24 February,2017

أزمـــــة الـحـمـضـيـــات في لـبــــنـان مـعـانــــاة مـسـتـمـــــرة وســــط الإهـمــــال الـرســــــمـي لـهــــذا الـقـطـــــاع!

 

بقلم طوني بشارة

عبد-المنعم-الحسيني-وبعض-تجار-الحمضيات----1 

من منا لا يعرف «اليافاوي» و«ابو صرة> و«المواردي> وغيرها من انواع الكلامنتين الطازجة والحلوة، إذ ان انواع البرتقال هذه التي تنتشر في لبنان اشهر من نار على علم وجزء لا يتجزأ من حياة الناس اليومية ومناطق البساتين منذ سنوات طويلة، وهذا النوع من الفاكهة يرتبط بالشتاء وملذاته، وبالتالي بالمخيلة العامة والوعي الصحي لفائدته الجمة للتخلص من ضربات البرد ولسعاته الغافلة، كما يرتبط في بعض المناطق بمعيشة الناس بشكل مباشر إذ يعتمد على موسم قطافه الكثيرون من الفلاحين واهل المناطق المجاورة للمشاتل والبساتين للحصول على بعض المداخيل التي تخولهم الصمود في فصل الشتاء كما هو الحال في جنوب لبنان والمناطق الساحلية.

 

البرتقال وفوائده الطبية

 

وبالعودة قليلاً الى الوراء نرى ان الرحالة والبحارة العرب والهولنديين والبرتغاليين والاسبان والبريطانيين لاحقاً كانوا يستخدمون البرتقال خلال اسفارهم كعلاج لامراض اللثة ونزيفها، وقد كشفت الدراسات الحديثة انه مقو للاسنان وحام للفم بشكل عام، وقد ساهمت فوائد البرتقال الطبية الجمة على انتشاره بشكل كبير، فهو يحتوي كما تقول الموسوعة الحرة على ثلاثة وعشرين عنصراً غذائياً أهمها: الحديد، وسكر الفواكهة، والفسفور، وفيتامين «بي 1> وفيتامين «جي>، و<الكالسيوم>. ويساعد البرتقال على تثبيت الكلس في العظام، والوقاية من الامراض الانتانية، والحمى التيفودية، والسعال الديكي، كما تستعمل اوراقه لمعالجة آلام الرأس والسعال الصدري، وهو يحتوي أيضا على حمض الستريك كما يعتبر من أهم مكونات الطب البديل لما له من فوائد، ويقول الموسوي بهذا الصدد ان هناك دراسات قديمة منذ سنة3300 قبل الميلاد تبين لنا أن الصينيين الجنوبيين كانوا يتناولون البرتقال الحلو أو ما يعرف بالـ«يوسف أفندي» (كما يسمى في بعض دول المشرق) منذ اقدم العصور.

 

البرتقال وعدم القدرة على التصريف

 ولكن بالرغم من أهمية البرتقال الطبية والمعيشية نلاحظ انه وبعد أزمة التفاح التي عصفت بالقطاع الزراعي اللبناني منذ أشهر، وانشغال الحكومة السابقة بمحاولة حل المشكلة وتأمين اسواق لتصريف الموسم الزراعي.. ظهرت ازمة جديدة لتقف في وجه عدد كبير من المزارعين الفقراء، فكساد موسم الحمضيات بات مسألة وقت إن لم تتحرك الحكومة سريعا لإنقاذه، علما انه في العام الفائت عمد حوالى 10 بالمئة من مزارعي الحمضيات الى قلع أشجار البساتين وتلف معظم المحاصيل الزراعية.

والمتتبع للأمور يرى ان مزراعي الحمضيات في الجنوب والشمال يعانون من عدم إمكان تصدير انتاجهم لأسباب عدة، منها اقفال الحدود البرية بين سوريا والاردن بسبب الحرب القائمة في سوريا، مما انعكس سلباً على المزارع الذي يعتمد وبشكل اساسي على تصدير انتاجه الزراعي براً الى الخليج والدول العربية، بحيث ارتفع سعر كلفة شحن طن الحمضيات الى 500 دولار عبر قناة السويس، أي بزيادة 250 دولاراً عن شحنه عبر الحدود السورية، مما ينذر بكارثة زراعية تؤدي الى خسائر كبيرة تقدر بمئات الملايين من الدولارات، كما أن إغراق السوق اللبناني بالحمضيات السورية الزهيدة الثمن، يزيد الطين بلّة على المزارعين،ويمنعهم من تصريف إنتاجهم في السوق المحلي.

