16 November,2018

أسعار السلع تستمر بالارتفاع دون ضوابط بسبب ضرائب سلسلة الرتب والرواتب!

 

بقلم طوني بشارة

منذ سنة تقريبا وبعد طول انتظار وجولات من الأخذ والرد والنقاشات المستفيضة بين مختلف القوى السياسية والكتل النيابية، أقر مجلس النواب اللبناني قانون سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام بنسب مختلفة، وبعد ذلك وقعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ونشر في الجريدة الرسمية. وان إقرار الزيادة على الراتب هو أمر مطلوب ومرحب به من مختلف فئات الشعب اللبناني والقوى النقابية لما يفترض ان يكون له من آثار إيجابية ممكنة على حياة الناس ويومياتها من حيث رفع القدرة الشرائية وتحسين الاوضاع المعيشية، ولكن ان يتحول هذا الاجراء الى نقمة يعيش ويلاتها الشعب اللبناني فهو امر مرفوض جملة وتفصيلا، خاصة وان إقرار السلسلة بالشكل الذي تم فيه قد أثار حينئذٍ سلسلة من المخاوف لدى مجمل الشرائح الاجتماعية اللبنانية، لاسيما من أصحاب الدخل المحدود، ومضمون المخاوف تركز انذاك حول الخشية من حصول ارتفاع في الاسعار مما يؤدي الى تضييع الغاية من اقرار السلسلة وتفاقم الازمة المعيشية للمواطنين سواء ممن لحقتهم الزيادة على الرواتب، او ممن لمن تُنعم عليهم الدولة اللبنانية عبر برلمانها ببركة السلسلة وبقيت رواتبهم ومداخيلهم على حالها، فما أسباب هذه المخاوف؟ وهل باتت حقيقة؟ مما يعني انها كانت بمحلها؟ على اعتبار ان عاما مرّ على فرض الضرائب التجويعية على اللبنانيين، فيما بورصة أسعار السلع والخدمات الاساسية تستمر بالارتفاع، بالتزامن مع صمتٍ مدوٍ في الأوساط الشعبية، صمت جعلنا نؤكد بأن مرارة الحلم بالعيش الكريم الذي ما عاد المواطن يعرف إليه سبيلاً في ظل الأوضاع المتردية قد خدّرته جراء ارتفاع الأسعار، فالمواطن ببلدنا الكريم بات يتلقى الصفعات المادية والمعيشية واحدةً تلو الأخرى من دون تسجيل أي عتب او حتى ملامة على دولةٍ أصبح مواطنوها على يقين بأن مساءلتها ضربٌ في ميت.

 ولا يغيب عن احد بأنه ومنذ تنفيذ الهندسة المالية وإقرار سلسلة الرتب والرواتب، توالت التحذيرات من النتائج الاقتصادية السلبية، وأهمها التضخم وتراجع القدرة الشرائية لغالبية اللبنانيين، وكانت أولى المحذرين جمعية حماية المستهلك التي اعتبرت أنّ «انتخاب المجلس النيابي الجديد وفق القانون النسبي أدى إلى توازن جديد لكن داخل السلطة نفسها»، وأشارت إلى أنّ «هناك إعلانات عديدة عن نية محاربة الفساد والاهتمام بشؤون الناس الاساسية، فيما المشهد واضح ولا يحتمل الوعود المعسولة».

تحذيرات في مكانها!

 والمتتبع للأوضاع المعيشية يدرك ان التحذيرات والمخاوف كانت في مكانها، إذ سجّلت اسعار السلع الإستهلاكية ارتفاعاً هو الأول منذ أكثر من عامين، بلغ أكثر من 5 بالمئة خلال الفصل الاول من العام 2018 وذلك وفق تقديرات <جمعية حماية المستهلك>، فالضرائب فُرضت، وسلسلة الرتب والرواتب أقِرت… فلماذا الاستمرار بارتفاع الأسعار؟ الذي سجّل أيضا وبحسب تقرير لجمعية المستهلك ارتفاعا بلغ 4.75 بالمئة خلال الفصل الثاني من العام 2018 بالمقارنة مع الفصل الثاني من العام الماضي، وعلى سبيل المثال لا الحصر ارتفعت اسعار الفاكهة 6 بالمئة، والألبان والأجبان 3 بالمئة، والمعلبات والحبوب 5 بالمئة والمحروقات 22 بالمئة.

