14 December,2018

أزمـــــة الإسـكـــــان بـعــــــد تــــــوقـيـف مـصــــــرف لبنان حـزمــــــة الــدعـــــــم للـقـطــــــــاع الـعـقـــــــــاري!

 

بدأت أزمة الإسكان تتفاقم في شهر مارس (آذار) الماضي، حين أوقف مصرف لبنان حزم الدعم للقطاع العقاري، والتي بدأها منذ 2011 بمبلغ يتراوح بين 500 و600 مليار دولار سنوياً، علما بأن السياسة الإسكانية هي من مهام الحكومة وتدخل ضمن صلاحياتها لأنها ذات بعد اجتماعي وتتعلق بتحديد الشروط للقروض المدعومة، واللافت ان مصرف لبنان أوقف الحزم التحفيزية عندما لاحظ أن الموازنات المخصصة للعامين 2017 و2018 استهلكتها المصارف في أواخر 2017، وتفاجأ بحجم الطلب، وذلك لأن مصرف لبنان، ومنذ مارس (آذار) 2017، قدم دعماً بقيمة 2.3 مليار دولار على رزم تحفيزية للقطاع العقاري.

 والمتتبع لملف الاسكان يلاحظ ان مصرف الاسكان وإثر استهلاك الرزمتين، فتح تحقيقاً بالامر وأرسل استمارات للمصارف لمعرفة وجهات استهلاك الأموال، والمعلومات المتوافرة حتى تاريخه تخضع للتحليل الآن ليُبنى على الشيء مقتضاه، على اعتبار ان آلية الدعم التي توقفت تمثلت بتكفل مصرف لبنان بدفع القروض مع فارق الفوائد، بينما تسلمها المصارف الخاصة.

ازمة السكن وبعدها السياسي!

 للأسف ان أزمة السكن سلكت اتجاهاً سياسيا، بعد 4 أشهر على توقف الدعم الحكومي للقروض السكنية المدعومة الذي فاقم مشكلة القطاع العقاري، في ظل استمرار مبادرات سياسية تدعو الحكومة اللبنانية لإعادة تفعيل الدعم للقروض السكنية، علما ان المقترحات الحكومية التي تحدثت في أبريل (نيسان) الماضي عن إمكانية أن تغطي وزارة المالية فرق فوائد قروض إسكان جديدة بقيمة ألف مليار ليرة، لم تسلك طريقها في الحكومة التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال، ويستحيل الآن أن تقر قبل تشكيل حكومة جديدة، فالحكومة اللبنانية قدمت التزامات دولية لتخفيض العجز، وآخرها التزام في مؤتمر <سيدر 1> بعد ان سجل العجز في العام 2017 ما يقارب 3.7 مليار دولار، وكان 5 مليارات دولار في 2016، مما يعني ووفقا للغة الارقام الواردة اعلاه بأن دعم القروض السكنية يستوجب أن توقف الحكومة الإنفاق في مواقع أخرى كي تستطيع أن تغطي الدعم للإسكان، وهذا ما يبدو صعباً.

 والمشكلة في القطاع الاسكاني لا تقتصر فقط على التزامات الحكومة اللبنانية، بالنظر إلى أن أي إجراء حكومي يحتاج إلى موافقة البرلمان، مما يعني أن كل الحلول المقترحة تنتظر تشكيل الحكومة واجتماع مجلس النواب المنتخب ودراسة الملف بموضوعية.

تفاقم الازمة!

 والمؤسف ان الازمة تفاقمت بعد صدور مذكرة عن مؤسسة الاسكان، مذكرة داخلية طالب فيها المعنيون وقف قبول أي طلب قرض سكني جديد اعتباراً من منتصف تموز/ يوليو وحتى إشعار آخر منعاً للاستنسابية في التعاطي مع الملفات، وأدت هذه المذكرة وعلى خلفية النقص في التمويل المخصص للقروض السكنية المدعومة إلى أزمة طالت المواطنين، وتحديداً الذين تعاقدوا على شراء مساكن، مما افضى تحرّكاً ومواقف من غير جهة سياسية ومالية ومن أركان القطاع العقاري في لبنان.

وبسبب خطورة الموقف دارَ كلامٌ كثير عن تأثير أزمة القروض الإسكانية على القطاع العقاري وبقاء مئات آلاف الشقق فارغة تنتظر المشترين الذين ينتظرون القروض المدعومة، التي تنتظر بدورها حلا لها لم ينضج بعد، لكن في الواقع وبعد تطور الأمور نحو الأسوأ، لم تعد المسألة عقاريةً فقط على الرغم من وطأة الجمود في القطاع العقاري، بل تحوّلت إلى مسألة اقتصادية واجتماعية وإنسانية قاتلة وهي تنذر بخطر كبير.

وبعدما كانت التداعيات مقتصرة على حركة البيع والشراء، وأسعار الشقق، وجمود أو تراجع نشاط البناء مع ما لذلك من أثر على المطورين والقطاعات المتصلة، وتصل إلى 32 قطاعا ومهنة، توسّعت التداعيات اليوم لتطال حالات اجتماعية من مؤشراتها إلغاء أو تأجيل العديد من حفلات الأعراس التي كانت أشهر الصيف تضج بها سابقاً وحدائق الاحتفالات تضيق بها.

وإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والعديد من العوامل المؤثرة الاخرى، لعبت أزمة القروض الإسكانية دورا مهما في تأجيل أو إعادة النظر في العديد من قرارات الزواج، ويقدر المتابعون وصول نسبة الزيجات الملغاة أو المؤجلة إلى 30 بالمئة مما كان مقررا لهذا الموسم، علما أن الزيجات في شكل عام لهذا الصيف هي أقل بفارق لافت مما كانت عليه في المواسم الماضية، ولهذا الأمر أيضاً أثر اقتصادي نظراً لما يتصل بهذه الاحتفالات من قطاعات وما تضخه في الاقتصاد.

