22 September,2018

أكثريـــــة الأصـــــوات للعمــــــاد عــــــون هــي كذلك للـحـريـــــري كــرئـيـس حـكـومـــــة!  

بقلم وليد عوض

A

سكت دهراً ونطق كفراً. ذلكم هو وزير الخارجية الأميركي <جون كيري>. سكت عن الملف الرئاسي اللبناني، ولم يكن يقربه من قريب أو بعيد، وحتى إذا سأله صحافيون أو صحافيات عن رأيه في هذا الملف، إن كان في مؤتمر فيينا أو مؤتمر جنيف، كان يتجاهل السؤال، ويفهم السائل بأنه لدى الديبلوماسية الأميركية مشاغل أهم. ولكنه نطق كفراً بعد طول سكوت، يوم الجمعة الماضي أثناء استقباله في واشنطن وزير خارجية الكويت الشيخ صباح الخالد، حين رد على سؤال صحفي عن لبنان إذ قال: <لست واثقاً من نتيجة دعم سعد الحريري لترشيح ميشال عون، ومع ذلك فنحن نأمل أن يتم تجاوز هذا المأزق الذي يؤثر على لبنان والمنطقة>.

إذن.. فإن لبنان لم يكن خارج اهتمام الديبلوماسية الأميركية، والتدخل الأميركي في الشأن اللبناني كان تدخلاً سلبياً من وراء الستار، بحيث فهمنا من المستر <كيري> ان اسم ميشال عون لا يطرب الأذن الأميركية. ومن يدري؟ فلعل هذا الاسم يطرب الأذن الروسية، على أساس ان الرئيس <فلاديمير بوتين> لم يدخل مجال التعاطي مع الملف اللبناني، ولا وزير خارجيته <سيرغي لافروف>، ولا نائبه <ميخائيل بوغدانوف> المكلف بملف الشرق الأوسط، ولبنان من ضمنه، كلهم لم يتدخلوا في ملف الشغور الرئاسي اللبناني، والرئيس سعد الحريري، ومثله الأمير طلال ارسلان والوزير السابق فيصل كرامي ونائب جزين الجديد أمل أبو زيد، لم يسمعوا في موسكو التي زاروها تباعاً أي عبارة تدخل في معركة رئاسة لبنان.

وحتى السفير الروسي في بيروت <ألكسندر زاسبكين> كلما سئل عن الشغور الرئاسي قال إن هذا الموضوع فعل اتفاق بين اللبنانيين، ولم يقل ان موسكو تحبذ اسم المرشح الفلاني، على نقيض ما حدث صيف 1970 عندما أعلن الاتحاد السوفييتي تأييده للمرشح الرئاسي وزير الاقتصاد سليمان فرنجية الجد، نكاية بمرشح النهج الشهابي حاكم مصرف لبنان الياس سركيس بعد فضيحة اتهام السفارة السوفييتية بالتجسس على طائرة <الميراج> الفرنسية في مطار بيروت، وانفضاح هذه التهمة على يد الرائد محمود مطر.

وما دام وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> قد بلّ اصبعه في الملف اللبناني، فقد أصبح السؤال: أين سيقف الرئيس الأميركي <باراك أوباما> من معركة الرئاسة في لبنان، بعد خلعه معطف البيت الأبيض يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، أي باقٍ له من الزمن أحد عشر يوماً، وقد ودع البيت الأبيض ليل السبت الماضي بحفلة موسيقية راقصة استحضر فيها الرقصات الأميركية التراثية. وإذا كان رب البيت راقصاً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص.

وأطرف ما قيل عن معركة <هيلاري> و<ترامب> ذلك الذي جاء على لسان الرئيس الإيراني <حسن روحاني> وهو ان الاختيار بينهما كالاختيار بين السيء والأسوأ.

بانتظار <هيلاري>

هكذا أصبحت الكرة في ملعب <هيلاري كلينتون> بعدما مالت موازين استطلاعات الرأي لصالحها. ولكن سيدة البيت الأبيض الجديدة لن تمارس سلطاتها الدستورية قبل أول يوم من السنة الجديدة، أي ان بقايا ديبلوماسية <باراك أوباما> هي التي ستتدخل في معركة رئاسة لبنان، وهو تدخل محدود وغير ذي تأثير.

