15 November,2019

أغــــــار منــــــك... ”إستــــــاذ وليــــــــد“

بقلم : كوزيت كرم

أغار منك لأنك تعبق بالزمن الجميل الذي عايشته وشهدت عليه. زمن الصِّحافي لا الصحفجيّ. زمن صِحافة التحليل لا صحافة التصاريح. زمن الكلمة المكتوبة لا <الهواء> الذي يخضع لرؤساء أموال لا رؤوسَ لهم. زمن الكلمة المنحوتة لا التغريدة <المسلوقة> من وراء مقود سيارة. زمن الأحلام الجَماعية لا المطامع الفردية. أغار منك لأنك حاورت الكبار، فيما نحاور نحن بوتقة من الأقزام الذين ينظّرون على مسامعنا ليلَ نهار، حتى أُصبنا بتلوّثٍ سمعي يكاد يفوق ذلك البيئيّ.

أغار من زوّادتك الثقافية ومن شموليّة معرفتك. أغار من ذاكرتك المُضادّة للنسيان، التي تستحضر الأحداث، كلما اضطُرّ الأمر، بتواريخها وتفاصيلها، فنروح نستمع إليك مشدوهين كما يستمع الطفل إلى <حدّودة> جدّته. أغار من يدك التي لم تُفلت القلم، حتى أيامك الأخيرة، فيما نسينا نحن خطَّ يدِنا. أغار من شعرك الذي <هَرّ على الورق> طوال عقود من العمل الصحافي، كما قلت لنا ذات يوم، نحن العاملين تحت جناحيك. أغار منك لأنك عشت عصر النور لا عصر الظلمة. عصر صانعي الأحلام لا صانعي الحروب. أغار منك لأنك عشت زمن الشعراء، لا زمنَ الولائم والميكروفونات.

أغار منك لأن أفكارنا نحن تنضب، أما أفكارك أنت فلا. هكذا كنت أذهب إلى اجتماع التحرير، كل خميس، معتمدة، في أسوأ الحالات، على سِعة اطلاعك وتجدّدك. فكنت أُطمئن نفسي، في حال لم أجد الوقت الكافي للتفكير في ما سأكتب في العدد المقبل، بأنك <ستفقّس> لي، كما لزملائي، عشرات الأفكار، ولديك منها <إجّة> كبيرة في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والفن والطب. أذكر، في هذا السياق، كم من موضوعٍ كنّا سبّاقين في نشره في مجلة <الأفكار>، قبل أن يتحوّل إلى مادة إعلامية تتناقلها شاشات التلفزيون. فقد كنا أول من أنجز، عام 2000، تقريراً مفصّلا عن حق المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي في إعطاء الجنسية لأبنائها، قبل أن يتحوّل هذا المطلب، بعد تسعة عشر عاماً، إلى قضية رأي عام (من دون الوصول إلى نتيجة طبعاً!).

وفي الحديث عن اجتماعات التحرير، لا أزال، حتى اليوم، أبتسم كلما استعدت صوتك تقول لنا بسخريتك المحببة: <بدي إقرا جوهر الموضوع، مش ولفَّ رجلاً على رجل!>. كنا نختنق بضحكة وفمنا تملؤه الشوكولاته، التي كنت أتولّى تمريرها لزملائي، خلسةً، من إناء <الباتشي> الفضي الذي كان يستفزنا وجوده على الطاولة أمامنا، فتعلّق ضاحكا: <بلفلِّك ياهن عروس؟>. أغار… أغار من براغماتيكيتك التي كانت <تزركنا> ونتذمّر منها أحياناً. ففي حين كنا نؤجّل، إلى الغد، الاتصال بمن نودّ مقابلته، كنت تمسك بسمّاعة الهاتف وتحدّد موعداً <على دَمّا>، ثم تقول لنا – من باب التبليغ طبعاً لا الإستشارة – <يلا خِدي معك مصوّر ناطرك فلان عندو بعد نص ساعة>!

أغار منك لأنك عشت الوقت واستثمرته بنجاح، أما نحن فنستهلكه ويعلكنا، في زمنٍ سطّحت السرعة فيه مشاعرَنا وأفكارَنا. أغار من تاريخك المشرِّف الذي جعلك محطّ تقدير واحترام من مختلف الأطياف والانتماءات المذهبية والفكرية والسياسية، وجميعنا يعرف أن الإجماع على شخصية ما أمر شبه مستحيل في زمن الاصطفافات والمتاريس. فكنّا، لدى وصولنا إلى أي مقابلة، نُسأل فوراً: <كيفو إستاذ وليد، عَسلامتو هالرجل>. <عسلامتك> نعم. فنحن، عشرات الصحافيين الذين تتلمذنا على قلمك وتخرّجنا من <معهدك العالي>، لم نرك يوما <تتناطح> مع أحدهم في <التوكشوهات> السياسية، ولا سمعناك تهاجم أحداً أو تشتم آخر. أنت لست من زمن الاستعراض الإعلامي الرخيص، ولا من زمن الـ<مين ما كان بقول شو ما كان>.