14 December,2018

أزمــــة الاسكــــان بعــد تـوقـيــف الـقــــروض الـمـدعـومــــة وانعكـاسهــــا السلـبـــــي علـــى الـقـطـــــاع الـعـقـــــاري!

 

بقلم طوني بشارة

يعيش اللبنانيون على وقع الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، وكلما حُلّت أزمة سرعان ما برزت أزمة أخرى لتضني عيش المواطنين وتجعلهم يسعون إلى الهجرة والخلاص من هذه المعاناة – الدوامة اليومية، وفي حين تدخل أزمة تشكيل الحكومة شهرها التاسع ولا يبدو أن ثمة انفراجاً لها، تبرز أزمة القروض السكنية والتي تحتاج إلى حكومة عادية لحلّها عبر إقرار قانون يدعم القروض السكنية أو اعتمادات مالية في الموازنة لدعم الإسكان في لبنان.

بداية ازمة الاسكان!

 

 وكانت أزمة الإسكان قد بدأت تتفاقم في شهر مارس (آذار) الماضي حين أوقف مصرف لبنان حزم الدعم للقطاع العقاري، والتي بدأها منذ 2011 بمبلغ يتراوح بين 500 و600 مليار دولار سنوياً، علما بأن السياسة الإسكانية هي من مهام الحكومة وتدخل ضمن صلاحياتها لأنها ذات بعد اجتماعي، وما لبثت ان استفحلت الازمة عندما قررت المؤسّسة العامّة للإسكان في لبنان في 9 تمّوز/ يوليو الماضي، وقف قبول أيّ طلب قرض سكنيّ جديد، وذلك على خلفيّة النقص في التمويل المخصّص للقروض السكنيّة المدعومة، ولقد أدّى ذلك إلى أزمة طالت المواطنين الذين تعاقدوا مع المالكين على شراء مساكن، أملاً بتمويلها من المؤسّسة العامّة للإسكان عبر قروض المصارف الخاصّة.

 وكما كل الازمات سلكت أزمة السكن اتجاهاً سياسيا، وبعد 4 أشهر على توقف الدعم الحكومي للقروض السكنية المدعومة تفاقمت مشكلة القطاع العقاري، وذلك في ظل استمرار مبادرات سياسية تدعو الحكومة اللبنانية لإعادة تفعيل الدعم للقروض السكنية، ناهيك عن إطار التحرّكات السياسيّة لوضع حلول للأزمة، اذ قدّمت “كتلة <المستقبل> النيابيّة اقتراح قانون ينصّ على التزام الدولة دعم فوائد القروض الممنوحة من المؤسّسة العامّة للإسكان، بتمويل من وزارة الماليّة بدلاً من المصرف المركزيّ، كما كان سابقاً، وهو ما تراه مصادر مواكبة «صعباً»، بالنظر إلى الالتزام اللبناني أمام المجتمع الدولي بتخفيض العجز.

 واللافت إن المقترحات الحكومية التي تحدثت في أبريل (نيسان) الماضي عن إمكانية أن تغطي وزارة المالية فرق فوائد قروض إسكان جديدة بقيمة ألف مليار ليرة، لم تسلك طريقها في الحكومة التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال، ويستحيل الآن أن تقر قبل تشكيل حكومة جديدة، علما ان الحكومة اللبنانية كانت قد قدمت من جهة اخرى التزامات دولية لتخفيض العجز، وآخرها التزام في مؤتمر (سيدر 1) لتخفيض العجز على اعتبار ان العجز سجل في العام 2017 ما يقارب 3.7 مليار

دولار، وكان 5 مليارات دولار في 2016، وبالتالي، فإن دعم القروض السكنية يستوجب أن توقف الحكومة الإنفاق في مواقع أخرى كي تستطيع أن تغطي الدعم للإسكان، وهذا ما يبدو صعباً.

 ولا يقتصر الأمر على التزامات الحكومة اللبنانية، بالنظر إلى أن أي إجراء حكومي يحتاج إلى موافقة البرلمان، ما يعني أن كل الحلول المقترحة تنتظر تشكيل حكومة، واجتماع مجلس النواب المنتخب مرة أخرى.

