6 December,2019

أحــداث الـيـمـــن سـتـخـــلـف الـمـزيـــد مــن الـــدم  والـدمــــار وسـتـــوسّع الـفـجــــوة بـيـــن الـعــــــرب!

تضج المنطقة العربية بالأحداث من محيطها الى خليجها ولا يخلو بلد عربي من المشاكل الأمنية والصراع الداخلي وآخرها ما يحصل في اليمن بما له من انعكاس على كل الدول ومن ضمنها لبنان، ناهيك عن الوضع الفلسطيني المتأزم بسبب إعادة انتخاب اليمين الإسرائيلي الذي رفع شعار <لا للدولتين>، ما أزعج الإدارة الأميركية ودفع برئيسها <باراك أوباما> لتحذير رئيس وزراء العدو <بنيامين نتنياهو> من هذه الخطوة لتأثيرها السلبي على مفاوضات السلام. فإلى أين تتجه الأمور في المنطقة، وما  مدى انعكاساتها على لبنان بالتزامن مع تواصل المفاوضات النووية بين إيران ودول 5 + 1؟!

SAM_0019<الأفكار> التقت السفير اللبناني السابق في الولايات المتحدة عبد الله بو حبيب داخل مكتبه في سن الفيل وحاورته في هذا الملف بدءاً من السؤال:

ــ إلى أين تتجه اليمن، وما حدود ما يجري هناك، وهل ستتوسّع دائرة الصراع ويحصل تدخل بري من قبل قوات التحالف العربية؟ أم ما يجري يدخل في إطار الضغط للعودة الى طاولة المفاوضات؟

– حدوده المزيد من الدم والدمار وتوسيع الفجوة بين العرب، والحرب عادة لا تنتهي بسهولة، ولا  تزال الأهداف السعودية من التدخل في اليمن غير واضحة، وإن كانت قد حددت العودة الى كنف الشرعية، وحث اليمنيين على الجلوس الى طاولة الحوار، فما قامت به لا يشجع على ذلك على اعتبار ان اليمنيين يتسمون بالعناد ولا يرضخون للضغوط ولو تحت الضرب الجوي، وهم في النهاية من أهل البلاد، وكل رؤساء اليمن هم من اليزيديين ما خلا بعض الحالات عندما قام مجلس رئاسي، وبالتالي لا يمكن تغيير معالم اليمن بسهولة، والتدخل الجوي لن يحقق الأهداف سوى إحداث المزيد من الدمار، لأن القصف بالطائرات من شأنه أن يدمر، لكنه لا يحقق نتائج عملية، وهذا ما شهدناه في لبنان عام 2006 مع العدو الإسرائيلي، والعرب ليسوا على استعداد لإرسال جيوش عربية للقتال في اليمن، مع العلم ان أي دخول بري لن يكون سهلاً على الإطلاق خاصة وان المقاتل اليمني شرس جداً.

وتابع يقول:

– إذا استمرت الضربات الجوية لأيام محدودة، فالمشكلة يسهل حلّها، لكن إذا طالت فهذا سيستدعي حكماً رداً يمنياً لا نعرف الى أين سيؤدي لاسيما وان الحدود بين اليمن والسعودية مشتركة وكبيرة وسبق لليمنيين أن دخلوا الأراضي السعودية منذ سنوات عندما كان النظام السابق برئاسة علي عبد الله صالح يقاتلهم بدعم سعودي.

 

عبد الناصر وتجربة اليمن

ــ هل ما يحصل مجرد عملية تأديب لجماعة الحوثيين، أم ماذا؟

– إذا كانت العملية تأديبية ضد جماعة الحوثيين، فالأمر تفاقم لأن كل اليزيديين انضموا الى الحوثيين ولم يعد الأمر يقتصر عليهم، بالإضافة الى تأييد شرائح أخرى لهم ترفض التدخل، وسبق لنا أن عشنا هذا الوضع في لبنان، والآن يحصل بشكل مشابه في سوريا والعراق.

ــ تزامن التدخل مع انعقاد القمة العربية في شرم الشيخ والتي أعلنت تأييدها للتدخل العربي وإن كانت بعض الدول تعارض أصلاً. فما تأثير ذلك في مجرى الصراع؟

– ألا تذكر أن جمال عبد الناصر أرسل جيشه عام 1962 الى اليمن؟! فماذا حصل له؟! ألم يتحول الى عبء عليه واضطر للانسحاب من هناك، خاصة مع العدوان الإسرائيلي على مصر عام 1967 واحتلال سيناء؟ فاليمن صعبة المراس وسبق ان زرتها يوم كنت مع البنك الدولي وطبيعتها جبلية، والسعودية صحراء ما عدا المناطق الحدودية مع اليمن.