 ارقام ومخاوف جعلتنا نتساءل: كيف يمكن ان تنعكس السلسلة على أحوال الناس سلبا او ايجابا؟ هل من أرقام اقتصادية او احصاءات دقيقة في هذا المجال؟ وهل الدولة اللبنانية بمختلف أجهزتها ستتمكن من ضبط الاسعار ومنع التلاعب؟ وهل في لبنان آليات معينة قانونية وفنية يمكنها ضبط الوضع ومنع التعديات على لقمة عيش المواطن العادي والانجرار نحو الاحتكار او تغيير الاسعار؟ وهل يمكن التوقع بامكانية زيادة الاجور لاحقا للقطاع الخاص أسوة بما جرى مع القطاع العام؟ علما ان البعض حذر من ان أي حصول لارتفاع الاسعار سيؤدي الى تسجيل ضرر مضاعف على من لم تلحقهم الزيادة على الرواتب، غير ان الاسعار للعديد من السلع كانت قد بدأت بالارتفاع من قبل التجار واصحاب المصالح منذ اقرار قانون السلسلة في الجريدة الرسمية.

انعدام الرقابة على التجار والاسعار!

وبالتالي هل المشكلة تكمن فعلاً بإقرار السلسلة كما يحاول البعض تصويرها ام ان المشكلة في غياب الرقابة القانونية والاقتصادية على التجار ومصادر المواد والسلع المختلفة؟ واي مسؤولية تقع على عاتق الدولة في هذا المجال وكيف ستنفذ المطلوب منها لحماية المواطن وبالتحديد موظفيها الذين لحقتهم الزيادة على السلسلة؟ وما هي الفرضيات الممكنة للرقابة من قبل أجهزة الدولة؟ وهل الرقابة ستقوم بها وزارة الاقتصاد والتجارة ام ستطلع بها حصرا جمعية حماية المستهلك؟ وهل يمكن الاستعانة بقدرات الأجهزة الامنية المختلفة في البلاد او حتى الاستفادة من امكانيات وقدرات البلديات على الصعيد المحلي؟

نصراوي وعدم رفع الأسعار!

بداية مع آلان نصراوي مدير عام <شركة الربيع للمواد الغذائية> الذي نوه بأن <شركة الربيع> صممت على الصمود والاستمرارية في ظل الوضع الراهن الميؤوس منه (ركود اقتصادي وتراجع في القدرة المعيشية والشرائية للمستهلك من جهة، ومنافسة الشركات الوطنية بسبب استيراد سلع غذائية شبيهة لسلعنا من جهة ثانية) مع التشديد على ضرورة المحافظة على الجودة والنوعية دون اجراء أي زيادة على الأسعار.

وبالنسبة للفروقات الحاصلة في الأسعار لاسيما في النصف الثاني من السنة، شدد نصراوي على ضرورة متابعة الموضوع من قبل جمعية حماية المستهلك من جهة، والجهات الرسمية المكلفة بمراقبة الأسعار وضبط المخالفات ومعاقبة المسؤولين عن رفع الأسعار من جهة ثانية.

 

برو والتصحيح السنوي للأجور!

 

وللإحاطة بالموضوع بطريقة علمية وموضوعية نقلت <الأفكار> رأي رئيس جمعية حماية المستهلك في لبنان زهير برو الذي أكد بأن سلسلة الرتب والرواتب بحد ذاتها هي حق للموظفين، ولفت الى ان هذا الحق يتمثل بضرورة حصول تصحيح سنوي للرواتب والأجور أسوة بما يجري في كثير من دول العالم ضمن آليات توضع مسبقا بعيدا عن كل هذه الفوضى والصراعات السياسية والاقتصادية المستمرة لسنوات مما يؤدي الى عدم استقرار اقتصادي واجتماعي، ولفت الى ان هذه الآليات والخطط موجودة في كل دول العالم ولا تحتاج الى كثير من الجهد والتعب انما يمكن تطبيقها بسهولة.

وتابع قائلاً:

– من المفروض أيضا ان تتم الزيادة على الاجور للقطاع الخاص كما حصل مع القطاع العام لأن عدم حصول ذلك له تداعياته السلبية على الناتج القومي مما يرتب مشاكل وأزمات متنوعة على مختلف المستويات لاسيما الاقتصادية والاجتماعية.

ولفت برو الى ان غلاء الاسعار الحاصل حاليا والمتوقع ارتفاعه خلال الفترة المقبلة في لبنان ليس هو المشكلة فقط التي يجب التحذير منها، واوضح انه قبل فترة اجري ما سمي بالهندسة المالية من قبل مصرف لبنان حيث تمت طباعة خمسة ملايين دولار اميركي وأعطيت للمصارف عبر ودائع كأرباح لها ولم تضخ في السوق بشكل فعلي، واشار الى انه عبر هذه العملية التي تسمى اصطلاحا بـ (المرض الهولندي) تم ضخ كميات كبيرة من العملة وبشكل ضخم في اقتصاد صغير مما يؤدي الى تضخم حتما، ومن ثم جاءت مسألة الاجور التي أدت الى غلاء الاسعار في غياب اي آلية قانونية او فنية لضبط الاسعار في لبنان.

