13 November,2018

أطباء القلب في لبنان يحدّدون أهم الاحتياجات التي لا يتم الالتفات لها بالشكل الكافي والعوائق والفرص المتاحة لتغيير السياسات وخفض نسب الإصابة بالمرض!

 

بقلم وردية بطرس

الدكتور-انطوان-سركيس---2

قصور القلب هي حالة مرضية تحدث نتيجة أي خلل وظيفي أو عضوي يؤثر على وظيفة القلب كمستقبل للدم ومضخة كافية لانتشار الدم في أنحاء الجسم لإمداده بالمواد الغذائية والأوكسجين، وتشمل العلامات والعوارض عادة الضيق في التنفس، التعب المفرط، وتورم الساق، وغالباً ما يكون ضيق التنفس أسوأ مع ممارسة الرياضة، وعند الاستلقاء حتى إنه قد يوقظ المريض ليلاً، بينما لا يحدث عادة ألم في الصدر بما في ذلك الذبحة الصدرية بسبب فشل القلب. ومن الأسباب الشائعة لقصور القلب: أمراض الشرايين التاجية بما في ذلك احتشاء عضلة القلب والأشكال الأخرى للداء القلبي الاقفاري، وفرط ضغط الدم، وداء واعتلال عضلة القلب، وأيضاً زيادة تعاطي الكحول مما يسبّب قصور القلب عن طريق تغيير تكوين أو وظيفة القلب. ولا يعد فشل القلب هو نفسه احتشاء عضلة القلب (موت جزء من عضلة القلب) أو السكتة القلبية التي توقف تدفق الدم تماماً. وتشمل الأمراض الأخرى التي قد يكون لها عوارض مشابهة لفشل القلب: السمنة، الفشل الكلوي، مشاكل الكبد، فقر الدم وأمراض الغدة الدرقية. وغالباً ما يكون قصور القلب غير مشخص بسبب عدم وجود تعريف متفق عليه عالمياً ووجود تحديات لوضع التشخيص النهائي. ويتكوّن العلاج عموماً من تدابير لتغيير نمط الحياة بالإضافة للأدوية، وفي بعض الأحيان يمكن إضافة أجهزة مساعدة أو حتى إجراء جراحة. قصور القلب هو حالة شائعة ومكلفة ويمكن أن تؤدي إلى الوفاة، ويعاني منه حوالى 2 بالمئة من البالغين في الدول النامية، وتزداد النسبة إلى 6 – 10 بالمئة عند أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما، ويكلف قصور القلب الكثير من النفقات ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى دخول المستشفى، كما يضرّ قصور القلب بالصحة الجسدية والعقلية للمريض، وعلى الرغم من أن بعض المرضى يمكنهم العيش لسنوات عديدة، إلا أن المراحل المتأخّرة يصاحبها معدل وفيات سنوية يقدر بـ 10 بالمئة.

وتتسبب حالات طبية سابقة أو حالية في قصور القلب مما يؤدي إلى الإضرار بالقلب أو تحميله حملاً إضافياً. وإذا كان الشخص مصاباً أو سبق له الإصابة بأكثر من حالة من هذه الحالات، عندئذ تزداد مخاطر الإصابة بقصور القلب على نحو كبير. ومن بين أسباب قصور القلب الأكثر شيوعاً: الإصابة السابقة بالأزمات القلبية، مرض الشريان التاجي، ارتفاع ضغط الدم، مرض صمام القلب، مرض عضلة القلب أو التهاب القلب، عيوب القلب الخلقية، وحالات الرئة.

وعلى نحو أقل شيوعاً، قد تظهر العوارض على الشخص الذي يقوم جسمه بالتعويض الجيد عن قصور القلب إذا لم يتمكّن قلبه مؤقتاً من الوفاء باحتياجات جسمه، ومن بين الحالات التي يمكن أن تحدث هذا النوع من قصور القلب: العدوى، مرض الكلى/ ضعف وظيفة الكلى، فقر الدم، اضطراب نظم القلب وفرط نشاط الغدة الدرقية.

