26 September,2018

أشهـــــر مـتـرجـمـــــي الـتـاريـــــخ الـعـلامـــــة ابــــن سـيـنــــا وأبــــــرز مـتـرجـــــم فــــــرنـسـي ”غـــــــالان“!

 

بقلم وردية بطرس

الدكتور-بول-طبر----3

في كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للترجمة ويرعى هذه المناسبة <الاتحاد الدولي للمترجمين> الذي تم تأسيسه في العام 1953. وفي العام 1991 أطلق الاتحاد فكرة الاحتفاء باليوم العالمي للترجمة كيوم معترف به رسمياً، وذلك لاظهار تعاضد المترجمين في جميع أنحاء العالم ولتعزيز مهنة الترجمة في مختلف الدول. وتعتبر الاحتفالية فرصة لعرض مزايا هذه المهنة التي تزداد أهمية يوماً بعد يوم في عصر العولمة.

ان التقدم الكبير الذي حققته الحضارة العالمية المعاصرة جعل من علم وفن الترجمة ضرورة أساسية في توطيد العلاقات الدولية في المجالات الانسانية، وفي ضوء التقدم الكبير الذي أحرزته العلوم والآداب والفنون، والدور الكبير الذي تلعبه علوم الاتصالات والمواصلات الحديثة في التقارب بين الشعوب والترابط والتشابك بين مصالحها المشتركة، أصبحت الترجمة مهنة لا يُستغنى عنها.

وعبر التاريخ لعبت الترجمة دوراً بالغ الأهمية في نقل المعارف والثقافات بين الشعوب. فأهل اليونان أرسلوا الطلاب والدارسين الى مصر القديمة للتعلم ونقل معارفها في الحساب والفلك والزراعة الى الاغريقية، ثم يأتي الرومان الذين نقلوا عن الاغريقية آدابها وفلسفتها، ومن ثم العرب لينقلوا بدورهم عن اللاتينية والاغريقية، ويأتي العصر الوسيط فيدفع بالأمم الأوروبية التي كانت غارقة في عصر الظلمة الى نقل المعارف عن العرب. وهكذا ترجمت كتب ابن سينا العالم والطبيب الذي اشتهر بالطب والفلسفة، وعُرف باسم الشيخ الرئيس، وسماه الغرب بأمير الأطباء وأبي الطب الحديث في العصور الوسطى، وقد ألف 200 كتاب في مواضيع مختلفة، العديد منها يركز على الفلسفة والطب، ويعد ابن سينا من أوائل من كتبوا عن الطب في العالم وقد اتبع نهج واسلوب <ابقراط> و<جالينوس>، واشهر أعماله كتاب <القانون في الطب> الذي ظل لسبعة قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب، وبقي كتابه العمدة في تعليم هذا الفن حتى أواسط القرن السابع عشر في جامعات أوروبا، ويعد ابن سينا أول من وصف التهاب السحايا الأولي وصفاً صحيحاً، ووصف أسباب اليرقان وعوارض حصى المثانة، وانتبه الى أثر المعالجة النفسانية في الشفاء.

كذلك ترجمت كتب ابن رشد، وهو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضٍ وفلكي وفيزيائي عربي أندلسي، ويعد من أهم فلاسفة الاسلام، دافع عن الفلسفة وصحح لعلماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي فهم بعض نظريات أفلاطون وأرسطو، قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين فعينه طبيباً له ثم قاضياً في قرطبة، وتولى أيضاً منصب القضاء في اشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو تلبية لرغبة الخليفة الموحدي ابي يعقوب يوسف.

كما ترجمت كتب ابن الهيثم والرازي وغيرهما من علماء النبات والفلك والجغرافيا والتاريخ. وقد ظل كتاب القانون يدّرس حتى القرن السادس عشر في بعض الجامعات الأوروبية. ثم دارت الدائرة وعاد العرب، وقد وجدوا أنفسهم متخلفين عن الركب الحضاري بعد عصر انحطاط طويل، للنقل عن أوروبا… وبالتالي تبقى الترجمة اللحمة التي تربط بين خيوط السداة في نسيج الحضارة البشرية، وربما لولاها لظلت الأمم والشعوب متباينة متباعدة لا يربط بينها رابط.