ــ ما تأثير ما حصل في اليمن على الاتفاق النووي  الإيراني الذي يقال ان هناك آمالاً معلقة على توقيعه قريباً؟

– إذا حصل أي اتفاق نووي يتم إعلانه، والحرب اليمنية لا تؤثر على مسار هذا الاتفاق، على اعتبار ان الاتفاق شبه منجز وتأييد الولايات المتحدة للتدخل العربي في اليمن هو انعكاس لاضطرار واشنطن إرضاء حلفائها في المنطقة، وهي لا تشارك في هذه الحرب لا جواً ولا بحراً، وقد تساعد فقط في أمور لوجستية من خلال مدّ الجانب السعودي بالمعلومات والصور، حتى انها سحبت عدداً من الخبراء الذين كانوا في اليمن للمساعدة في مواجهة الإرهاب. واليمن بالنسبة للسعودية مهم جداً ويعتبر الخاصرة الرخوة لها، حتى ان الملك عبد العزيز قال هذا الأمر لأولاده وطالبهم بالانتباه من اليمنيين رغم ان اتفاق الطائف الموقع بين السعودية واليمن أعطى نجران وعسير للسعودية والأمور تسير على ما يرام. لكن بين الحين والآخر تُسمع اصوات تطالب بنقض هذا الاتفاق واسترجاع المنطقتين، خاصة عند تدهور العلاقات بين الجارين العربيين.

الاتفاق النووي مصلحة أميركة – إيرانية

ــ وهل سيحصل الاتفاق النووي كما روّج البعض وأعطوا مهلة قريبة، أم ان المتضررين من هذا الاتفاق يستطيعون تعطيله لاسيما اسرائيل؟

– توقيع الاتفاق النووي حاجة لطهران وواشنطن على السواء، فالرئيس <باراك أوباما> يتمسك به لأن أي خيار آخر سيعني الفشل خلال السنتين الأخيرتين من عهده، وإيران تريد الاتفاق لفك عزلتها بحيث سيشكل لها البوابة على العالم. وإذا لم توقعه في عهد <باراك أوباما> لن توقعه أبداً. فالعرقلة حتى الآن تقنية، وإن تم تجاوز هذه المعوقات سيتم الإعلان عن الاتفاق وأعتقد أنهم سيتفقون.

ــ هل أوضاع اليمن تؤثر على لبنان؟

– طبعاً هناك تأثير، على اعتبار ان اللبنانيين منقسمون حول التدخل، فالبعض أيده والبعض الآخر أدانه، وبعض المسؤولين يصعّدون لهجتهم حتى وهم يدخلون الى مجلس الوزراء وتحصل ردود من الخصوم، لكن ما يشفع ان لبنان الرسمي حدد سياسة النأي بالنفس كما تم الاتفاق بين رئيس الحكومة تمام سلام ووزير الخارجية جبران باسيل، إلا ان هذه السياسة لا يطبقها أهل الحكم عملياً والى حدٍ بعيد، كما كان يحصل في السابق، وإنما كل واحد يتحرك ضمن إطار مصالحه وتحالفاته، إنما ستبقى هناك مساحة حوار مشتركة تساهم في تهدئة الوضع.

ــ وهل يؤثر أيضاً على الملف الرئاسي؟

– هذا الموضوع له ارتباطاته الخارجية ولم يعد أمراً لبنانياً أو مسيحياً، ولا مؤشرات أصلاً تفيد بحصول انفراج قريب على هذا الصعيد.

 

العلاقة الأميركية – الإسرائيلية المتوترة

 

ــ نأتي الى العلاقات الأميركية – الإسرائيلية المتدهورة بعد فوز اليمين الإسرائيلي والسجال الحاصل بين الرئيس <أوباما> ورئيس وزراء العدو <نتنياهو> على خلفية تنصل الأخير من حل الدولتين. فإلى أين ستصل الأمور في تقديرك؟

– العلاقات ستكون صعبة ليس بين الولايات المتحدة واسرائيل، بل بين <أوباما> و<نتنياهو> بعد الشرخ الذي حصل بينهما، خاصة اثر خطاب <نتنياهو> أمام الكونغرس الأميركي ورفضه قيام الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ومهاجمة العرب، بحيث أتوقع غياب الدعم الأميركي لإسرائيل في بعض المواقف مستقبلاً وخلال عهد <أوباما> لاسيما بالنسبة لمسألة المستوطنات، لكن لن يصل الأمر الى حد عدم استعمال <الفيتو> في أي قرار يتعلق بالسياسة الإسرائيلية، إنما من المتوقع الا تمانع واشنطن في ذهاب الفلسطينيين الى الأمم المتحدة ومؤسساتها، كما في ذلك محكمة العدل الدولية أو الجنائية الدولية للنظر في سوء معاملة اسرائيل للفلسطينيين في الضفة والقطاع منذ العام 1947 حتى اليوم، وتقوم واشنطن بعدم تأمين الغطاء لوقف أي قرار أي ما يشبه <قبة باط> وتتسامح إزاء ذلك، وكان <اوباما> واضحاً بهذا الاتجاه عندما طالب اسرائيل بإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، لكن أن يهدد أمن اسرائيل، فهذا غير وارد، واستمرار المساعدات لإسرائيل لن يتأثر، وبالتالي فالعلاقة الشخصية بين <أوباما> و<نتنياهو> ستتأثر لانعدام <الكيمياء> بين الرجلين منذ الاجتماع الأول بينهما.