ونظراً لأهمية إلقاء الضوء على مرض قصور القلب شهدت بيروت اجتماع عدد من أهم خبراء مكافحة مرض قصور القلب لوضع خارطة طريق تحدد أولويات العمل لتحسين مستويات الرعاية المحلية وتعزيز فعالية التدخل الطبي وتحسين السياسات الطبية الرامية لخدمة أكثر من 72 مريضاً يعانون من قصور القلب في لبنان. واستقطبت الجلسة التي حملت اسم <ردم الهوة في التصدي لمرض قصور القلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا> مع التركيز على لبنان، صنّاع السياسات الصحية وخبراء قصور القلب من لبنان لمناقشة نتائج تقرير خارطة الطريق لمكافحة مرض قصور القلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي دراسة معمقة أجرتها <هيلث بوليسي بارتنرشيب> الاستشارية. وقيّم التقرير الاحتياجات التي لا تتم تلبيتها والعراقيل والفرص الكامنة لتغيير السياسات بما يكفل خفض معدلات الاعتلال والوفيات بين مرضى قصور القلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويأتي الاجتماع في أعقاب إطلاق <تحالف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمكافحة قصور القلب> في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وهو أول مجموعة إقليمية متخصصة بعلاج مرض قصور القلب. ويركز <تحالف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمكافحة قصور القلب> على سبل مكافحة المرض، ووضع خارطة طريق واضحة المعالم للإجراءات ذات الأولوية، وتطوير جملة التدخلات والسياسات المعتمدة محلياً والتي تنسجم مع مجالات التركيز الأساسية التي حددتها نتائج تقرير خارطة الطريق. وأشار تقرير خارطة الطريق لمكافحة مرض قصور القلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الى التحديات الفريدة التي تواجهها المنطقة من حيث نسب انتشار المرض مما يتطلّب اتخاذ إجراءات استثنائية مماثلة، والتي قد تختلف من دولة إلى أخرى بحسب النتائج الإحصائية الخاصة بكل منها. وتشير الدراسات إلى أن معدلات إعادة الاستشفاء هي أعلى بكثير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمقارنة مع الدول الأخرى، وينجم عن حالات إعادة الاستشفاء هذه تكبد تكاليف باهظة ويمكن تجنبها في كثير من الأحيان. وقد أتاحت الفعالية التي استضافتها <الجمعية اللبنانية للقلب> بالتعاون مع <نوفارتس> العالمية المتخصصة بالصناعات الصيدلانية، للتحالف إمكانية تحديد الأولويات الرئيسية لعلاج قصور القلب في لبنان، والتي تضمنت مراجعة وتعديل السياسات ذات الصلة بشكل يضمن تشخيص المرض في الوقت المناسب وتقديم مسارات الرعاية المثالية والرعاية المستمرة بعد الخروج من المستشفى بالإضافة لأهمية السعي لتطوير جهود مكافحة قصور القلب كأولوية قصوى. ومن النقاط الرئيسية الأخرى التي تمت مناقشتها في الاجتماع سبل بناء مسارات رعاية صحية مستمرة لمرضى قصور القلب في لبنان، بما في ذلك: إدراك أهمية الوقاية، وإجراء تشخيص دقيق في الوقت المناسب، والحرص على منح المرضى أعلى مستويات الرعاية الصحية أثناء الدكتور-صبحي-الدادا--3 الوجود في المستشفى، وإدراك أهمية مراقبة وعلاج قصور القلب خارج المستشفى، ومنح المرضى الأدوات اللازمة والدعم المناسب لإجراء المراقبة الذاتية وتحقيق العلاج الذاتي.

فماذا يقول أطباء القلب عن هذا المرض المنسي؟

الدكتور هادي سكوري بروفيسور مساعد في الطب السريري لأمراض القلب، واختصاصي في قصور القلب في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، كما يتولى إدارة كل من وحدة العناية القلبية وبرنامج قصور القلب في المركز ذاته، وقد تولى الدكتور سكوري تطوير برنامج قصور القلب المتقدم في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، وفي العام 2009 قاد أول عملية لزرع الجهاز المساعد للبطين الأيسر في لبنان والمنطقة العربية، ومؤخراً تم انتخابه كعضو في اللجنة الوطنية لجمعيات قصور القلب التابعة لجمعية قصور القلب والجمعية الأوروبية لأمراض القلب، فضلاً عن إشرافه على الترجمة العربية لموقع Heartfailurematters.org.. وهو أكبر موقع تعليمي حول قصور القلب، كما ترأس مجموعة العمل لمكافحة مرض قصور القلب التابعة للجمعية اللبنانية لأمراض القلب بين عامي 2009 و2015، ليغدو عضواً في المجلس التنفيذي للجمعية اللبنانية للقلب منذ العام 2015، وفي العام 2013 أصبح الدكتور سكوري أول طبيب من منطقة الشرق الأوسط يحصل على درجة الزمالة من جمعية قصور القلب.

