25 September,2018

أخاف من «داعش » بسبب تقصيرنا الإنمائي!

الإعلام المرئي يضم الكثير من السيدات المتميزات اللواتي ينافسن الرجل ويتفوقن عليه ليس فقط في نشرات الأخبار والتحقيقات الجريئة ومتابعة الحدث من بين النيران وتحت القذائف، وإنما أيضاً في الحوارات السياسية، ومنهن الإعلامية المخضرمة جيزيل خوري التي انتقلت من محطة <ال بي سي> الى قناة <العربية> ومن <حوار العمر> الى <بالعربي>. فماذا تقول عن تجربتها SAM_4325الإعلامية بعد 30 سنة من البدايات ومن هم ضيوفها الذين تركوا أثراً في نفسها؟!
<الأفكار> استضافت في مكاتبها الإعلامية جيزيل خوري وحاورتها على هذا الخط، بالإضافة الى شؤون وشجون مهنة المتاعب والأوضاع العامة في لبنان بدءاً من السؤال:
ــ إذا نظرت الى الصحف والمجلات اللبنانية وشاهدت التلفزيونات وشبكات التواصل الاجتماعي بما فيها المواقع الإلكترونية الخاصة بالأخبار… فأين أصبحت الصحافة المكتوبة في نظرك أمام ما يحدث وما هو مستقبلها؟
– أعتقد أن الصحافة المكتوبة تتكامل مع باقي وسائل الإعلام ومع المواقع الإلكترونية ولا أحد يلغي الآخر، والأكيد أن أي إنسان لا يمكن له أن يستغني عن الجريدة أو المجلة أو التلفزيون رغم ان أثر هذه الوسائل الإعلامية يضعف تدريجياً، لكن الاكيد أن التكامل لا بد منه بينها وبين مواقع التواصل. وهنا لا أعرف كيف سيتعامل جيل أولادنا مع هذه المسائل وهذه هي المشكلة. أما اليوم، فالقوة الشرائية مقياس وأصحاب الإعلانات لا يزالون يعتبرون أن الجريدة مهمة والمجلة أيضاً.
ــ الصحافة كانت ملكة بين الثلاثينات والأربعينات وجاء الراديو فلم يأخذ وهجها، ثم جاء التلفزيون وبقيت الصحافة المكتوبة، واليوم جاء دور <الإنترنت>، فهل يأخذ وهج الصحافة أم لا؟
– <الإنترنت> خطر على التلفزيون أكثر من الصحافة المكتوبة، فهذا هو رأيي، لكن لا بد من إيجاد طريقة ليتعايشا سوياً، وخلال الأشهر الأخيرة كانت <السكوبات> الحقيقية في الصحافة المكتوبة، وليس في التلفزيون أو في الإذاعة أو في مواقع التواصل الاجتماعي، فالمقالات مرجع لكل وسائل الإعلام حتى ان مقالة <نيويورك تايمز> منذ أيام التي سلطت الضوء على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري نقلتها كل مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تغطية <داعش> وما إلى ذلك، علماً ان حال <السكوبات> تراجع لأن الصحافي يفكر ألف مرة قبل أن يذهب ليغطي الأحداث في سوريا مثلاً، هذا إن وصل الى هناك أصلاً، وبالتالي فالأمور تغيرت لكن مع ذلك تبقى الصحافة المكتوبة هي الأساس حتى ان التلفزيون يستعين بالمقالات وما ينشر لإتمام أي حلقة.

الحوار الأصعب وهيكل

ــ منذ كم سنة بدأت مع <ال بي سي>؟
– بدأت معها في أواخر العام 1985.
ــ من هي الشخصيات التي شعرت انها تركت أثراً فيك أو تهيبت الحوار معها؟
– هناك شخصيات سياسية تشكل أحياناً مفاجأة للإعلامي، وبالتالي فمقابلتها تكون صعبة، ولكنني أحبها لأنها تقوم على التحدي. وأعتقد أن وليد جنبلاط صعب جداً لأنه من الممكن أن يجيب عن سؤال بكلمة مختصرة أو يفاجئك بأي جواب، ولذلك فهناك لذة في الحوار معه. وأيضاً زياد الرحباني يفاجئني.
ــ هل أجريت حواراً مع الرئيس رفيق الحريري؟
– لا ….
ــ ومن أيضاً من أهل السياسة خفتِ منهم؟
– أكثر شخص بارز شعرت معه انني أمام شخصية عظيمة هو محمد حسنين هيكل.
ــ ما الذي أعجبك فيه؟
– هو بحد ذاته مؤسسة تتحرك وكل جملة يقولها لها دلالاتها ومعناها، حتى اثناء تحضير المقابلة، وأنا تعلمت منه الكثير وحتى أتذكر انه سألني مرة عن كيفية تعاملي مع أولادي، فقلت له: <إنهم يذهبون معي أحياناً الى مكان التصوير>. فقال: <إن هذا خطأ، لأن مركز العمل يشبه المعبد، أدخله وحدي دون أي فرد من العائلة>. وقال لي: <ان الياباني عندما يدعو أحداً الى عشاء يكون ذلك خارج البيت لأن بيته هو معبد لعائلته>، وطلب أن أطبّق هذا الأمر في المهنة وليس في الحياة الخاصة.
ــ ما روى لكِ واسترعى انتباهك؟
– أول مرة ذهبت لمقابلته في مكتبه عند حي الزمالك في القاهرة، كنت مع الزميل عماد موسى، على أن تكون المقابلة في اليوم التالي واستقبلنا الرجل، ولكنه مرر لنا كلاماً قال فيه ان بيته في المبنى المقابل للمكتب ولكنه لم يدخل في حياته المكتب بشكل <سبور>، بل يلبس طقمه و<كرافتته> ويدخل المكتب، ففهمت أنه ما كان جائزاً أن نزوره ونحن نلبس <الجينز>.
ــ من أيضاً قابلت من الشخصيات؟
– قابلت العديد من الرؤساء والملك الأردني عبد الله الثاني.

