24 September,2018

أسمـــــاء عائلاتـنــــــا مشتـقـــــة مــن الـمـهـــن والـطـعـــام والـمـقـامــــات والألـقــــاب والـعـاهــــات

 

بقلم كوزيت كرم الأندري

6-(2)---24a

يلتصق بك مدى الحياة. قد ترضى به وقد لا ترضى، قد يعجبك وقد لا يعجبك، لكنه يلازمك كظلك. هو اسم عائلتك الذي انبثق من عدّة جذور، منها ما له علاقة بالمهن والحرف، ومنها ما له علاقة بالصفات والطباع البشرية. من أسماء العائلات أيضاً ما يرتبط بالمقام والرتبة، أو بصفات جسدية وعاهات وأمراض. وهناك، كذلك، عائلات تبدلت على مر السنين إذ طغى اللقب على الاسم الأساسي.

<الأفكار> تناولت جذور العائلات البيروتية مع المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور حسان حلاق، الملقب بـ<مؤرخ بيروت المحروسة>!

ــ دكتور حلاق، إهتمامك وأبحاثك حول العائلات البيروتية يحصران موضوعنا بعائلات العاصمة، أم أنه يطال لبنان برمته؟

– إهتمامي بتاريخ بيروت هو اهتمام بتاريخ لبنان والعالم العربي عامةً. فإن عدنا مئات السنين إلى الوراء، أي إلى العهد العثماني، لوجدنا أن بيروت كانت تُسمى <البلدة> لا <المدينة>، وهي كانت تقع داخل السور الذي نسميه اليوم <الداونتاون> والذي كنا نسميه، قبل عام 1975، البلد. كان عدد سكان بيروت متواضعاً في الأساس، لكن أتت إليها موجات من كل المناطق اللبنانية وكذلك من الدول العربية. لذا في بيروت، اليوم، عائلات تحمل ألقاب المناطق التي أتت منها، فنجد على سبيل المثال عائلات مسلمة ومسيحية تحمل لقب <الطرابلسي>، علماً أن لا قرابة بينها سوى أن أجدادها أتوا من طرابلس. كذلك نجد آل <البعلبكي> ومن أشهر هذه الأسرة نقيب الصحافة السابق محمد البعلبكي رحمه الله، وهو قال لي، قبل وفاته بسنين، إن أصل أسرته من آل عبد الساتر من ضواحي بعلبك، لكن جده الأكبر قصد بيروت حيث حجّ واعتمر، وبعد عدة جولات بين بيروت وبعلبك استقر في بيروت فأصبح <البعلبكي>.

ــ الأمر نفسه ينطبق على عائلة <الصيداني> مثلاً؟

– صحيح، علماً أن لا قرابة بينهم كما هي الحال بالنسبة لآل <الطرابلسي>، لكنهم يحملون اللقب عينه لأنهم أتوا من مدينة صيدا. وفي بيروت عائلة أخرى تحمل اسم <صيداني> لكن جذورها سورية حيث هناك بلدة اسمها صيدا وهي تابعة لمحافظة درعا في جنوب سوريا. فعندما جاء العرب من شبه الجزيرة العربية حملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم وأسماء مدنهم، وفي سلطنة عمان حتى اليوم مدينتا صيدا وصور، وحتى اليوم أيضا هناك مرفأ ومدينة جبيل في المملكة العربيــــــة السعوديــــــة. ومــن العائـــــــلات البيروتيــــــة، في هذا السياق، آل <الجبيلي>، وجذورهم تعود إما إلى مدينة جبيل اللبنانية أو إلى مدينة جبيل السعودية…

الاسم المشتق من المهنة

 

ــ هل ينطبق الأمر نفسه على لقب المهنة الذي يلتصق باسم الشخص حتى يصبح عائلته؟

– تماماً! لذا تجدين آل <النجار> وآل <الحداد> وآل <الحلاق> وآل <الفاخوري> وهم من كل الطوائف… أحد أجداد عائلة <الداعوق> مثلاً، كان لباناً يبيع ألباناً وأجباناً فلم يرضَ أن يتخلى عن لقبه، ولغاية اليوم تجدين آل <اللبان> وهم عائلة بيروتية عريقة لكن أصلها <الداعوق>. كما أن جد آخر من بيت الداعوق كان قاضياً <فصارت العيلة قاضي>، لكن هذا لا يعني أن كل من حمل عائلة <قاضي> أصله <الداعوق>.