وعن مرض قصور القلب يقول الدكتور هادي سكوري:

– لطالما شكّل مرض قصور القلب وباءً لا يستثني أي منطقة من العالم، وخصوصاً الشريحة الشابة من سكان منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك النسبة الأعلى من عدد المصابين حول العالم بحيث يُصاب سكان هذه المنطقة بقصور القلب في سن أصغر بـ10 سنوات بالمقارنة مع نظرائهم في الدول الأخرى، وعلى الرغم من التحسّن الكبير في عمليات التشخيص وشفاء المرضى الذين يعانون من أمراض الشريان التاجي، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب الخلقية، فما زال انتشار الإصابة بقصور القلب في ازدياد مستمر، وتشير مجموعة من الدراسات الشاملة إلى بلوغ أعداد المصابين بقصور القلب وما نتج عنه من وفيات ضمن منطقة الشرق الأوسط إلى أرقام مقلقة إلى حد كبير، ويوجد في لبنان على سبيل المثال قرابة 72 ألف مصاب بحالات قصور القلب.

كما وبيّنت الدراسة انخفاض مستوى الوعي بقصور القلب بين الجمهور ومتخصصي الرعاية الصحية وصنّاع السياسة، مما يؤثر على مختلف جوانب العناية بمرض قصور القلب، إلى جانب ندرة المواد التعليمية في أغلب الأحيان وعدم توفّر الدعم المناسب لمساعدة المرضى ومـــــزودي خدمـــــــات الرعايـــــــة الصحية القادرين على تقديم الدعـــــم الملائـــــــم للمرضى، وقد يؤدي هذا إلى تأخر المريض في طلب الحصول على العلاج، واللجوء الى المستشفيات بشكل أكثر تواتراً، وعدم توفر عناية ذاتية كافية، أو الحد من قدرة المرضى على اتخاذ قرارات الرعاية أو العلاج.

وغالباً ما تحدث الإصابة بقصور القلب إثر معاناة عضلة القلب من ضعف مفاجىء جراء أزمة قلبية أو أحد الأمراض الأخرى التي تؤثّر على القلب، أو نتيجة لتلف تدريجي جراء الإصابة بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو مرض الشريان التاجي، وتشتمل قائمة عوامل الخطورة الشائعة للإصابة بمرض قصور القلب على ارتفاع ضغط الدم وداء السكري وفرط شحوم الدم الذي يؤدي إلى حدوث مرض الشريان التاجي وتدخين السجائر وتعاطي المخدرات ومضغ القات والسمنة المفرطة، حيث ترتبط في الكثير منها بأكثر من واحد من أنماط الحياة الغربية والتي تنتشر في الوقت الراهن بصورة كبيرة بين جموع سكان منطقة الشرق الأوسط.

الدكتور أنطوان سركيس وخارطة الطريق

الدكتور أنطوان سركيس طبيب قلب وأوعية في مستشفى <أوتيل ديو دو فرانس>، ورئيس <الجمعية اللبنانية للقلب> (يعد الدكتور سركيس من أهم الخبراء والباحثين المرموقين عالمياً في مجال طب القلب التدخلي حيث نشر وأشرف على العديد من الدراسات والأوراق البحثية المنشورة في أهم المجلات الطبية، إلى جانب مشاركته في أهم المؤتمرات والفعاليات الدولية المرتبطة بأمراض القلب)، وهو زميل للجمعية الأوروبية لأمراض القلب، ورئيس الجمعية الفرنسية – اللبنانية – البلجيكية لأمراض القلب ويقول:

– تمكّنا اليوم من التوصل إلى خارطة طريق واضحة المعالم تتيح لنا التعامل بفعالية أكبر مع مرض قصور القلب في لبنان، وذلك من خلال العمل مع مجموعة واسعة من الأطباء المختصّين في مجال الرعاية الصحية المتعدّدة التخصصات، إذ يمكننا زيادة مستويات التوعية بهذا المرض، وضمان قدرة المرضى ومتخصصي الرعاية الصحية على اتخاذ قرارات واعية في إدارة المرض ومعالجته، ويمثل جمع البيانات الشاملة والدقيقة حول أعباء قصور القلب في لبنان أهمية خاصة بالنسبة لنا الدكتور-هادي-سكوري---1باعتبار أن محدودية هذه البيانات وعدم متابعة المرض بالشكل الملائم يمثل السبب الرئيسي لقلة الاهتمام بتشخيص المرض وعلاجه والوقاية منه.