خائفة من <داعش> وبذورها

ــ كإعلامية هل أنت خائفة من <داعش>؟
– أنا خائفة من كل ما يحدث في المنطقة وليس فقط من <داعش>، وأعتبر ان من أوصلنا الى <داعش> يبعث الخوف مثل <داعش> يعني تراكم التخلف والتعصب والفقر وعدم الإنماء وخاصة التربية.. فالتربية في الدول العربية هي التي أوصلتنا الى <داعش>. فمرة كنت عند الشيخ محمد بن زايد (ولي عهد أبو ظبي) وقال لي: <إن الفارق بين مدارس لبنان ومدارس الإمارات هو التالي: في لبنان يقال: <أكل الولد التفاحة> وفي الإمارات يقال: <ضربه حتى القتل أو حتى الموت>… فهذه التربية هي التي أوصلت الى العنف، وأنا أخاف من هذا الشق ومن هذه البذور لهذه القشرة التي نمت. فهذا التخلّف فظيع وهو ما يخيفني.
ــ هل فكرت أن تهاجري وتتركي البلد؟
– أبداً.. لكن أسوأ من ذلك، فكرت أن يهاجر أولادي وأبقى أنا.. فأنا مثلاً شجعت ابني مروان على أن يترك البلد وأعترف بذلك.