هذا هو الدور الأساسي الذي تقوم به الترجمة نراه واضحاً من خلال النظرية التي تقول: ان للحضارة أطواراً ومراحل، وان لكل طور ومرحلة شعباً من الشعوب يحمل مشعل الحضارة، تماماً كما في سباق <الماراثون>، اذ ليس باستطاعة اي متسابق ان يحمل هذا المشعل الى الأبد… بل هو يأخذه من شعب سابق ويسلمه الى شعب لاحق… يأخذ ويعطي… مستفيداً من مجمل الانجازات التي توصلت اليها الشعوب الأخرى قبله… ناقلاً ما وصل اليه وما استطاع ان يطوره بإمكاناته الذاتية الى من بعده… وعملية النقل هنا تعتمد اعتماداً رئيسياً على الترجمة. فعلوم السومريين والأشوريين وانجازاتهم في الحساب والفلك لم تذهب هباء بل انتقلت الى مصر، وفلسفة الاغريق وحكمتهم وجدت نفسها بحلة جديدة بين أيدي العرب، وهكذا علم جبر الخوارزمي وكيمياء ابن حيان وبصريات ابن الهيثم… مشعل ينتقل من يد الى يد.

عصر المأمون

ولعلنا نرى في التاريخ العربي أوضح الأمثلة على الدور الذي لعبته الترجمة، فقد تنبه الخلفاء خصوصاً بعد عصر الفتوحات الأولى الى ان هناك ثغرات واسعة لا بد من سدها، لاسيما في مجال تنظيم الدولة والقوانين والجباية وشؤون الادارة والمال الى ما هنالك… لهذا سارع عبد الملك بن مروان فأمر كل ذي معرفة بلغة بيزنطية وفارسية ويونانية بترجمة كل ما كتب في هذه الميادين، بعدئذ بدأت حركة الترجمة تتسع وتتطور الى ان بلغت الذروة في العصر الذهبي للحضارة العربية، في عصر المأمون، ذلك العصر الذي احتل فيه أعلام الترجمة مكانة رفيعة لدى الخليفة ورجال الدولة والوسط الاجتماعي، وهكذا حفظ لنا التاريخ أسماء لامعة لما الدكتورة-سلام-دورانتون-----2نقلته لنا من كبرى الأعمال عن الفارسية والهندية واللاتينية والاغريقية مثل ابن المقفع، ثابت بن قره، يحيى بن البطريق، سهل بن هارون، حنين بن اسحاق، يوحنا بن ماسويه.

واذا كانت الاشارة او الصور المتلفزة قد أصبحت في العصر الحاضر وسيلة من وسائل التواصل الثقافي، يتم من خلالها نقل أخبار او تصوير حالة، فإن الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأهم لتحقيق ذلك التواصل بين الشعوب. فمنذ أن عرف الانسان الأبجدية محققاً بذلك قفزة تاريخية في مضمار التطور، ومنذ بدأ يكتب ما يعرفه ويدون تاريخه وأفكاره، كانت الترجمة الرديف المباشر لذلك التطور، فالبشر سلسلة متصلة الحلقات رابطتها اللغة، وقوام تلك الرابطة هو الترجمة.