وأشار برو الى ان الكلام الصادر عن بعض المسؤولين حول عملية ضبط الاسعار هو مجرد شعارات للاعلام الهدف منها خداع الناس وتعمية الواقع، ولفت الى انه في لبنان لا توجد آليات لضبط الاسعار كما لا توجد تشريعات تخول وزارة الاقتصاد ان تحدد أسعار كل السلع، ولفت الى ان وزارة الاقتصاد يمكنها تحديد أسعار بعض السلع فقط وهي: الخبز، المحروقات، الاتصالات، الدجاج، الغاز والنقل، وأشار الى ان الدستور اللبناني يتحدث عن الاقتصاد الحر الذي يمنع التدخل لمنع الاحتكار وتحديد الاسعار لدى التجار، بينما في كل دول العالم توجد قوانين للمنافسة والاتحاد الاوروبي لطالما طالب لبنان باقرار مثل هذه القوانين.

برو ومقدرة الاقتصاد اللبناني على مواجهة الازمات!

 

وشدد برو على ان لبنان يتجه اليوم الى التضخم وغلاء الأسعار، واضاف ان التساؤل هو: هل اقتصاد هش كالاقتصاد اللبناني يمكنه مواجهة هكذا أزمات؟ وأكد ان الاقتصاد اللبناني سوف يهتز حكما خاصة مع انخفاض القدرة الشرائية للمواطن اللبناني حيث الاكثرية الساحقة من اللبنانيين لن يستطيعوا مواجهة غلاء الاسعار، وأوضح انه خلال فترة قصيرة تم امتصاص القدرة الشرائية لمن تم الزيادة لهم بالاضافة الى غيرهم من المواطنين مما سينتج المزيد من الازمات، ورأى ان نسبة الفقر ستزداد مع وجود مخاطر اخرى لا يمكن الكشف عنها حاليا، ولفت الى ان البنك الدولي أصدر بيانا قبل فترة حذر فيه من تدهور الاوضاع في الاقتصاد اللبناني، واوضح ان جزءا من التقرير الدولي لم ينشر بطلب من بعض السلطات والجهات اللبنانية، واوضح ان الموضوع الاقتصادي يجب ان يتم مسكه بالكامل وعدم السماح بحصول اهتزازات في ظل ثبات الوضع الأمني.

وحول الاقتراحات الممكنة للخروج من الأزمة قال برو:

– إن الاقتراح الوحيد هو ان تتدخل الجهات المعنية مباشرة وتصدر قرارات حاسمة بمنع زيادة الاسعار خلال مرحلة معينة على سبيل المثال ستة أشهر أو سنة قابلة للتجديد حسب الظروف، ولفت الى ان العديد من الدول التي تعتمد الاقتصاد الحر اتخذت اجراءات حاسمة في ظل ازمات اقتصادية مرت بها وهذا ما جرى في العام 2008 في فرنسا وفي امارة دبي في العام 2009.

وشدد برو على ان المصلحة العامة تتطلب ذلك والحكومة قادرة على ضبط الوضع اذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك، ونبه من ان هناك قطاعات كالمصارف وغيرها حضرت نفسها لزيادة الاسعار والارباح لتعويض بعض الضرائب التي فرضت عليها والتي كانت تعارضها بكل الاشكال، وحذر من حصول تؤاطؤ من مصرف لبنان في هذا المجال، وأشار الى انه يجب الضغط على الحكومة كي تضبط حيتان المال في البلد وتلجم طمع هؤلاء عبر تطبيق القوانين وعدم السماح بحصول تهرب ضريبي بعد اليوم، ودعا هيئات المجتمع المدني لتكثيف تحركاتها للضغط على الحكومة لحماية المواطن ومنع التسبب بآثار اجتماعية واقتصادية سلبية على البلد.

من جهة ثانية، أشار برو الى ان <جمعية حماية المستهلك> تواصل عملها لمراقبة الاسعار وتوعية الرأي العام وتوضيح ما يجري في هذا المجال، واوضح ان الجمعية لا تملك القدرة القضائية والقانونية والتنفيذية لفرض اي شيء وانما هي تعمل فقط على توضيح ما يجري في الواقع، ولفت الى ان الجمعية قد تضطر الى اللجوء لرفع دعاوى امام القضاء اذا ما توافرت الشروط لذلك ازاء أي مخالفات قانونية قد تقع، وشدد على انه يجب على الحكومة التحرك لمنع رفع الأسعار وعدم الاتكال فقط على وزارة الاقتصاد كي لا نشهد خلال عدة أشهر مقبلة موجة من الفوضى بارتفاع الاسعار.