19 September,2018

أحــــداث آب و”الـــــكـبّة أرنـــــبـيّة“

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

المشهد في العالم اليوم، لا يختلف كثيراً عن مشهد العام 1938، وقبله مشهد العام 1913 من حيث النزاعات التي مهّدت لحربين عالميتين حصدتا ملايين البشر، وأرستا توازناً نووياً يخلّف منذ العام 1945 موتاً بطيئاً لسكان الأرض.

وفيما العالم عموماً، والشرق بصفة خاصة معلّق بخيط من القطن، تستمر في لبنان المهرجانات السياسية المذهلة في تصاغرها والمغلفة أحياناً بالسياحة والاصطياف، وكل فريق يبحث عن عدد نوابه، وفي طريقة الهجوم على الأماكن والكراسي والمقاعد، ونهب ما تبقى من خيرات وطن الأرز، ولا يدري الأفرقاء المتناحرون تحت أي مقعدٍ يريدون أن يختبئ لبنان غداً…

اليوم، يتنبأ الجميع بنشرة أخبار المستقبل بعدما عوقب الجميع بالفعل بتحقق كل تنبؤاتهم.

لقد كانت المسألة اللبنانية ولا تزال مسألة مَنْ يُقرر أن يكون لبنان صاحب دور أو مجرّد حجر على رقعة أصحاب الأدوار. من يقرّر، ومتى يقرّر. وهو قرار أضحى مستحيلاً بعد التطورات المذهلة والمخيفة في المنطقة، إلا أن الأصعب من المستحيل هو الاستسلام للصعب كأنه المستحيل.

إن قياداتنا تتلهى بأي شيء، ولا تريد أن تعرف أن الواقع الدولي هو واقع صراع لا واقع شفقة ورحمة، خاصة بالصغير.

إن الواقع اللبناني دفع بصحيفة <لوموند> الفرنسية للقول في عنوان مقالها الافتتاحي في العام 1989 وفي عز <حرب التحرير> التي خاضها العماد ميشال عون: <لبنان بلا صديق>، عارضة المواقف المتبدلة في فرنسا وأميركا وروسيا منذ العام 1979…

قبل أسبوع، احتفل الجبل بمرور خمس عشرة سنة على المصالحة التاريخية التي كرسها البطريرك مار نصر الله بطرس صفير.

واحتفلت الأحزاب المسيحية وفي مقدمها التيار الوطني الحر بذكرى أحداث السابع والتاسع من آب/ أغسطس 2001 في غياب قيادات شكّلت مع كثيرين رأس حربة في العمل النضالي، وأسهمت في شكل أو بآخر في إيصال قياداتها الى حيث هي اليوم.

وفي المناسبة، أتذكر هذه الواقعة:

في شهر حزيران/ يونيو من العام 2001 لبّينا زوجتي وأنا دعوة الى العشاء في منزل الدكتور توفيق الهندي وزوجته الزميلة كلود أبو ناضر في بدارو. في تلك الليلة، تناولنا <الكبّة أرنبيّة> واكتشفنا أن توفيق هو من أعدّها.. كما أننا لم نذق مثل طعمها الطيب في حياتنا…

وفي شهر تموز/ يوليو من العام ذاته، دعونا توفيق وكلود الى منزلنا حيث وضعت زوجتي يمنى كل ثقلها لكي ترضي ذوق <الشيف توفيق> الفائق الجودة، والصعب في تذوق أي طعام لم يطهه أو يحضره هو…

طبعاً، لم يكن على طاولتنا <كبّة أرنبيّة> لأن المنافسة لم تكن مطروحة أصلاً… وفي أثناء العشاء تطرقنا الى مواضيع الساعة ولم يكن أحد يدري بما سيحمله مقبل الأيام من زلازل مرتدة ستبدأ في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ولن تنتهي بعد خمس عشرة سنة في سوريا وغيرها…

طلبت من الدكتور الهندي أن يعطي يمنى طريقة تحضير <الكبّة أرنبيّة>… الـ<Recette>، وبالنظر الى تنوّع الحديث، نسينا الأمر، وقبل مغادرتهما، ذكّرت يمنى بضرورة أخذ طريقة تحضير هذا الطعام من توفيق الذي ودعنا قائلاً: <الوقت تأخر… إن شاء الله في المرة المقبلة>. فقلت له: <نريدها الآن، بكرا ما بتعرف شو بيصير>، أجاب: <شو بدو يصير؟ خلص في لقائنا المقبل، وتصبحون على خير>…

غادر توفيق وكلود منزلنا، وبعد أسبوعين تقريباً أُدخل توفيق الى السجن وبقيت وصفة الطعام معه، والحقيقة لدى معظم الناس التي أيقنت منذ أحداث السابع والتاسع مــــن ذلك الآب/ أغسطس البائس، أن دولة القانون غير كافية لتحقيق العدالة، بل دولة الحق هي التي تنصف الناس.

دولة الحق الترجمة الحرفية والأصلية للنسخة الفرنسية <L’Etat De Droit>، إذ ماذا ينفع الإنسان إذا كانت دولــــــة القانــــــون هي دولة صانع هذا القانون ومؤلفه وكاتبه…

إن اللبنانيين مدعوون اليوم أكثر من أي يوم مضى الى التضحية وإنكار الذات وتجاوز الماضي وإظهار الوطن كأننا كلنا له ليكون كله لنا. ولا يمكننا أن نفعل ذلك وسط كل هذه التطورات المصيرية، إلا بالالتفاف حول رئيس جديد للبلاد والعودة الى الدستور مستفيدين من الاستقرار النسبي الذي نتميز به عن المنطقة.

هذا هو نداء من ضحوا في سبيل لبنان، هو نداء الشباب اللبناني الى لبنان، هو نداء لبنان الى العالم.

بالمناسبة، توفيق الهندي <ما بيستاهل> إلا كل خير….