وعن نسبة الإصابة بمرض قصور القلب يشرح:

– 1 أو 2 بالمئة من الأشخاص لديهم قصور بعضلة القلب، وهناك 26 مليون شخص في العالم يعانون من قصور في عضلة القلب، وتقريباً 40 بالمئة بعد سنة إما يفارقون الحياة أو يتعرضون للاستشفاء في العناية المركزة، و70 ألف مريض يُعالجون قصور عضلة القلب، وتقريباً 10 آلاف مريض يدخلون إلى المستشفى، وتقريباً 60 ألفاً يعانون من قصور عضلة القلب بحاجة لتعليمهم كيفية الوقاية من الإصابة بقصور عضلة القلب بالتركيز على عوامل الخطورة في ما يتعلّق بأمراض القلب وارتفاع الضغط والسكري والبدانة، كما نساعدهم لتخفيف الكلفة الاستشفائية. وهناك مخطط توجيه وتنسيق مع المؤسسات الضامنة خصوصاً وزارة الصحة، والتوجيهات تتعلّق بتوعية المريض ثم المجتمع، ويحدث ذلك من خلال وسائل الإعلام التي تلقي الضوء على هذه المواضيع فيتم إيصالها إلى الناس. وفي كل عام نحتفل بأسبوع عالمي وذلك بالتنسيق مع وزارة الصحة لإقامة حملات توعية منظمة للمرضى الذين يعانون من قصور عضلة القلب، كذلك فإن توجيه الأطباء أمر ضروري وأيضاً توحيد وترشيد الممرضات والممرضين لأنه بكل مستشفى يجب أن يهتموا بالمرضى، ومن الضروري أن يكون هناك توجيه للجسم التمريضي والطبي وكل الاختصاصيين لتقديم المساعدة للمرضى.

من ناحيته الدكتور طوني عبد المسيح بروفيسور مساعد في أمراض القلب في جامعة القديس يوسف في بيروت ورئيس وحدة قصور القلب في مستشفى <اوتيل ديو دو فرانس> إلى جانب كونه محاضراً في الجامعة (لقد شارك في نشاط بحثي حول زرع الدعامة الصمامية وتدعيم الصمام الرئوي عبر الجلد، كما يشغل عضوية كل من الجمعية اللبنانية للقلب، والجمعية الفرنسية – اللبنانية – البلجيكية لأمراض القلب، وهو عضو في اللجنة الفاحصة في المجلس الأوروبي لفحص القلب بالأمواج فوق الصوتية، وقام بنشر أكثر من 30 ورقة بحثية ومراجعة أكثر من 10 أوراق أخرى)، فيقول:

– يسهم إدراك الجوانب الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على المرض في المساعدة على تطوير تدخلات وسياسات يمكن تطبيقها محلياً، وينبغي أن تسارع الحكومات لاتخاذ إجراءات محدّدة تنسجم مع احتياجات وظروف المنطقة وكل دولة على حدّة.

 

الدكتور صبحي الدادا والأطر الناظمة

 

أما الدكتور صبحي الدادا الرئيس السابق للجمعية اللبنانية للقلب ورئيس مجلس الإدارة للعلاجات البضعية وغير البضعية في مستشفى حمود – مركز طبي جامعي، ويعمل مدرساً سريرياً في كلية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية ومدرسة التمريض في جامعة القديس يوسف، بالإضافة لكونه عضواً في الهيئة التدريسية لكلية الطب في جامعة بيروت العربية، فيعتبر قصور القلب المسبب الأول لدخول المستشفى حول العالم بين الأشخاص الذين تخطت أعمارهم 65 عاماً، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية على المرضى وعائلاتهم، ويتوقع الدادا ارتفاع الضغوط الناجمة عن قصور القلب في مختلف أرجاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نظراً لارتفاع معدل انتشار عوامل الخطر المسببة للأمراض غير المعدية في المنطقة، والتي غالباً ما يتم تركها دون معالجة، لذا لا بدّ من العمل لوضع الأطر الناظمة والسياسات الصحية لدعم جهود مواجهة الأمراض القلبية الوعائية والتي يندرج مرض قصور القلب ضمن هذه الأطر الصحية.