25 September,2018

أفضل وصف لانتخابات الرئاسة هو لوليد جنبلاط لأنه قال إنها تمر من صناديق النفايات

بقلم وليد عوض

hollande-larcherالنفايات السابحة في مياه المطر يوم الأحد الماضي ويوم الثلاثاء الماضي، صفعة لا ترحم لجميع القادة المسؤولين، وانتهاك لحرمة الوطن، واستهانة بكرامات الناس وحقوقهم المدنية والصحية، ولو أنعمت النظر في مواقع التواصل الاجتماعي ومنها <الفايسبوك> لطالعتك نقمة الناس على جميع المسؤولين دون تفريق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وما أكثر الشياطين الخرسان في هذه الأيام.

   وكأن الزعيم وليد جنبلاط قد كتب في حسابه الشخصي الاليكتروني ان معركة الرئاسة لم تعد تمر من صناديق الاقتراع، بل من صناديق النفايات!

   ولكن ما العمل؟! فالبلد بلدنا، وإذا كان بلدنا مريضاً وفي العناية الفائقة، فهل من الأخلاق الكريمة في شيء أن يتخلى المواطن الصالح عن الوطن الذي أنجبه وفتح أمامه باب التخصص الجامعي و.. أبواب الرزق؟

   ومن المفارقات أن يطل وزير الأشغال غازي زعيتر من شاشات التلفزيون ويعلن، أمام سيول النفايات السابحة في البلد، انه كان يتوقع مثل هذه الكارثة، وتنبأ بحصولها إذا لم يتدارك المسؤولون كارثة النفايات. ووزير البيئة محمد المشنوق يعود الى الاطلالة من شاشات التلفزيون يوم الاثنين الماضي ليعلن ان ما توقعه قد حصل، وان مشكلة النفايات مشكلة سياسية لا مشكلة بيئية وحسب.

   طيب وبعدين؟

   حكماء السياسة، ومنهم سفراء عرب وأجانب، يقولون ان لا خلاص للبنان من أزماته التي توشك أن تصبح مستعصية، إلا باكتمال النصاب البرلماني وانتخاب رئيس للجمهورية. وعندئذ ستنفتح جميع الأبواب المحكمة الاغلاق، ويعود لبنان الى سيرته الطبيعية بعدما تأتيه المساعدات المالية والقروض الموعودة من الخارج.

   أي ان الهم الوطني يجب أن ينحصر حتى إشعار آخر في انهاء الشغور الرئاسي، وذلك بقيام تجمع وطني نيابي يضع في الأولويات الوصول الى انتخاب رئيس جمهورية. وفي هذا الملعب السياسي فريقان: فريق يقول بأن الحل الرئاسي يجب أن يأتي من الخارج، وأكبر دليل على هذا <الخارج> ان رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي <جيرار لارشيه> الذي زار لبنان في الأسبوع الماضي، كانت له جلسة حميمة في قصر الصنوبر مع قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي يبدو أنه أحد الأسماء الثلاثة في اللائحة السرية للرئاسة الفرنسية.

 

 <الكوكتيل> الرئاسي

   أما الفريق المتمسك بالصناعة المحلية، فيقول ان انشغال البلدان الاقليمية المحيطة بلبنان أو المهتمة بشأنه الرئاسي، لا يجعل أهل الاقليم يلقون بالاً لمشكلة الرئاسة في لبنان لأن عندهم من المشاكل ما يكفيهم، وما على نواب لبنان إلا أن يشمروا عن سواعدهم وعقولهم والاجتماع تحت قبة البرلمان في جلسة تاريخية شبيهة بتلك التي شهدت تنافس المرشحين الرئاسيين سليمان فرنجية والياس سركيس صيف 1970، واعلان فرنجية رئيساً للجمهورية بمطرقة نائب رئيس مجلس النواب الراحل ميشال ساسين، بعدما دخل الرئيس صبري حمادة الى غرفته الخاصة ورفع يده عن عملية الاقتراع، واتصل به الرئيس شارل حلو ليقول له: عليك أن تعلن اسم سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية.

   فأي الفريقين سيثبت وجهة نظره؟

   واقع الأمر ان الموقف من معركة الرئاسة سينتهي الى <كوكتيل> من الارادة المتمسكة بالصناعة المحلية والارادة التي تعتمد على الترياق الرئاسي الآتي من الخارج، مثل السعودية وإيران وروسيا وفرنسا، على salam-sissiأساس ان الولايات المتحدة قالت <باس> ولم تدل تصرفاتها حتى الآن انها مهتمة بالمعركة الرئاسية في لبنان.

   حتى خروج الجيش السوري من لبنان صيف 2005، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كانت الرئاسة في لبنان صناعة سورية أو ما شابه، وقبل ذلك وتحديداً زمن أواخر الخمسينات ومنتصف الستينات، كانت صناعة مصرية، حين جاءت بقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية عام 1958، ومثله وزير التربية شارل حلو عام 1964.

