6 June,2020

ألم تنته بعد صلاحية الأمم المتحدة ومنظماتها؟

[whatsapp]

 

بقلم خالد عوض

البروفيسور الفرنسي “ديديه راوولت”: جنوح الطب إلى… الإستعراض؟

العالم واجه ثلاثة أنواع من الفشل (على الأقل) مع تفشي وباء “كورونا”، وما يجب أن يتأسس عليه عالم الغد هو أسباب هذا الفشل كلها ولماذا لم تتنبه الحكومات والمجتمعات إلى أخطائها في الوقت المناسب وحتى بشكل إستباقي. هناك أولا فشل صحي وطبي، وثانيا فشل إقتصادي، وثالثا فشل عولماتي في الحوكمة للنظام العالمي والمؤسسات التي تديره.

 

الطب: رسالة  أو… تجارة؟

الفشل الصحي والطبي واضح كالشمس. بعض الأطباء يتكلمون في السياسة أفضل بكثير من كلامهم عن المرض وعلاجه. يتناقضون بالسر والعلن وينضحون على الحكومات بنصائح متضاربة، أدت في مرات كثيرة إلى إختلاط الأمور على أهم الحكام في العالم. كم من المليارات انفقت في الأنظمة الصحية التي ظهرت هشاشتها بفظاعة. كل دول العالم كانت تتباهى بموازنتها الصحية التي تشكل بين ٥ و١٥بالمئة من الناتج المحلي، وها هي تنوء بشكل مخز أمام الجائحة. الولايات المتحدة وحدها انفقت حوالى ٣٥٠٠ مليار دولار عام ٢٠١٩ في القطاع الصحي الحكومي والخاص ونراها اليوم تواجه أبشع خسارة في الأرواح منذ الحرب العالمية الثانية بسبب فشل نظامها الصحي في إستيعاب نتائج تفشي الوباء.

وكم من المليارات الأخرى تنفق على الأبحاث والمؤتمرات والدراسات الطبية والجرثومية، وكل ذلك لم ينفع حتى اليوم وبعد مضي أكثر من خمسة شهور على الأقل على ظهور أول حالة مرضية بسبب الفيروس لإكتشاف طريقة للتعامل مع الوباء سوى… الحجر المنزلي. مجموع الأموال التي أنفقت على الأبحاث الطبية وحدها عام ٢٠١٩ ناهزت ٢٠٠٠ مليار دولار نصفها في الصين والولايات المتحدة (حوالى ٥٠٠ مليار دولار لكل منهما) وحوالى ٤٠٠ مليار دولار في أوروبا. إذا دلت هذه الأرقام وضخامتها على شيء فهي أن المصالح التجارية تحتل القرار الصحي والطبي. هذا لا يلغي المهمة السامية والإنسانية للطب ولكن بعض الأداء التجاري في القطاع الطبي والإستشفائي وخاصة في مجال صناعة الادوية ونفوذ شركات الدواء في القطاع الصحي والأساليب الملتوية لتسويق منتجاتها حولت مهنة الطب والاستشفاء إلى تجارة. كما أن تداخل مصالح شركات التأمين مع المستشفيات وتأثيرها على الفاتورة الطبية أديا إلى مزيد من الجنوح في الإستغلال التجاري للمرضى.

لا يمكن الإستمرار بالنمط نفسه في الإنفاق الطبي والصحي من دون ضوابط. كما أن هناك ضرورة للجم السلطة المالية لشركات الدواء الضخمة وشركات التأمين. تأميم الطب والاستشفاء وفرض استقلاليتهما عن أي تأثيرات تجارية أصبح واجبا وطنيا، وهذا يجب أن يؤدي إلى حصر الإستشفاء الخاص في مجالات محددة ومضبوطة. بإختصار مطلوب ورشة تشريعية لإعادة ترتيب القطاع الصحي والطبي ووضعه في الإطار العلمي والإنساني وعدم السماح بعودته إلى التفلت السابق نفسه.

الإقتصاد: أين دروس ٢٠٠٨؟

رئيس “منظمة الصحة العالمية” “تيدروس أدهانوم غيبريسوس”: التنظير والتنظير والتنظير حتى… الكارثة

لا شك أن هناك إختلافاً كبيراً بين ما حصل عام ٢٠٠٨ في الفقاعة العقارية الهائلة التي خلقتها المصارف وبين ما يحصل اليوم من جراء الحجر الصحي الذي فرضه الوباء. ولكن الأسباب الكامنة وراء الإنهيار الإقتصادي والمالي الذي بدأت ملامحه تظهر لم تتغير. السبب الأول هو تنامي حجم الدين العالمي، فدين الأفراد والمؤسسات والدول وصل إلى أكثر من ٢٦٠ ألف مليار دولار منذ شهر أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي العالمي. هذا الدين كان حوالى ١٠٥ آلاف مليار دولار عام ٢٠٠٨ وكان يشكل حوالى مرتين من الناتج المحلي العالمي الذي كان يصل يومها إلى حوالى ٥٠ ألف مليار دولار. مستوى دين الدول تزايد بشكل غير مسبوق في التاريخ فقد ارتفع من حوالى ٣٢ ألف مليار دولار عام ٢٠٠٨ إلى ٧٠ ألف مليار دولار تقريبا في نهاية العام الماضي أي حوالى ٩٠ بالمئة من الناتج المحلي العالمي. ورغم كل الكلام عام ٢٠٠٨ وبعدها عن ضرورة لجم الإستدانة ووضع ضوابط ونظم متكاملة للإقتراض بشكل عام، تضاعف حجم الدين خلال عشر سنوات وانتفخ أكثر في ٢٠١٨ و٢٠١٩. 