اذاً عن طريق الترجمة تتعارف الشعوب ويتعرف الناس الى عادات الآخرين في ذلك البلد أو ذاك، والى أعرافهم وتقاليدهم وأفكارهم وآدابهم وسلوكهم وتاريخهم، بل حتى الى تضاريسهم وجغرافيتهم. ومن هنا نرى الدور الكبير الذي لعبته ترجمة الروس مثل <تولستوي> و<دوستويفسكي> و<غوركي> في تعريف العالم بهذا الشعب، والتعريف بطباعه وأنماط معيشته وبأرضه. كذلك الأدب الفرنسي او الانكليزي… فالكثيرون منا يعلمون عن <لندن> و<باريس> من خلال قصة <مدينتين> لـ<تشارلز ديكنز> أكثر مما يعرفون عن الدوحة او الخرطوم رغم جميع وسائل الاتصال الحديثة المنتشرة الآن. ويبرز دور الترجمة في تحقيق التواصل الثقافي هذا على نحو خاص حين تكون حلقات السلسة متباعدة اي حين لا يكون هناك تماس مباشر بين شعبين او أمتين، ففي هذه الحالة قد يُفقد التواصل الى حد الانعدام ان لم تقم الترجمة بسد هذه الثغرة سداً مباشراً. ومثالاً على ذلك: كانت الصين قديماً بلاداً نائية بالنسبة الى شعوب حوض البحر المتوسط، وكانت المعلومات عنها ضئيلة الى حد جعلها بلاداً مبهمة غامضة، لهذا شكلت رحلة ابن بطوطة وما كتبه عنها ورحلة <ماركو بولو> حدثين تاريخيين، اذ نقل كل منهما من المعلومات ما قرب تلك البلاد وألقى ضوءاً ربما كان هو الركن الأساسي للتواصل الثقافي الذي حدث في ما بعد بين هذه البلاد والبلدان الأخرى. كذلك رحلة ابن فضلان الى بلاد البلغار والروس في القرن العاشر الميلادي مثال آخر على الدور الذي يمكن للغة ان تلعبه في تحقيق التواصل الثقافي، فقبل ابن فضلان، ربما لم يكن هناك أية معلومات عن تلك الشعوب التي  تعيش في أقصى الشمال حيث الثلج الدائم والدببة البيضاء والشمس التي لا تغيب في بعض الأوقات من العام…

على ان التواصل الثقافي عملية تبادلية تتم بين طرفين او أكثر ويتم من خلالها انتقال الأنماط السائدة والتقارب بين الأفكار ووحدة النموذج البشري. ان نظرة واحدة نلقيها اليوم على البشر ترينا أنهم يوماً بعد يوم يزدادون قرباً من بعضهم البعض، ذلك ان عملية التواصل الثقافي التي تشكل الترجمة عمودها الفقري، كفيلة بأن تلغي التباينات الشديدة وان تخلق النموذج العام الذي يعمل الناس على احتذائه، وهكذا يحمل ثوار كوبا الأفكار نفسها التي يحملها ثوار الصين، ويقرأ الناس في الصومال للفرنسي <فولتير> ولـ<جان جاك روسو> بقدر ما يُقرأ لهما في <مارسيليا> او <ستراسبورغ>، كما يعرف العالم كله <بخيل> <موليير> و<الأبله> للروائي <دوستويفسكي> و<هملت> لـ<شكسبير> و<دون كيشوت> لـ<سرفانتس>.

وقد بدأ <الاتحاد الدولي للمترجمين> الاحتفال الرسمي باليوم العالمي للترجمة، وهي فرصة لعرض مزايا هذه المهنة التي تزداد أهمية في عصر العولمة. ويبقى الهدف تذكير المستخدمين والمستفيدين من خدمات الترجمة بالأعمال المهمة التي يقوم بها المترجمون، وغالباً ما تكون باتقان ومثالية، ورغم ذلك لا يزال أغلب المترجمين في الظل.

ولمناسبة اليوم العالمي للترجمة نظم برنامج الترجمة في دائرة الانسانيات في الجامعة اللبنانية الأميركية احتفالاً يهدف الى تكريم المترجمين للجهود الـتي يبذلونها في سبيل تأمين التواصل بين الشعوب وتسهيل التفاهم وتبادل الآراء والمعتقدات فضلاً عن نقل الآداب والعلوم. وشارك في الاحتفال عميد كلية الآداب والعلوم الدكتور نشأت منصور، ورئيس دائرة الانسانيات الدكتور بول طبر، والدكتورة سلام <دورانتون> البروفيسور في مجال اللسانيات العربية والسامية ورئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الشرقية في جامعة <غرينوبل> في فرنسا وأستاذة الترجمة في الجامعة، وممثلون عن منظمات وجميعات ومؤسسات تعنى بالترجمة مثل منظمة <الاسكوا> و<المنظمة العربية للترجمة> و<اتحاد المترجمين العرب> بالاضافة الى عدد من دور النشر.