   ملامح المشهد في الأفق السياسي للمنطقة توحي بأن شيئاً شبيهاً باتفاق الدوحة يمكن أن يأخذ مجراه مع الدخول في سنة 2016، بحيث تكون القاهرة هذه المرة هي <دوحة 2> أو <القاهرة واحد>، بعدما توصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية السعودي الدكتور عادل الجبير، الى صيغة تفاهم حول المخرج المطلوب للأزمة السورية، بحيث تقوم في دمشق سلطة انتقالية تتولى تعديل الدستور والدعوة الى انتخابات رئاسية وانتخابات برلمانية جديدة تكون المعارضة، وتحديداً الجيش الوطني السوري الحر، واحداً من أعمدتها. وبضغط من روسيا أعلن الرئيس بشار الأسد لأول مرة انه يوافق على سلطة انتقالية تتولى تعديل الدستور والدعوة الى انتخابات رئاسية ونيابية، بمعنى أن تكون السلطة السورية والمعارضة الى طاولة حوار واحدة.

 

روسيا صاحبة

الورقة الرابحة!

   ولم يعد يهم بعد ذلك إن بقي بشار الأسد لمدة أسابيع أو أشهر، ثم انسحب من السلطة. فقطار التغيير يكون قد انطلق ولا يستطيع نظام بشار الأسد أن يتصدى له أو يوقفه. وفي هذا الحل تلتقي روسيا والولايات المتحدة والدول الخليجية التي جاء منها يوم الاثنين الماضي الى دمشق نائب وزير الخارجية العماني وسفير السلطنة السابق في بيروت زمان السبعينات يوسف علوي بن عبد الله ليعلن استعداد العاصمة العمانية مسقط لاستقبال أي تسوية تحرر سوريا من هذا الكابوس الحربي الرهيب.

   وتأتي زيارة بن علوي لدمشق في ضوء الوقائع الآتية:

   ــ أولاً: زار مسقط خلال آب (أغسطس) الماضي وزير الخارجية السوري وليد المعلم كخطوة أولى نحو التسوية.

   ــ ثانياً: استقبلت مسقط مثلما استقبلت موسكو دون إعلان، موفدين من المعارضة السورية، لأن الوساطة تشمل في العادة طرفين، وإلا لا  تعود وساطة.

   وليس المهم في هذا السياق أن تكون روسيا هي المستفيدة الأولى من هذه المتغيرات، بحيث تراجع عنها شبح العقوبات الأوروبية بسبب استعادتها لجزيرة <القرم> وتدخلها في أوكرانيا. فالمهم هنا أن يكون الشعب السوري الشقيق هو المستفيد، بعدما أصبح نصفه تقريباً خارج البلاد في متاهات الغربة، والسؤال لم يعد: هل يبقى بشار الأسد أم لا يبقى؟ بل السؤال هو: متى يذهب بشار الأسد؟ وبين السؤالين فرق.

   وليل الثلاثاء الماضي كان هناك جناح آخر من معركة التسوية في سوريا، تمثل في المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> من أجل سوريا، ضم بالإضافة الى فرنسا كلاً من الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، ودولة الإمارات المتحدة، وقطر. وجاءت هذه المبادرة من الرئيس <هولاند> كعملية تصفية حساب مع روسيا. فكما ان مؤتمر <فيينا> الذي دعت إليه روسيا مؤخراً واستثنت منه فرنسا، رغم دورها الفاعل في أزمة الشرق الأوسط، وفي الحل المرسوم للأزمة السورية، كذلك أقصيت روسيا عن <مؤتمر باريس> ليل الثلاثاء الماضي، وكما تراني يا <بوتين> أراك.

بري-جنبلاطالموعد في القاهرة

 

   كذلك فهناك دعوة روسية الى <فيينا 2> بحيث يضم المؤتمر تركيا وإيران والسعودية والولايات المتحدة، في محاولة استخراج لصيغة حل مقبول للأزمة السورية.

   مبادرات بالجملة على مستوى عدة عواصم، والهدف هو سوريا ومحنتها التي توشك أن تتمدد على مستوى المنطقة، ولبنان واحد من المهددين بهذا الخطر.

   والمبادرة هذه المرة مصرية، أي <القاهرة واحد>، مثل <الدوحة واحد> عام 2008. ومن هذه المبادرة يرفرف طائر الحل اللبناني بأجنحته، وتكون هناك تسمية لرئيس لبنان الجديد، ولا يهم إن كان مدنياً أو عسكرياً، بل المهم أن يكون في مستوى الانقاذ وضمن المواصفات التي رسمها أهل طاولة الحوار في مجلس النواب يوم الاثنين الماضي.

   فهل اقترب الحل؟

   لأن ولادة هذا الحل تبدو قيصرية فلن يكون هناك رئيس للبنان قبل الدخول في شباط (فبراير) المقبل..

   والغد الباسم هو.. الآتي!