أنا وسمير قصير

ــ كيف تعرفت الى الصحافي الشهيد سمير قصير ولماذا هو بالذات؟
ضحكت وقالت:
– شاب حلو.. فالقصة معروفة، وهي انني تعرفت إليه في حفلة عيد جريدة <النهار>، ومن ثم كان ضيفي في <دار الفنون> لكتاب أصدره ونال جائزة، ويتحدث عن الحرب اللبنانية. وهكذا تم التعارف. أما ما يميزه عن غيره، فهو صادق الى حدود التطرف، وإذا أحبّ يحب بجدية ولا يعرف الألاعيب، والأمر نفسه ينطبق على أفكاره السياسية التي يذهب بها الى الآخر.
ــ كنت تخافين عليه من أفكاره!
– كثيراً ومن زمن بعيد.. وأستطيع القول إن آخر مقال كتبه وهو <الخطأ بعد الخطأ> وذلك قبل أسبوع من اغتياله قرأته في الطائرة وأنا ذاهبة الى أميركا، أصابني الرعب، ولما وصلت الى باريس مساء تحدثت معه وسألته عن هذا المقال وقلت له إنه خطير ولا علاقة لنا به، فضحك وقال لي: إذهبي وارتاحي وعودي إليّ.
ــ وكيف تلقيت نبأ اغتياله؟
– كنت في الولايات المتحدة مدعوة من الـ<سي ان ان>، وتحدثت إليه عند الواحدة بعد منتصف الليل، فكان تعباً ونعساناً بسبب الانتخابات النيابية ويريد الذهاب الى طرابلس لمواكبة الانتخابات، خاصة وان اليسار الديموقراطي كان يرشح الياس عطا الله، وأنا كنت سأصل يوم السبت وهو اغتيل يوم الخميس، وتحدثت معه ليلة الأربعاء وقال انه يحاول إنهاء أعماله قبل مجيئي وتسجيل حلقتي لنذهب معاً ونرتاح، فمازحته وقلت له إنني سأبقى لأيام في أميركا، فرفض وقال إنه سينتظرني يوم السبت في المطار عند الساعة الرابعة بعد الظهر وانه اشتاق إليّ. وخلال ذهابي الى واشنطن بعدما كنت في أطلنطا، وصلتني رسالة عند الساعة الخامسة صباحاً تخبر عن انفجار في بيروت قرب مبنى <A B C> أي قرب بيتنا، اتصلت فوراً بسمير، فوجدت خطه مغلقاً فقلت: <ان شبكة الاتصالات تتعطل أثناء الانفجار كما حصل يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري>، فاتصلت بالبيت، فلم تستطع ابنتي ان تتحدث معي وكذبت عليّ وقالت انه نائم ولا يستطيع التحدث معي الى أن علمت بالمصاب الكبير.
ــ هل تتصورين أن الصحافي لا يحب أن يكتب رأيه كي لا يصيبه ما أصاب سمير؟
– لا، فالأهم ان يتوقف القتلة عن قتل الصحافيين. وهنا أسأل: ماذا استفاد القتلة من قتل سمير؟! فاليوم أسأل: ماذا استفادوا؟ لا شيء طبعاً.. قتلوا شاباً واعداً، قتلوا أهله، قتلوا شيئاً في بلاده وقتلوا شيئاً في زوجته وقتلوا شيئاً في أولادي.
ــ هل قتلوا فيكِ روح التحدي؟
– لا.. لم يكونوا يحسبون هذا الحساب، فبعد هذه السنوات، ماذا استفاد القتلة من قتله وقتل رفيق الحريري وجبران تويني وجورج حاوي وبيار الجميل وانطوان غانم ومحمد شطح وغيرهم سوى أنهم نشروا الحقد والرعب في البلد ولم يحصلوا على شيء غير ذلك؟!
ــ نجحوا في فرض الرعب والترهيب..
– في النهاية أين وصل صدام حسين؟ فأنا لا أبرر ما حصل له، لكن في النهاية لا يفيد قتل أي إنسان، خاصة الرجل الذي لا يلعب بالسياسة، فسمير قصير كتب وتحدث عن أمل الشباب وقال رأيه.
ــ ماذا يعني لك تمثاله قرب مبنى <النهار>؟
– يعني ان كل شخص يمر في وسط بيروت التي اعتبرها أهم شيء في الكون، كما كانت تعني لسمير، سيسأل: من هو؟ وسيقولون له: انه سمير قصير مؤرخ بيروت.
ــ كليات الإعلام تخرّج العشرات سنوياً، فأين يذهب هؤلاء؟
– اللبنانيون موجودون في كل العالم العربي وفي النهاية هناك فرص للعمل. كذلك فالأطباء والمهندسون يتخرجون بالعشرات والأزمة لا تقتصر على الصحافيين بل تشمل البلد كله.
ــ من تلفت نظرك من الإعلاميات؟
– أنا مثل كل الناس أحب في <التوك شو> ان أرى الضيف وأحياناً أتذمر إذا كان الصحافي ضعيفاً، ويهمني الضيف أكثر من المحاور ورغم ذلك فهناك الكثيرات من الإعلاميات يلفتن نظري. فمثلاً غنى يازجي في <سكاي نيوز> لفتت نظري في طرح بعض الملفات، وأنا كنت أحب عمل ليلى الشيخلي التي نفتقدها اليوم ولا أعرف أين هي، ومنى الشاذلي تقوم بعمل جيد.
ــ ونجوى قاسم؟
– أيضاً معرفة نجوى جيدة في <الحدث> رغم انها في الأخبار وليست محاورة..
ــ ومن اللبنانيين أيضاً؟
– أحب برنامج <حديث البلد> لصاحبته منى أبو حمزة وأعتبره خفيف الظل.
ــ وما يعني لكِ وجود 24 وزيراً لا بد ان يتوافقوا وإذا اعترض أحدهم أوقف أي قرار باعتبار انهم حلوا في صلاحياتهم مكان رئيس الجمهورية؟
– البلد لا يسير على ما يرام كما يظن البعض، والرئيس تمام سلام يحاول قدر الإمكان تسيير الأمور.
ــ وماذا يعني لك الوزير وائل أبو فاعور؟
– في رأيي سيكون مثالاً لكثير من الوزراء وهو نجح كثيراً، ليس فقط في وزارة الصحة بل سبق ان نجح في وزارة الشؤون الاجتماعية وعمل بكل ضمير حي، فأنا مع سلامة الغذاء وإذا لم نستطع تحرير الشرق الأوسط فعلى الأقل ليقوم كل وزير بعمله في حده الأدنى.
ــ هل زرتِ مخيمات اللاجئين السوريين؟
– طبعاً سواء في وادي خالد أو بيروت.
ــ من ترك أثراً فيك منهم؟
– هذه قصة مزعجة بالنسبة لي، وهناك شباب تركوا فيّ أثراً لاسيما عندما قال أحدهم انهم لا يطلبون أن يصنعوا لهم بلداً مثل بيروت، بل أن يكون لديهم بعض الكرامة.