 

الدكتورة نوار مولوي وعصر العولمة

بالنسبة للدكتورة نوار مولوي دياب مديرة برنامج الترجمة فهي تعتبر ان للترجمة أهمية خصوصاً في عصر العولمة وتقول:

– نود تسليط الضوء على أهمية الدور الذي تضطلع به الترجمة في عصر العولمة، الأمر الذي دفع بـ<الاتحاد العالمي للترجمة> الى تخصيص يوم عيد القديس <جيروم> (شفيع المترجمين) الذي ترجم الكتاب المقدس من اللغة العبرية الى اللغة اللاتينية، ليكون يوماً للاحتفال بالترجمة في جميع أنحاء العالم، وذلك من خلال تنظيم مؤتمرات وورش عمل وندوات تبحث في مواضيع تهم المؤلفين والمترجمين ودور النشر.

وبدوره يؤكد الدكتور بول طبر رئيس دائرة الانسانيات في الجامعة اللبنانية الأميركية على ان السعي للسيطرة على الشعوب وممارسة شتى أنواع الاستغلال يستندان الى مروحة واسعة ومعقدة من الأدوات، وكل هذه الأدوات، سواء كانت عنفية ام فكرية ام سياسية، تستند بدورها على تعطيل لغة التواصل لدرجة اقصاء الطرف المقابل لغة وثقافة، وفرض لغة وثقافة الطرف المهيمن عليه.

الدكتورة------1نوار-مولوي-دياب-مديرة-برنامج-الترجمة-في-الجامعة-اللويتابع:

– من هنا تنبع أهمية الترجمة والمترجمين، فالترجمة هي في الأساس اقرار بالتعدد الثقافي واللغوي، وهي بالتالي فعل مقاومة في وجه الاقصاء اللغوي والابادة الثقافية في كثير من الأحيان. الترجمة هي أيضاً السبيل لنقض ودحض مفهوم التراتب الهرمي للغات والثقافات، وهي الطريق الأقصر للانفتاح والتلاقي بين اللغات والثقافات في العالم.

وعن دور الترجمة تقول الدكتورة سلام <دورانتون>:

– للترجمة دور كصلة وصل بين ضفتي المتوسط، واذا نظرنا الى المستشرق الفرنسي <أنطوان غالان> (1646 – 1714) نجد أن لترجماته الى الفرنسية مؤلفات الأدب الشعبي المشرقي <ألف ليلة وليلة> و<أمثال وحكم العرب> بالغ الفضل على الغرب والشرق معاً حيث انه جعل منها جسراً ممتداً بين ضفتي المتوسط لتقديم حضارة الشرق التي وجدها تضاهي حضارة فرنسا وأوروبا وقد تتجاوزها في بعض الميادين، فاصطفى لنفسه مهمة اطلاع الفرنسيين على حضارة تلك الشعوب. وبهذا جعل <انطوان غالان> من الترجمة صلة وصل وتثقيف بين شعوب المتوسط. (تجدر الاشارة الى ان <انطوان غالان> هو اول مَن ترجم <ألف ليلة وليلة> الى اللغات الأوروبية، وقد عثر خلال رحلاته المشرقية على مخطوط ترجمه الى الفرنسية، اضافة الى اعتماده على راو ماروني سوري اسمه حنا دياب شكل ذاكرة الحكايات. وفي مطلع القرن الثامن عشر نشر <غالان> ترجمته على حلقات في الصحف مثلما كانت تنشر بالاسلوب نفسه الروايات الروسية الضخمة ذوات العدد الكبير من الشخصيات. وقد وضع <غالان> قصصاً كـ<علاء الدين والمصباح السحري> او <علي بابا والأربعين حرامي>).

وتخلل الاحتفال مسابقات في الترجمة شاركت فيها طالبات الترجمة في الجامعة وحصلت الفائزات على معاجم متنوعة تقدمة مكتبة لبنان – ناشرون. وفي ختام الاحتفال انتقل الحضور لمشاهدة معرض ضم كتباً مترجمة ومعاجم باللغات العربية والانكليزية والفرنسية قدمها ممثلون عن مؤسسات للترجمة ودور للنشر.