19 September,2018

أكـــاذيـب وحـقـائـــــــق

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

كل شيء إذا نقلناه من مكان الى آخر يبقى كما هو، إلا الكلام فيتغيّر بمجرّد نقله من شخص الى آخر، هذا إذا كان الكلام صحيحاً، فكم بالحري إذا كان من نسج الخيال أو كذباً؟..

إن الشائعات التي غَرَفت من خيراتها أنظمة ودول على مرّ العصور، لا تزال تعمل بقوة، وهي حيّة ومنتشرة بصورة أكبر في المجتمعات غير المتعلّمة أو غير المثقفة، أو غير المطلعة أو غير الواعية، حيث البيئة خصبة لترويج أخبار مزيّفة.

وما يزيد من حدّتها عدم وجود الطرف المخوّل بالرد عليها، وانتشار وسائل الاتصالات الحديثة التي تقوم بنشر كمّ هائل من المعلومات وبسرعة البرق.

وللشائعات آثار نفسية وحسيّة بالغة الخطورة، فبمقدورها القضاء على مجتمعات بكاملها، كونها قادرة على أن تجعل من الصواب خطأ ومن الخطأ صواباً، ولاسيما إذا كانت مدعومة من أجهزة أو وجهاء أو قادرين.

وبانتشارها أو سيطرتها على عقول الناس قد تغيّر في السلوكيات وفي التعاطي مع أمور معينة بالنسبة الى الأفراد، ومن الصعب إبطالها في بعض الأحيان نظراً لتفشيها في المجتمع وتشرّبه لها.

إن جوهر المشكلة يكمن في أن الناس تريد الحقائق، وعندما لا تستطيع الوصول إليها، فإنها تتقبّل الشائعة..

من هنا، فإن الإيمان والثقة بالبلاغات الرسمية ضروريان لمنع انتشار الشائعات، ولا يمكن السيطرة عليها إلا بعرض الحقائق على أوسع مدى، والثقة بالقادة والمسؤولين، ومحاربة الملل والخمول، والنجاح في كشف دعاية العدو بطريقة واضحة، ومحاربة المروّجين بكل الوسائل الممكنة.

لماذا هذا الكلام اليوم؟

لأن الوضع العام في لبنان، على علاّته، لم يعد يحتمل هذا الضخ الكبير من الشائعات والتوقعات والكلام المدمّر حيناً وغير المفيد حيناً آخر، والرخيص أحياناً كثيرة.

إن القلق على المصير يلازم حياة اللبنانيين منذ زمن بعيد، وهذا الهمّ التاريخي لم يكن ينقصه سوى تراكم النفايات وتراكم السموم على أنواعها، وتراكم الأحقاد، وتراكم الابتزاز، وتراكم الإرث، وتراكم تدخّل الخارج وتداخله مع الداخل.

إن التوقعات لشكل الحملات والحملات المضادة خلقت مخاوف من عودة لبنان الى ساحة نزاع أمني كبيرة جداً.

صحيح أن القلق لم يفارق حياة الناس على مدى أكثر من أربعة عقود، إلا أن الصحيح أيضاً أن كمية الأخبار بل الشائعات التي تُضخّ منذ فترة قصيرة أربكت الناس بشكل غير مسبوق ودفعتهم الى اليأس، ولم تعد صعبة ملاحظة الضغوط التي بدأت بالإجراءات الإعلامية، ولم تنتهِ بالتدابير الأمنية – وهي روتينية – والمالية.

والأسئلة التي يطرحها المواطنون على أنفسهم في ظل هذا الجو العابق بالهموم والسموم هي: الى أين تتجه الإجراءات التصعيدية المتصلة بلبنان بعد استكمال الموجات الأولى التي تعاقبت عبرها دول خليجية عدة على الطلب من رعاياها مغادرة لبنان وعدم التوجه إليه؟

وهل تتطوّر الإجراءات العقابية السعودية الى ما يخشاه الجميع في موضوع اللبنانيين العاملين في المملكة أو في موضوع الودائع المالية في لبنان والتحويلات المالية إليه؟

ومن هو المسؤول اللبناني الذي نقل عن ديبلوماسي اميركي (غير معروف أيضاً) وفق ما أوردته إحدى الصحف الخليجية أن لبنان وضعه هش أمنياً وسياسياً <ولسنا نبالغ إذا قلنا إن بلدكم ليس على حافة الهاوية، بل قطع نصف طريقه نحو السقوط فيها، ولكننا ما زلنا نمسك به ولن نتركه يسقط، فنحن قلقون من أي أمر أمني كبير قد يطرأ على لبنان، فإن انهار الوضع، لا نخشى من أن يخرب لبنان بل نخشى أن يختفي بلدكم!>.

مما لا شك فيه، أن تقاطع الحديث من قبل كثيرين عن خطورة الأوضاع يُعتبر مؤشراً خطراً يثبت حساسية المرحلة الراهنة، ولكن، هل هذه الأجواء غريبة عن لبنان الأمس واليوم؟… <كل عمرها هيك> واستمرّ لبنان.

الحق يُقال، إن لبنان المستقل والمستقرّ أفضل لكل محيطه القريب والبعيد، وسيتأكد هذا المحيط أن مصلحته أن يكون لبنان معافى، لأن لبنان المريض هو مشكلة ليس لهذا المحيط فحسب، بل للعالم كله.

كذلك فإن صمود لبنان السياسي اليوم هو أفضل منقذ للبنان غداً وبعد غد.

وإن قدر لبنان الحالي هو أن يكون له رئيس غير عادي لمرحلة غير عادية، أصبح فيها الخطر على المواطن والوطن شيئاً عادياً ويومياً.

ومـــــن جديــــــد نكـــــــرّر <مــــــا أضيـــق العيش لولا فسحة الأمل>…