السبب الثاني هو الإنفصام غير المفهوم بين البورصات العالمية والإقتصاد الفعلي وهذا ما نشهده اليوم. فالبورصات استعادت خلال أقل من عشرين يوما حوالى نصف ما خسرته بسبب أزمة “كورونا” بينما الأرقام الإقتصادية لا زالت مخيفة والأعظم لم يأت بعد. كيف يمكن لأسهم الشركات أن ترتفع بينما ارباحها في الحضيض؟ مناخ المضاربات الذي يتحكم بالأسواق والإعتماد المستمر أن البنوك المركزية والحكومات ستهب لدعم الشركات ماليا بغض النظر عن ادائها الحقيقي جعل البورصات أأمن إستثمار وكأنها في عالم آخر. شركة “بوينغ” لصناعة الطائرات مثلا كانت تعاني قبل الأزمة بسبب مشكلة طائرة “البوينغ ماكس ٧٣٧” ولكنها بفضل “كورونا “ستحصل على دعم مالي من الحكومة الأميركية بمليارات الدولارات رغم نجاحها في اقتراض ٢٥ مليار دولار عبر سندات من السوق مباشرة. الموضوع نفسه ينطبق على شركات كثيرة ستحصل على دعم مالي رغم ادائها السيء قبل الأزمة. الأسهم سترتفع في جميع الأحوال، أي في حال نجحت الشركة في تحقيق أرباح أو في حال حصلت على دعم مالي.

السبب الثالث هو الفارق الطبقي والإجتماعي اللامحدود الذي نتج عن تضخم الأسواق المالية وأدوات الإستثمار المالي المتاحة بشكل خاص لأصحاب الثروات. فرأس المال العالمي نما بمعدل يزيد عن ٥ بالمئة سنويا منذ ٢٠٠٨ وهذا يشير إلى معدل نمو الثروات بينما لم يتجاوز معدل النمو الإقتصادي الذي يقيس عادة مستوى معيشة الناس مستوى ٣ بالمئة سنويا. باختصار لم يأخذ النمط الإقتصادي العالمي أي عبرة من أزمة ٢٠٠٨ بل أمعن في توسيع الخلل الإجتماعي.

الفشل الإقتصادي الحالي يستوجب عقدا إجتماعيا جديدا يكون الأساس المستدام لإقتصاد المستقبل. من دون ذلك سنشهد على مزيد من إستقلال المال عن … الإقتصاد.

الأمم متحدة: مراكز إحصاء وخزان بيروقراطية

لا يختلف إثنان أن أداء “منظمة الصحة العالمية” في أزمة “كورونا ” كان مخيبا للآمال. وهي ترددت حتى 7 آذار (مارس) ٢٠٢٠ لإعلان وباء “كورونا” جائحة مع أنه كان موجودا في أكثر من ستين بلدا قبل هذا التاريخ. كما كان من قبلها أداء “منظمة التجارة العالمية” وهي تتفرج على الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. الامر نفسه ينطبق على الأمم المتحدة التي لم يرف لها جفن وهي ترى الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” يمزق كل المواثيق الدولية في مسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس ثم الإعتراف لإسرائيل بحق ضم الجولان وصولا إلى “صفقة القرن”، ناهيك عن غيابها الكامل في عملية ضرب “أرامكو” السعودية، أو إغتيال قاسم سليماني والرد الإيراني بالصواريخ البالستية على قواعد أميركية في العراق، أو المفاوضات بين “طالبان” والولايات المتحدة في قطر. يبدو أن الأمم المتحدة ومعظم المنظمات المنبثقة عنها أصبحت عبئا بيروقراطيا ينهك موازنات الدول ولا فعالية له، اللهم إلا بعض الإحصاءات والدراسات. النظام العالمي الجديد يجب أن ينبت أدوات حوكمة مختلفة لأن الموجودة أصبحت مهترئة.

انتهت صلاحية العولمة بشكلها الذي عهدناه منذ ١٩٩٠ بل ربما انتهى دور الأمم المتحدة التي أُنشئت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ وكل منظماتها. يبدو أن دول العالم أعجز من أن تغير سلميا هذه المنظومة. الخوف هو أن تكون بحاجة إلى حرب لإعادة تشكيل حوكمة جديدة لعالم المستقبل.