وهذا الامر بات يهدد حوالى 60 بالمئة من العاملين في القطاع الزراعي بالشلل، حيث سيصار الى تلف منتوج الحمضيات لهذا العام اذا ما استمر الحال على ما هو عليه، بسبب عدم وجود اسواق بديلة، بالاضافة الى توقف مصانع التوضيب عن العمل، مما يهدد آلاف العمال بالتوقف عن العمل في هذه المصانع.

 

الحويك وأزمة التهريب

 

وللاطلاع أكثر على هذا الملف، نقلت <الأفكار> رأي رئيس <جمعية المزارعين> أنطوان حويك، الذي اعتبر أن <زراعة الحمضيات تعاني اليوم من مشكلتين: الأولى، تتعلق بالتهريب غير الشرعي عبر الحدود اللبنانية – السورية، وهذا يدخل ضمن مهام الجمارك اللبنانية التي تمتلك القدرة على وقف هذا الأمر، إلا أن الفساد الذي يضرب هذا الجهاز الأمني يحول دون ذلك.. فمديرية الجمارك اليوم بإمكانها النزول إلى الأرض ومصادرة المنتوجات الزراعية المهربة، خاصة وأن الاسواق التي تحتوي على هذه المنتوجات معروفة للجميع، إلا أن التواطؤ الذي يحصل بين بعض المسؤولين وأصحاب المصالح الشخصية يبقي الأمور على ما هي عليه ويدفع بالمزارع اللبناني نحو الهاوية>.

عبد-المنعم-الحسيني-1-------3وتابع حويك:

– أما المشكلة الثانية فتتعلق بإرتفاع كلفة الشحن مع بداية الحرب السورية وصولا إلى اقفال الحدود البرية كليا حيث لم يعد أمام المزارع سوى البحر لتصريف الإنتاج، وهذا ما أدى إلى تراجع الصادرات الزراعية اللبنانية بنسبة تخطت الـ58 بالمئة منذ عام 2010 حتى عام 2016، كما انخفضت القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في الاسواق الخارجية بسبب إرتفاع كلفة الشحن البري.. لذلك رفعنا الصوت عاليا منذ سنوات وطالبنا الدولة منذ بداية الأزمة باستئجار أو شراء عبارات وتكليف شركة شحن لإدارة الموضوع، إلا أن هذا الاقتراح رُفض كلياً، وتم إعتماد حل آخر وهو دعم كل شاحنة لبنانية بمبلغ 2000 دولار لتوصيلها إلى مصر أو السعودية، إلا أن شركات الشحن استغلت هذا الامر ورفعت اسعارها، وبالتالي لم تستفد الصادرات اللبنانية بتاتا زراعية كانت أم صناعية، وهنا أيضاً يأتي دور الدولة الغائبة عن معظم قطاعاتها الاقتصادية.

واستطرد حويّك قائلا:

– الحل في موضوع محصول الحمضيات ممكن، فالدولة بإمكانها مساعدة المزارعين عبر استئجار باخرة ونقل الإنتاج مجانا للسعودية التي تعتبر السوق الاساسي لهذه المنتجات، ولكن للاسف <لا حياة لمن تنادي>، فما يهم المسؤولين هو العمل من اجل مصالحهم الخاصة فقط.

ورداّ عن سؤالنا عن تعاونهم كجمعية وكنقابات مع وزير الزراعة الجديد، أكد حويّك أنهم طلبوا إجتماعاً من الوزير منذ تشكيل الحكومة، إلا انهم لم يتلقوا أي جواب حتى الآن بهذا الخصوص، و<لم يتم تحديد موعد لاستقبالنا>.

