالات كان يساعد في القبض على ارهابيين أو تتبع تحركاتهم وإحباط مخططاتهم. وقد أظهرت وقائع المحاكمات التي تجري في المحكمة العسكرية لمتهمين موقوفين بتهم الارهاب، أهمية <داتا> الاتصالات في كشف أفراد الشبكات السرية التي تعمل على الأرض اللبنانية بالتنسيق مع مراكز قيادة تنظيم <داعش> و<جبهة النصرة> في الأراضي السورية.

وتؤكد مصادر أمنية معينة لـ<الأفكار> ان ثمة رغبة واضحة بإبقاء مديرية أمن الدولة <مشلولة> على رغم كل الدعوات التي تطلق لتفعيلها، والوعود التي تُعطى للقيادات المسيحية، السياسية منها والروحية، بإزالة هذا <الحرم> عن هذا الجهاز الأمني الذي يضم خيرة الضباط الذين خدموا سابقاً في الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام، ونقلوا بمراسيم من مؤسساتهم الأمنية الى أمن الدولة الذي يشكل الضباط فيه خليطاً من المؤسسات الأمنية الثلاث. وتشير المصادر الى ان مجرد بقاء المديرية العامة لأمن الدولة من دون نائب رئيس يؤشر الى وجود قرار ضمني بعدم تفعيلها ليستمر <التحجج> بعدم وجود نائب للمدير كي لا تعطى لا الامكانات المادية الضرورية، ولا المقومات الأساسية لعملها وفي مقدمها <داتا الاتصالات>!