بصريح العبارة يظل الموضوع الرئاسي شأناً لبنانياً، ودور القوى الاقليمية والدولية أن تبارك اختيار سعد الحريري للعماد ميشال عون كرئيس جمهورية، لأنها لا تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك. فاللعبة انتهت وكانت أكبر من اللاعبين، ويوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) أصبح ماثلاً لطرفة عين، وكرسي قصر بعبدا أصبح على قياس ميشال عون. ولا سبيل الى حل آخر، مهما تكاثرت الشائعات حول مستجدات قد تعطل هذا اليوم. والرئيس نبيه بري ناخب أكبر للعماد عون ولو عارضه، لأنه وفر النصاب البرلماني المطلوب لصالح ميشال عون وشعاره عنوان رواية احسان عبد القدوس <الرصاصة لا تزال في جيبي>.

وكان الرئيس سعد الحريري من الذكاء والدهاء بمكان حين ألبس حزب الله ثوب تعطيل الاستحقاق الرئاسي، وبرأ نفسه من تهمة التعطيل، وإن كان قد ركب المغامرة الكبرى حين أرسى اختياره على العماد ميشال عون، لأنه يدرك تماماً أن هذا الاختيار وطني ولكنه غير شعبي. وجولة كاميرا قناة <أم تي في> وكاميرا قناة <الجديد> يوم السبت الماضي في الشارع اللبناني واستقراء أفكار الناس الطيبين، كان النور الكشاف لرصيد ميشال عون عند المسلمين، بدءاً من شارع طرابلس وموجة الرفض بزعامة وزير العدل المستقيل أشرف ريفي، مع ما ضمته من لافتات تحمل صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتحتها عبارة <طرابلس لن تكون تحت وصاية الولي الفقيه>، إشارة الى أن ميشال عون حليف إيران وحزب الله.

خريطة انتخابية جديدة لطرابلس

عون-و-نصر-الله----B

وهكذا بانت صورة الموقف في طرابلس: كتلة الحريري و<المستقبل> والنائب محمد الصفدي مع العماد ميشال عون ويعني ذلك تأييد النواب سمير الجسر ومحمد كبارة وبدر ونوس، وتمثيل جبهة القبول، والرئيس نجيب ميقاتي وحليفه النائب أحمد كرامي، وتمثل جبهة الرفض. وقد كان حضور النائب محمد الصفدي في الصف الأمامي لاحتفال سعد الحريري في بيت الوسط بإعلان ترشيح العماد عون، مدعاة لاهتمام المراقبين، لأن النائب الصفدي والرئيس نجيب ميقاتي، وهما يقبلان بدخول حكومة مناوئة للرئيس الحريري عام 2011، أوجدا هوة بينهما وبين الحريري على اثر إسقاط حكومته بالثلث المعطل والوزير عدنان السيد حسين، مما جعله يقول: لي حساب معهما في انتخابات طرابلس المقبلة.

وبحضور النائب الصفدي لاحتفال بيت الوسط في الأسبوع الماضي لمبايعة ميشال عون بالرئاسة رسم الرجل معالم تحالف انتخابي مع كتلة <المستقبل> في طرابلس، الى جانب النائبين سمير الجسر ومحمد كبارة، ونأى بنفسه عن خصومة الحريري.