 

لحود يشرح واقع الحال!

وبسبب خطورة هذه المذكرة قابلت <الأفكار> رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للإسكان ومديرها العام روني لحود كما ونقلت آراء العديد من السياسيين حول هذا الامر، اذ أوضح لحود بأن المذكرة الداخلية التي أصدرها وتوجه فيها إلى رئيس المصلحة الإدارية والقانونية في المؤسسة، طالباً بموجبها «وقف قبول أي طلب قرض سكني جديد اعتباراً من بدايات تموز/ يوليو وحتى إشعار آخر»، تعبّر عن «رفضنا التمييز بين طالب قرض وآخر استوفى كل منهما الشروط الكاملة، لأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات».

وتابع لحود قائلا:

– إن الإجراء الذي اتخذه مجلس إدارة المؤسسة يهدف إلى منع الإحراج والتدخلات والوساطات، بعدما لاقت بعض المصارف صعوبة في الموافقة على كل طلبات القروض السكنية المستوفاة شروط بروتوكول التعاون الموقع بين المؤسسة وجمعية مصارف لبنان، فيما لجأت مصارف أخرى إلى الاستنسابية في التعاطي مع المقترضين.

وكشف لحود بأن عدد القروض المُوافق عليها في الأشهر الستة الأولى من السنة بلغ 1200 تبلغ قيمتها 250 بليون ليرة، وأكد أن الحاجة الفعلية للتمويل حتى نهاية السنة تصل إلى 500 بليون ليرة (333 مليون

دولار) تغطي 2500 قرض.

كما أكد لحود ان كل طلبات القروض السكنية المقدمة سابقا لن تتوقف، وأوضح انهم لن يستقبلوا طلبات جديدة في الوقت الحالي، لافتا الى أن القروض السكنية المدعومة من مصرف لبنان متوقفة لذا تم رفض الطلبات الجديدة، مشيراً الى أن قرار ايقاف الطلبات الجديدة يخدم البت بالملفات القديمة لأن هذه المسألة هي اجتماعية والتمييز فيها غير مقبول، وشدد على ان المؤسسة تتعامل مع 29 مصرفاً وقد أبدت هذه الأخيرة استعدادا كبيرا للتعاون في حل هذا الملف، كاشفاً أنه سيتم البحث عن مصادر تمويل جديدة، ولافتا الى مشروع القانون الذي تقدم به تيار المستقبل والذي يقضي بتمويل أو دعم الفوائد من قبل وزارة المالية.

وتابع لحود قائلا:

– اليوم نعمل على تخفيض الضرائب، ضرائب القروض لاصحاب الدخل المحدود، مؤكدا انه لا يوجد سبب وجيه لرفع سقف القروض المحدد بـ270 مليوناً، واشار الى ان معدل المواطنين الذين لا يسددون سندات الاسكان لا يتعدى الواحد بالمئة، والى ذلك اكد لحود بأن القروض المدعومة لغير الطبقة المتوسطة توقفت نهائيا، ونوّه بأن ازمة ملف الاسكان تؤثر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين، وردا عن سؤال شدد لحود بأن مشكلة السيولة التي عانت منها الدولة منذ عام 2011 ستنتهي تلقائيا بعد تشغيل العامل الالكتروني الذي يراقب دفع سندات القروض، اذ بهـــــذه الطريقــــة وفقــــا للحـــود يمكـــن ضبــــط كــــل مـــن يخـــالف الدفـــع وتـــزداد عليـــه نسبــــة الفوائــــــد تلقائيــــاً.

الجميل وقضية الاسكان!

 وكانت الدعوات من قبل الكتل السياسية قد تصاعدت خلال الأسبوع الاول من شهر آب/ أغسطس الجاري لحل أزمة الإسكان التي تفاقمت على خلفية توقيف الحكومة للقروض المدعومة للإسكان، مما فاقم الأزمة العقارية في البلاد، وتحرك نواب لبنانيون يمثلون التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية و«تيار المستقبل> و«المردة> والكتائب لايجاد حل للمشكلة، واللافت وجود اجماع من قبلهم على ضرورة حل ازمة الاسكان، وخير دليل على موقفهم رأي رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل الذي أكد بأن الدولة يجب ان تتحمل المسؤولية، وقال: «هذه مسؤولية الدولة حين توقف عملية دعم القروض الإسكانية، ويجب أن تتحمّل مسؤوليتها تجاه الناس، لاسيما تجاه ذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون أن يشتروا شقة بدون القروض المدعومة بنسبة 3 بالمئة، وبالتالي لا يمكن المحافظة على الاستقرار الاجتماعي في لبنان بهذا الشكل».

وتابع الجميل قائلا:

– سنتخذ الخطوات اللازمة ان كان على الصعيد التشريعي او السياسي او الإعلامي، واللافت وفقا للجميل ان وزير المالية علي حسن خليل يبدو قادراً على تأمين هذا المبلغ مقارنة مع حجم المشكلة لكن المصارف ترفض التسليف، وأضاف الجميل قائلا: ان إقرار قانون يلزم الدولة بدعم القروض السكنية سيكون خطوة إيجابية الى الامام، ومن المعيب التعاطي مع هذا الملف بهذه الخفة اذ ان اي تأخير في معالجته ستكون له تداعيات مؤذية.