 اذاً لسبب او لآخر تصاعدت الدعوات من قبل الكتل السياسية لحل أزمة الإسكان التي تفاقمت على خلفية توقيف الحكومة للقروض المدعومة للإسكان، ما فاقم الأزمة العقارية في البلاد، التي انعكست على ثلاث شركات عقارية تعاني أزمة مع زبائنها، كما طالت قطاع العقار بأكمله والذي تقدر الاستثمارات فيه بنحو 20 مليار دولار.

 ازاء هذا الواقع وبعد مرور خمسة اشهر على المساعي السياسية ومن كافة الاطراف لحل ازمة الاسكان، لا يرى المواطن للاسف اي بصيص امل مما دفعنا الى محاورة الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة ونقل رأي مدير عام مؤسسة الاسكان روني لحود.

 

لحود ومشكلة الإسكان!

لحود أطلعنا على مواكبة الدولة اللبنانية لمشكلة الاسكان منذ العام 1956 بعيد الزلزال الذي تعرّض له لبنان، وافادنا انه ومنذ إنشاء المؤسسة سنة 1996 وانطلاقها بتقديم القروض أمّنت لغاية اليوم لـ 82 الف عائلة قروضاً سكنية اشتروا فيها مساكن لهم، وخدمت سنوياً بحدود 5 آلاف عائلة، وضخت إلى السوق العقارية مبالغ وصلت الى حوالى 10500 مليار ليرة لبنانية.

وأضاف لحود:

– توقفت القروض التي كان القضاة والأجهزة الأمنية والموظفون وأصحاب المهن الحرة يستفيدون منها وكلّ القروض المدعومة من الاحتياطي الإلزامي والقروض التي كان مصرف لبنان يمنحها، وهذا التوقف المتسارع حصل نهاية العام 2017 وبداية 2018 وقد أضحى لنا 10 أشهر دون قروض إسكانية مدعومة، ومنذ ذلك الوقت قامت المؤسسة العامة للإسكان بالتواصل مع كلّ الجهات سياسيين ونقابيين أو الاتحاد العمالي العام وجمعية المصارف ووزير المالية ووزير الشؤون الاجتماعية والرؤساء الثلاثة، حيث كان فخامة رئيس الجمهورية قد أكد في 19 شباط/ فبراير 2018 على أنّ القروض السكنية للطبقات المتوسطة والفقيرة يجب أن تعود الى مسيرتها.

وأكد لحود أنّ المؤسسة اضافة الى دورها في تأمين المساكن للمواطنين، فهي تحرك دورة اقتصادية متكاملة على مختلف الأصعدة اجتماعيا وإنسانياً ومهنياً وغيرها وعبر تحصيل الرسوم والضرائب للدولة وللبلديات، مشيراً الى أنه بعد الجولة المكوكية التي قامت بها المؤسسة على كل الأفرقاء تم التوصل الى طرح 4 اقتراحات قوانين الى المجلس النيابي 3 منها بشكل معجل ومكرّر، ليتوافر الدعم للقروض السكنية من قبل المؤسسة، وقد صدر قانون عن المجلس النيابي بتأمين مبلغ 100 مليار للمؤسسة لدعم فوائد القروض، وحصر القروض السكنية المدعومة بالمؤسسة العامة للاسكان، وتابع لحود قائلا: حاليا تجري مباحثات مع جمعية المصارف لبلورة صورة عن المنتج الجديد للمؤسسة والذي ربما سيبصر النور قريبا، ويلي ذلك البحث مع حاكم مصرف لبنان لمعرفة عدد العائلات اللبنانية التي يمكن لها أن تستفيد من القروض التي ستمنح، وختم حديثه منوها بالإنجازات التي تحققت في المؤسسة ومكننة أجهزتها التي هي اساسية في مكافحة الفساد ولتأمين التعاطي المباشر مع المواطن.

 

عجاقة والحاجات الأساسية!

