17 November,2018

أربعون سنة بدون عبد الحليم!  

بقلم وليدعوض

31-3-201700008

أربعون سنة مرّت على رحيل مطرب الأجيال عبد الحليم حافظ، أو عبد الحليم شبانة الذي أعطاه الإذاعي المصري الكبير حافظ اسماعيل اسمه الأول فصار عبد الحليم حافظ، وأتيح لهذا الشاب الذي توفي في سن التاسعة والأربعين أن ينافس رجال السياسة في حضورهم بل ويتفوق عليهم بين الناس، فأصبح ابن الشعب العربي غافلاً عن أسماء كبار أهل السياسة، ولا ينسى كبار أهل الطرب مثل أم كلثوم وعبد الوهاب!

وأنا شخصياً تربطني صداقة خاصة بعبد الحليم منذ أن كنت نائباً لرئيس تحرير مجلة <الحوادث> زمان السبعينات. فقد دخل على مكتبي في الطابق الثاني من عمارة <الحوادث> في عين الرمانة، وقال لي: <ليلتان لم أعرف فيهما طعم النوم. فهل لي أن أنام هنا في مكتبك؟>.

وتبسمت لهذه الفروسية عند عبد الحليم حافظ وقلت له: <تفضل أنت في بيتك>!

وفيما انصرفت أنا الى عملي الصحفي الأسبوعي، أفاق عبد الحليم وقال لي: <هيا معي الى تمثال سيدة النجاة في حريصا>، وطلبت أن أنهي بعض الأعمال قبل أن أشارك عبد الحليم في الرحلة الى حريصا، دون أن أدري لماذا اختار تمثال سيدة النجاة في حريصا. وعندما وصلنا الى الدرج المؤدي الى التمثال في الأعالي، سألته بإلحاح:

– قل لي يا عبد الحليم، لماذا جئت بي الى هنا؟

قال: <لأن سيدة النجاة شفيعة مثل باقي النساء المقدسات، وقد خصها القرآن الكريم بآيات بينات دون سائر البشر>.

وما لبث عبد الحليم أن خلع سترته ووضعها على الأرض وسجد فوقها، وخاطب السيدة التمثال قائلاً:

– يا سيدة النجاة وشفيعة المؤمنين، مُنّي على الشفاء لابنك عبد الحليم.

وذرف المطرب الشاب الواسع الحضور بعض الدموع وقال:

– لا بد لسيدة النجاة إلا أن تستجيب لندائي.

كان عبد الحليم يشكو من خلل وعلة في خلية الكبد، نتيجة لإصابته وهو طفل بالماء الملوثة في نهر النيل عند بلدته الصعيدية، وحار الأطباء في علاج الرجل، ومع ذلك لم يتوانَ عن نشر الموهبة التي حباه بها الله، وهي موهبة الصوت الذي لم يعرف الفن منذ سيد درويش رديفاً أو شبيهاً لاسمه، وكان حضوره في أي احتفال أهم من حضور أي سياسي!

كان عبد الحليم شفافاً في التعاطي مع الحدث، وكان الرئيس عبد الناصر حالة مقدسة عنده، ويتعامل معه كأب للمصريين ولا يوازيه أب آخر.

ولكن نكسة 1967، ولنعترف بأنها هزيمة انقصت من حماسه للرئيس المصري، وقال لي ذاك اليوم:

– لا أستطيع أن أحمل عبد الحكيم عامر مسؤولية الهزيمة، وكان في مستطاع عبد الناصر أن يحمي الثورة حتى من عبد الحكيم عامر وإن كان قد اعطى اسمه لأحد أبنائه وهناك الآن عبد الحكيم عبد الناصر نجم الاحتفالات في القاهرة.

وأذكر أن عبد الحليم قال لي في ساعة أنس:

– بقدر ما أحببت عبد الناصر كزعيم للأمة العربية، بقدر ما اضعت هذا الحب في هزيمة 1967!

مات عبد الحليم في لندن تحت وطأة المرض ولم يشفع فيه علاج. ترك هذه الدنيا وهو على عرش الطرب، كان يريد أن يكون سعد زغلول الفن، ويردد مع سعد قوله لزوجته صفية زغلول عن الاحتلال البريطاني: <ما فيش فايدة يا صفية>.

هزيمة في حزيران 1967 نعم. ولكن حسب عبد الناصر انه حقق إنجازين في تاريخه هما تأميم قناة السويس عام 1956 وتحرير مصر من الاحتلال البريطاني، بما سمي ثورة الضباط الأحرار سنة 1952. وفي ذمة الله والتاريخ يا عبد الحليم.