ــ إذاً أنتم تحملون اسم عائلة <حلاق> لأن أحد أجدادكم كان حلاقاً؟

– أحد أجدادي كان طبيباً عربياً في العهد العثماني، والطبيب العربي <كان يعمل كل شي، بطهّر وبمرّض وبيحلق>…

ــ هل من عائلة بيروتية تفرّع منها أكثر من عائلة؟

– طبعاً! خذي مثلاً، عائلة <العيتاني> التي أتينا على ذكرها منذ قليل، وهي عائلة عريقة ومرموقة. يقال إنه تفرع منها ما يقارب الأربعين عائلة، منها عائلة <الحص>، وهي بدورها عائلة بيروتية معروفة ومنها رئيس الوزراء الأسبق سليم الحص، وكذلك تفرع منها آل <بَيهم> وآل <غندور> وغيرها من العائلات.

ــ أربعون عائلة تفرعت من عائلة واحدة؟!

– نعم! فقد قرأت، في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، عن الحاج حسين بَيهم العيتاني، وعن السيد أحمد الحص العيتاني.

ــ إذاً ظلت العائلة مؤلفة من اسمَين؟

– أسماء العائلات وتركيباتها كانت تتبدل بين فترة وأخرى إلى حين استقرت في آخر إحصاء جرى عام 1932.

ــ لمَ يتفرّع من عائلة معينة عائلة أخرى؟ كيف يحدث هذا؟

– الأسباب عديدة ومختلفة لكن ما يحدث، غالباً، هو التصاق صفة أو لقب ما بأحدهم فيغلب على اسم العائلة الأساسي. أحد أجداد آل <العيتاني>، مثلاً، كان من كبار تجار بيروت وكان رجلاً سخياً وخيّراً، يستقبل في دارته في زقاق البلاط، كل ليلة خميس، فقراء بيروت أو الفقراء المتوطنين فيها ويوزع بعض المال عليهم. وحين كان البيارتة يتساءلون <إلى أين يذهب هؤلاء كل خميس؟>، يأتي الجواب: <يذهبون إلى بيّهــــم أبي الفقــــراء>، أي إلى أبيهم في اللغة الفصحى، فبـــات اسم الرجل الحاج حسين بَيهم العيتاني.

ــ والحص؟ كيف تفرّعت هذه العائلة من <العيتاني>؟

– يُقال إن شقيق الرجل الذي بات <بيهم>، أي جد آخر من أجداد آل <العيتاني>، كان حجمه معتدلاً وشكله كالحصّ، أي <مْدَعوق> كما نقول بلهجتنا البيروتية، فيقولون إنه مثل <الحُصّ>. يقال أيضاً إن التسمية أتت كوصف لكرم أخلاق هذا الرجل فراحوا يشبّهونه بـ<حُصّ اللولو>.

ثم أردف:

– قرأت في تلك السجلات أيضاً عن أحد أجداد آل سِنّو وهو رجل اسمه أحمد <السُنّة>، مما يعني أن أصل عائلة سِنّو هو <سُنّة>، وهم في الأصل قبيلة <بني سُنّة> من المغرب العربي.

 ــ وهل من سبب معين لتسمية <سُنّة>؟

– هم كانوا يقومون بممارساتهم المدنية والدينية على سُنّة الله ورسوله، فبات لقبهم <سُنّة>. وعائلة <سِنّو> التصقت بها أيضاً عائلة ثانية، في مرحلة من المراحل، إذ تجدين في السجلات عينها <أحمد سِنو يموت> و<حسين سنو النحاس>. الأولى صفة والثانية مهنة.

ــ ما هي العائلة البيروتية الأكبر؟

– إنها، من دون شك، عائلة <عيتاني>.

6-(3)---24b

أسماء عائلات مشتقة من المأكولات

ــ وهل من أسماء عائلات انبثقت من اسماء مأكولات معينة؟

– هذا صحيح. خذي عائلة <بالوظة>. إنها في الأساس <قليلات>، لكن أحد جدودهم كان يكثر من أكل حلوى مشهورة في مصر وبلاد الشام اسمها البالوظة، فلُقّب بها وأصبحت اسم عائلته. هناك، مثلاً عائلة <خرما>، وكلمة <خرما> بالفارسي تعني التمر، ومذاق الخرما كمذاق التمر…