اما الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة فقال:

– لقد صنّف العالم <أبرهام ماسلو> الحاجات الإنسانية في هرم تأتي الأولوية فيه من الأسفل إلى الأعلى مع الحاجات الفيسيولوجية، وحاجات الأمان، والحاجات الإجتماعية وتحقيق الذات، وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الحاجات الأساسية للمواطن تتمحور حول الأكل، الشرب، العمل، المسكن، التعلم، البيئة، الأمان والعدالة، وتابع عجاقة قائلا : الماكينة الإقتصادية مؤلفة من لاعبين اقتصاديين هما الشركات والأسر، وينحصر دور الدولة في التنظيم، التشريع والمراقبة للنشاط الإقتصادي الذي يقوم به اللاعبون الاقتصاديون، كما انّ هناك دوراً اجتماعياً اساسياً للدولة وهو إعادة توزيع الثروات من خلال جلب الضرائب وإسداء الخدمات للمواطن والشركات، وتعتبر المصارف المموّل للماكينة الاقتصادية حيث أنّ هذه المهمة هي المهمة شبه الوحيدة في الاقتصادات المتطوّرة، الا انّ الانفاق الذي تقوم به الدولة اللبنانية يحرم الماكينة الاقتصادية من الأموال وبالتالي تتنافس الدولة مع شركات الاستثمار وأسر الاستهلاك على أموال المصارف، وكلما قامت الدولة بزيادة الطلب على الأموال تزيد الفائدة في المصارف، واستطرد عجاقة قائلا:

– هذا هو حال الدولة اللبنانية التي أظهرت آخر الارقام انخفاض إيراداتها في الأشهر الستة الأخيرة من العام 2018 بقيمة 500 مليار ليرة نسبة الى الفترة نفسها في العام 2017، فيما ارتفعت الإيرادات في الوقت نفسه بقيمة 2500 مليــار ليرة مما يعني الحاجة الى المزيد من التمويل.

عجاقة وفشل سياسة الدولة الاسكانية!

ونوه عجاقة بانّ السياسة الاسكانية للدولة هي سياسة اجتماعية اقتصادية تنموية تهدف الى إيواء الفقراء وذوي الدخل المحدود ودعم القطاع العقاري، وبالتالي زيادة النمو الاقتصادي والمساهمة في تنمية المجتمع، وشدد على ان السياسة الاسكانية للدولة اللبنانية منذ الخمسينات أثبتت فشلها في التمويل كما تظهر التشريعات العديدة مثل قانون الاسكان في العام 1973، وقانون 6/80، والمرسوم الاشتراعي رقم 129/83.

وأردف عجاقة قائلا:

– مصرف لبنان دعم القروض السكنية إلا أن التضخم الناتج عن سلسلة الرتب والرواتب وإرتفاع أسعار النفط شكل ضربة كبيرة لهذا الدعم وأجبر مصرف لبنان على تغيير الآلية التي لم تعجب المصارف.

ــ اين تقع المشكلة وهل من حل؟

– المشكلة الأولى والأخيرة تبقى في مالية الدولة التي تمنع أية مبادرات إجتماعية، والمخاوف أن هذه المالية أصبحت تنافس القطاع الخاص، وبالتالي هناك مخاوف جدية أن تتوقف القروض كاملة في حال استمررنا بهذا العجز.

ومن هذا المنطلق المطلوب على الامد القصير: حصر القروض المدعومة بذوي الدخل المحدود، لجم قيمة القرض الإفرادي إلى الحد الذي تعطيه مؤسسة الإسكان، حصرية مؤسسة الاسكان لاعطاء القروض المدعومة، إجراء المفاوضات بين المصارف ومؤسسة الاسكان، معاودة مصرف لبنان دعم القروض ابتداء من اول العام المقبل، حل مشكلة التضخم وفرض ضرائب على الشقق الشاغرة.

أما على الامد البعيد فالمطلوب الانماء المناطقي: تحسين النقل، اعادة النظر بسياسة التنظيم المدني (ناطحات سحاب)، وتنفيذ سياسة اسكانية محلية عمادها المحافظة أو اتحاد البلديات.