25 September,2018

أسـعــــــد الله أوقـاتـــــــــك أيـنـمــــــــا كُنــــــت...  

بقلم:كوزيت كرم الأندري

cosette11-----6

أعترف أولاً، بخياراتي الخاطئة التي ما انفككت أتخذها طوال حياتي المهنية. فيوم قابلت الأستاذ إيلي صليبي في الـ<أل بي سي> عام 2000، وبعد حوار بيننا دام زُهاء ثلاثة أرباع الساعة، قلت له بالفرنسية (التي ما انفكّت، هي الأخرى، تشكّل الطبقة الداخلية لجلدي): <Bon, je tire ma révérence> خوفاً من أن أكون قد أخذت الكثير من وقته، فأجاب بحزمٍ محبَّب: <ما قِلتلّك تْفلّي، أنا بِهمّني إشتغل معك يا بنتي> (تصوّروا هذا الفيض من التواضع!).

فاتني أن أخبركم أنه يوم موعدنا في القناة انشغل، لسبب طارئ بلا شك، في إحدى غرف <المطبخ الإعلامي>، فما كان مني إلا أن <كبّرت راس> وغادرت المكان بعدما انتظرته ثلاثين دقيقة. لكن تهذيبه <حجّمني> حين اتصل بي لدى وصولي إلى المنزل، معتذراً عما حصل ومُلحاً على أن أعود إليه في اليوم التالي لإتمام اللقاء.

سَكِرتُ بجملته أياماً، قبل أن أعرف أنني اجتزت، بنجاح، إمتحان الدراسات العليا في الصحافة، فاتصلت به معتذرة عن الانضمام إلى القناة لإكمال دراستي. كم كنت قليلة العقل! لم أعرف، آنذاك، أن كل <بَرمِة قلم> من هذا الوحش التلفزيوني تساوي سنة دراسية كاملة!

يوم التقينا، مجددا، بعد خمسة عشر عاماً، لإجراء مقابلة (طويلة) في منزله لأحد المواقع الإلكترونية، ذكّرته بتلك الحادثة فقال: <بَسّ فلّيتي بعتت ناس يْرِدّوكي عن الدرج بس ما لاقوكي> (كانت تلك مناسبة أخرى لأتحسّر على خياراتي العبيطة!). أما هو، فكان قد تحوّل إلى ناسكٍ… في المدينة (أظنه هكذا وُلِد). كان غارقاً في استراحة المحارب، لكنه كان يواجه حرباً من نوع آخر، حرب العناد ضد اليأس…

قبل إجراء تلك المقابلة، رحت <أنكش> في شبكة البحث على الإنترنت <غوغل>، لكن، على عكس اليوم، وجدت عنه القليل (هكذا نحن، نستفيق بعد فوات القطار). فشكراً للزملاء الذين أغنوا إعدادي لمقابلة جديدة… لن أجريها مع الأستاذ، وشكراً لـ<غوغل> على استمتاعي ببعض حلقات برنامج <سلالات إسلامية>، الذي كان إيلي صليبي يعدّه ويقدمه على قناة <أوربت>، بهيبةٍ ووقار باتا <دَقّة قديمة> في زمن الفجور الإعلامي. فقد اكتشفت فيه قدرة عجيبة على الإصغاء في زمن المقدِّم المستعجِل في إسكات و<تبخيع> ضيوفه لسرقة الضوء منهم. إكتشفت حكمة هادئة في زمنٍ وصَفَه هو يوم كتب: لو كان التلفزيون يبثّ الروائح لأُغمي على المشاهدين من رائحة العرق المتصبّب من تحت إبط مقدّمي البرامج، المليئة بالـ<نطنطة> والـ<فزفزة>.

ناسكٌ نعم، لكن لا تفوته شاردة. سألته ذات مرة: <كيف تعرف كل هذا وأنت في صومعتك؟>، أجابني بذكاءٍ ثاقب لا يخلو من السخرية: <بْطَلّع من وقت للتاني ناضور غوّاصتي لراقب شو في فوق المي برجع بغوص>. أُضيف مستغربة: <ألا تتعب؟>، فيجيب بالنفي. لعقله بهاءٌ خاص، ومن يُسحره العقل لا يتعب…

<إستاذ>، الآن وقد سبرت غَور الموت (عفواً <الانتقال>، أخالك تبتسم لي وتقول، كعادتك، <تصفيق حادّ>) وذقت طعم ما وراء الظواهر، أنت من كان يجد راحته في المعرفة ومن كان عزاؤه في الحياة أنه سيموت يوماً، <لأن إذا ما متت ما فيي أعرف شو الموت>… هل ارتحت؟ لن تحترق بقلقك بعد اليوم، لن تعيش في غربة فكرية، ولن أغضب لعدم رؤية مشروعك <مركز التأهيل الإعلامي> يبصر النور. <عُمرُن ما يتعلّموا إستاذ. عُمرنا ما نتعلّم!>. فنحن لا يليق بنا مَعشر أهل القلم والحبر والورق، دعنا غارقين في جهلنا وكسلنا الفكري. أوَلَم تنعي، أنت نفسك، الثقافة والتنوير، منذ ثلاثة عقود، يوم قلت في كتابك <مزامير ملاح في الزمن> إن <ملء البطن والجَيب أهم من ملء العقل والروح>، مضيفاً: <نَجِّنا يا رب من العلم والثقافة والفنون الجميلة لنضمن الرغيف>؟!

<أنا لست شيئاً، أنا غَبرة بهالكون>، قلت في آخر مقابلة تلفزيونية لك. <لا إستاذ اسمحلنا، إنت شي كبير، كبير كتير>. ساهمت في صناعة أحلام كثيرة ومسارات كثيرة ونجاحات كثيرة. قامتك الفكرية تطاول الغيم، لكن مأساتنا أن عالمنا العربي مليء برجال هم أكبر من دُوَلهم. أنتَ كالحب الذي وصفته غادة السمان: <حين يمرُّ بنا، لا يعود أي شيء كما كان>…

الآن، وقد ألقيت برأسك إلى وسادة ليلك اللامتناهي، <لن تحلم بسلالات زعاماتنا التي لا تنقرض، وبكوابيس عتمنا العتيق تقضّ مضجعك>، كما جاء في كتابك المذكور أعلاه. ليتك انتظرت، لعلّ أحدهم يجد لقاحاً ضد الموت! أما وقد استعجلت الرحيل، تاركا وراءك قلوباً منكسرة في هذه الفانية الباقية من بعدنا، فلا يسعني إلا أن أقولَ لك: <أسعدَ الله أوقاتك بكل خير>، أينما كنت…