ــ هــــل مــن تشابــــك أو وحــــدة جــــذور مــا بــــين عائـــــلات لبــــنان ومحيطــــه العربـــــي من حيث الأسماء؟

– نعـــــم، إن جذور العائلات البيروتية، المسلمة منهــــا والمسيحيـــــة، هي من شبه الجزيرة العربية ومــــن المغرب العربي ومصر وسوريا، وقد لاحظت، مــــن خلال أبحاثي الطويلة والمعمقة، أن عدداً كبيراً مـــــن العائـــــلات اللبنانية أصلها سوري، حتى أن شارل دباس، وهو كان أول رئيس للجمهورية اللبنانيـــــة، مـــن مواليــــد دمشق. وحتى اليوم هناك تلّ تويني في سوريا وآل الثويني في الخليج العربي.

ــ هل من فروع، لا قرابة بينها، لعائلة بيروتية واحدة؟

– هناك، بالفعل، خمسة فروع لعائلة <سلام>. هناك <سلام> التي انحدر منها الرئيس صائب بيك وهي الأسرة الأساسية، ثم هناك <سلام اليافاوي> من يافا، و<سلام العدوي> وأصلهم من مصر، و<سلام العقاد> وقد ألغوا العقاد في ما بعد، و<سلام> وهم من كاثوليك زحلة وجدّهم جورجيوس الصفدي، ويُقال إنه، في أواخر القرن التاسع عشر، رأى هذا الرجل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات يدعوه فيها إلى الإسلام، وهكذا حصل. وفي العهد العثماني كانت العادات والتقاليد الدينية تقضي بأن يُلقّب كل من أسلم بـ<المهتدي> فبات اسم جورجيوس الصفدي محمد المهتدي، وهو كان عطاراً في سوق العطارين وقريباً من والد الرئيس صائب سلام السيد سليم علي سلام (كان نائباً في الحكومة العربية ورئيساً لبلدية بيروت) فطلب يد شقيقته زليخة. <قام سليم سلام قَلّو ببيروت ما في المهتدي، الحل الوحيد هو إنو نعطيك إسمنا، فقلن يا ريت>، وهكذا بات اسمه محمد سلام. وبقدر ما كان إسلامه نقياً وخالصاً، فإن ابنه أصبح العلامة الشيخ عبد الرحمن سلام أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية، وهو جدّ المطربة المعتزلة نجاح سلام.

وأردف الدكتور حلاق:

– هناك أيضاً عائلات بيروتية انبثقت من ألقاب ومناصب، منها عائلة <الباشا> و<بيك> و<أفندي>، علماً أن كلمة <أفندي> كانت تُعطى لكل من يحسن القراءة والكتابة وأصلها يوناني من <أفنديس>… عائلة <قلعجي>، مثلاً، وُجدت لأن أحد الأجداد كان صاحب قلعة، وهناك أيضاً عائلة <النقيب> لأن أحد أجدادهم كان نقيب السادة الأشراف.

ــ هناك عائلات تبدو لنا غريبة، كعائلة برانس <Prince>، على سبيل المثال، أو فرنجية!

– هم من عائلة <فرنجية> لأن جدتهم، في العهد الصليبي، كانت إفرنجية. <برانس> كان مــــن الأمـــــراء الصليبيـــــين، ومــن العائلات الغريبة أيضاً عائلة طرابلسية تعود إلى أيـــام الصليبيـــين وهــي <الشرمنـــد> وأصلهـــــا <Charmant> بالفرنسيــــــة أي الوسيم أو الجميل.

ــ <Charmant> ؟!

 – نعم، وفي طرابلس، حتى اليوم، عائلة <الباف> وأصلها <bœuf> أي الثور الصغير.

ــ دكتور حسان، يحصل أن نجد أخوة من أب واحد لكن من عائلات مختلفة؟

– طبعا، أنا على معرفة بأخوة أصلهم مصري. <واحد مسجل من بيت المصري وواحد كانت مهنتو لحام تسجل لحام وواحد أخد اسم منطقتو التكرور فصار التكروري>!

ــ أتعتقد أنه، مع مرور الزمن، ستُطمس عائلات وتظهر عائلات أخرى جديدة؟

– هذا أمر ممكن وطبيعي، وقد فُرزت عائلات جديدة بدءاً من العام 1992 مع قانونَي التجنيس، فدخل إلى الجسم اللبناني عشرات آلاف المتجنسين ودخلت معهم عائلات جديدة.