 اما في ما يتعلق بالأضرار التي تكبدها المزارع اللبناني جراء العاصفة الأخيرة فقال حويك:

– هناك أضرار بالطبع ولكن لا يمكن إحصاء الخسائر قبل اسبوع تقريبا، فالضرر الذي يلحق بالمزروعات لا يأتي فقط من العاصفة، بل من موجة الصقيع والجليد التي تضرب المناطق الجبلية بعد العاصفة وخاصة المناطق العكارية.

واعتبر حويك أن عام 2016 هو الاسوأ في تاريخ القطاع الزراعي اللبناني على كافة المستويات، فالصادرات تراجعت بشكل كبير، كما أن قدرة المنتجات اللبنانية على المنافسة انخفضت بشكل كبير، اضافة إلى خسارة لبنان للعديد من الاسواق.. معرباً عن تشاؤمه بمستقبل هذا القطاع في ظل النظام الحاكم في لبنان والغائب عن كافة القطاعات الاقتصادية وفي مقدمتها القطاع الزراعي.

الحسيني والكساد

بدوره رأى رئيس <تجمع مزارعي الجنوب> عبد المحسن الحسيني أن الكساد ناتج عن عدم وجود اسواق للتصريف، بالاضافة الى ارتفاع سعر الكلفة ان كان للصندوق او عبر التصدير بحراً الى الخارج حيث يبلغ سعر شحن طن الحمضيات بحراً عبر قناة السويس الى الاسواق الخليجية والعربية 500 دولار بعدما كان عن طريق البوابة السورية 250 دولاراً.

وتمنى الحسيني على الوزارة المختصة ومؤسسة <ايدال> رفع سقف الدعم من مئة الف ليرة للطن الى 300 دولار، خاصة بعد ما عاناه المزارع من خسائر ان بسبب الحروب أو العوامل الطبيعية.

وتابع الحسيني قائلاً:

– ان الاوضاع في سوريا أثرت سلباً على قطاع الحمضيات حيث كان 70 بالمئة من الانتاج يصدر عبر البوابة السورية الى الخليج والدول العربية، وهي الرئة التي يتنفس منها المزراعون لتصدير انتاجهم، اما اليوم الحويك-1------A فالبوابة مقفلة بسبب الاوضاع في سوريا، وهناك خسائر كبيرة.

وحذر الحسيني من انهيار على الصعيد الزراعي لان غالبية المزارعين لم يستطيعوا تحصيل كلفة منتوجاتهم نتيجة ارتفاع اسعار الاسمدة وتدني الاسعار وعدم تصريف الانتاج، داعياً الدولة الى رفع الرسوم الجمركية عن الادوية الزراعية كمساهمة منها لتخفيف الاعباء، ومناشداً المسؤولين الاهتمام بالمزارع كي لا يضطر الى ان يهجر أرضه ووطنه.

الحسيني وتكدس الإنتاج

وشدّد الحسيني على ان معاناة المزارعين باتت كبيرة نتيجة الخسائر المتلاحقة لقطاع الحمضيات حيث يتكدس الانتاج في اسواق الجملة دون ايجاد اسواق خارجية للتصريف، وأضاف:

– مع بداية كل موسم زراعي، تتجدد مشاكل المزارعين، ان كان لجهة كساد الانتاج، أو نتيجة العوامل الطبيعية كقلة المتساقطات والصقيع الذي يؤثر على ثمر الحمضيات والموز لتبقى الازمة مستمرة دون ايجاد الحلول.

وطالب الحسيني الرؤساء الثلاثة ووزارتي الزراعة والاقتصاد عبر مؤسسة <ايدال> بمد يد العون للمزارعين لايجاد الحلول لمشاكلهم، كما حذر من <تفاقم الامور> مطالبا الدولة بالسعي لايجاد اسواق لتصريف المنتجات الزراعية ولاسيما الحمضيات.

وأكد الحسيني في ختام حديثه أن هذا القطاع يتكبد خسائر بملايين الدولارات، داعياً إلى إيجاد الحلول المناسبة لتصدير الانتاج، لاسيما وأن اكثر من 60 بالمئة من المواطنين من الناقورة جنوبا وحتى عكار والعريضة شمالاً يعتاشون من هذا القطاع، الامر الذي من شأنه ان يؤدي الى كارثة اقتصادية حقيقية تقضي على المزارع عموماً.