إلا ان المعركة الانتخابية في طرابلس ربيع 2017 لم تعد سهلة بعدما نزل الى ساحة المعارضة وزير العدل المستقيل أشرف ريفي، وكسب الحصة الكبرى من عدد أعضاء المجلس البلدي في طرابلس. والوزير ريفي بذلك، وعلى عكس الرئيس نجيب ميقاتي، لم يضع رهانه على المرشح الرئاسي سليمان فرنجية، لأنه يرى فيه، مثل ميشال عون، حليفاً لحزب الله، أي لإيران والولي الفقيه. وبذلك أصبحت طرابلس مقسومة بين ميشال عون المدعوم من الرئيس الحريري، وسليمان فرنجية المدعوم من الرئيس نجيب ميقاتي، وحليفه النائب أحمد كرامي، وعند أهالي طرابلس يبقى سليمان فرنجية أهون الشرين، إذا كان التحالف مع إيران وحزب الله هو الشر المزدوج. وإذا ظل سليمان فرنجية مستمراً في خوض المعركة الرئاسية ولو معه نائب واحد، فسيحصل من طرابلس على صوتين: صوت نجيب ميقاتي وصوت النائب أحمد كرامي، فيما يحصل ميشال عون على أصوات النواب سمير الجسر، ومحمد كبارة، ومحمد الصفدي، وكان سيحصل أيضاً على صوت النائب الارثوذكسي روبير موريس فاضل، لو لم تصبح استقالته من البرلمان نهائية، وذلك بحكم موقع مجمع <أ.ب.ث> الذي يرئس مجلس ادارته في معقل التيار الوطني الحر، أي كسروان.

 

شيخ الصلح حسن نصر الله

 

وأصيل الأحد الماضي كان اللبنانيون، ولا سيما المعنيون بالطبخة الرئاسية، يتشوقون لمعرفة ماذا سيكون عليه خطاب السيد حسن نصر الله، وأي موقع سيختار حزب الله بين حليفي الحزب ميشال عون وسليمان فرنجية. وكان واضحاً منذ البداية أن أمين عام حزب الله سيحافظ على حليفيه الكبيرين: الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون. مع تحية خاصة الى الحليف سليمان فرنجية. فالعلاقة الاستراتيجية بين السيد حسن نصر الله والرئيس نبيه بري وثيقة العرى وغير قابلة للاختراق. والعلاقة الاستراتيجية الأخرى التي نبتت في كنيسة مار مخايل الشياح عام 2006 بين السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون غير قابلة للاختراق أيضاً، وإذا كانت حصة صانع الرؤساء الرئيس نبيه بري قد غابت في اختيار العماد ميشال عون لكرسي الرئاسة في بعبدا، فسوف تحضر بقوة في أول حكومة يؤلفها سعد الحريري في عهد ميشال عون، على رغم ما يردده رئيس حركة <أمل> بأن مشكلته هي مع سعد الحريري لا مع ميشال عون، ويقصد بذلك أن الحريري لم يأخذ مشورة رئيس مجلس النواب في إعلان التأييد لزعيم كتلة الاصلاح والتغيير، وسيكون الرئيس بري المعارض للعماد عون الناخب الأكبر لرئيس تكتل التغيير، لأنه لو أراد أن يعطل انتخابه، لما تحقق النصاب البرلماني!

وشاغل أهل السياسة الآن هو: ماذا بعد انتخاب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية؟!

الدور هنا لحزب الله معالج الصدع بين الرئيس بري والرئيس الحريري، وبالتالي الرئيس الجديد ميشال عون، لأن معالجة هذا الصدع سترتد انتعاشاً للوضع الاقتصادي والمعيشي. فمجرد اعلان الحريري لميشال عون رئيساً للجمهورية قفز سهم <سوليدير> عشرين بالمئة. فكم ستقفز أرقام المؤسسات الأخرى عندما تنتهي عزوبية كرسي الرئاسة في قصر بعبدا؟ وكيف ستأخذ ورشة الاصلاح والتغيير مجراها بعد وصول رئيس الاصلاح والتغيير الى قصر بعبدا، واعتبار الأصوات النيابية التي سيحصل عليها العماد عون في جلسة الانتخاب هي أصوات لصالح الحريري كرئيس حكومة؟ والباقي متروك بعد ذلك لتقارير السفراء الأجانب بدءاً من سفيرة الولايات المتحدة <اليزابت ريتشارد> وسفيرة الاتحاد الأوروبي <كريستينا لاسن> والسفير المصري الجديد نزيه النجاري!

وإنا ليوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.. لمنتظرون!