ــ هـــل سنشهـــد تحـــولاً في المــــوقف الأمـــيركي، أم ان الأمر سينحصر في الجانب الشخصي بين <أوباما> و<نتنياهو>؟

– العلاقة ستتأثر سلباً، والمطلوب أن يكون هناك موقف عربي ضاغط باتجاه دعم <أوباما> في مطالبته بحل الدولتين ووقف المستوطنات الإسرائيلية، وقد سبق لـ<أوباما> ان دعم وزير خارجيته <جون كيري> في اتخاذ موقف يطالب بإجراء مفاوضات سلام في بدء ولايته الثانية، لكن السياسة الإسرائيلية اعتمدت سياسة المماطلة والتهرّب، وبالتالي فـ<نتنياهو> هو المسؤول على الانعكاسات السلبية لمسيرة السلام، علماً ان هذا الخلاف اليوم ليس الأول بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، وسبق ان أجبر الرئيس الأميركي <دوايت ايزنهاورد> اسرائيل على الانسحاب من سيناء المصرية بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولذلك عمدت من خلال هذه التجربة الى تجنيد كل يهود أميركا لتشكيل <لوبي> صهيوني هو الأقوى في الولايات المتحدة للتأثير على الإدارة الأميركية.

وأضاف:

– كما ان هناك خلافاً آخر حصل في عهد الرئيس <جيرالد فورد> عبر وزير خارجيته <هنري كيسنجر> وبين اسرائيل عندما قاد <كيسنجر> المفاوضات بين اسرائيل ومصر بعد حرب العام 1973، ورفضت اسرائيل الاقتراح الأميركي بالانسحاب الى خط الهدنة، ما جعل الملك السعودي الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز يهدد ويقطع النفط عن الدول الغربية الى حين الوصول الى اتفاق، الأمر الذي دفع <كيسنجر> الى القول ان بلاده ستقوم بإعادة تقييم علاقاتها مع اسرائيل، الى ان أتى الرئيس <جيمي كارتر> وأعلن عن تأييده إقامة وطن للفلسطينيين من دون تحديد إطار هذا الوطن، فقامت قيامة اسرائيل وحلفائها، فتراجع <كارتر> عن هذا الطرح.

وتابع يقول:

– كما ان اسرائيل جعلت الرئيس <رونالد ريغان> يختلف معها اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، لكن الخلاف لم يدم طويلاً، فيما عمد <جورج بوش> الأب الى عدم إعطاء اسرائيل ضماناً  لقروض بعشرة مليارات دولار حـين وافقـت على الذهاب الى مؤتمر مدريد للسلام في إسبانيا. وبالتالي فالخلافات تواصلت في كل العهود حتى في عهد <جورج بوش> الابن، و<بيل كلينتون>، لكنها لم تصل الى حد الضغط على اسرائيل للالتزام بما تريده واشنطن، ولذلك ستتأثر هذه العلاقة سلباً الى حد عدم تعطيل أميركا لأي قرار لمجلس الأمن يتعلق بالمستوطنات أو يُدين اسرائيل لإنشائها مستوطنات جديدة، وبالتالي <أوباما> سيضع سابقة في هذا الإطار، بحيث يمكن أن يبني عليها مستقبلاً، علماً ان حل الدولتين غير وارد منذ البداية في عهد <نتنياهو> إنما هذا الالتزام الأميركي سيعطل كل مشاريع <نتنياهو>، وهذا سينعكس أيضاً على صفوف <اللوبي> اليهودي في الولايات المتحدة، خاصة وان الكثير من الناشطين في هذا <اللوبي> شجوا زيارة <نتنياهو> للولايات المتحدة ورفضوا ما صرّح به بشأن الدولتين وبشأن الإسرائيليين العرب.

ــ ما المطلوب فلسطينياً وعربياً في هذه اللحظة، وماذا عن مبادرة السلام العربية؟

– قرار الأمم المتحدة عام 1947 ينص على حل الدولتين العربية والإسرائيلية وسبق ان وافق عليه ياسر عرفات، واسرائيل اليوم تضم أكثر من مليون ونصف مليون عربي، وهي دولة يهودية حتى من دون إعلان يهوديتها، و<نتنياهو> يذهب الى فرنسا ويطالب يهود فرنسا بالعودة الى اسرائيل. اما بالنسبة للعرب، فلم تعد فلسطين قضية عربية تهمهم على الاقل في السنوات العشر الأخيرة، وبالنسبة للفلسطينيين فلو كنت مكانهم لطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتدخل وأعلنت التنازل عن عضوية فلسطين كمراقب في الأمم المتحدة، وأقول ان الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع هو شعب اسرائيلي ومن حقه أن يحصل على حقوقه طالما ان الامم المتحدة فشلت في تأمين دولة لهذا الشعب رغم عشرات القرارات الصادرة بهذا الخصوص، وبالتالي من حق هذا الشعب أن يعيش بأمن وأمان كالشعب الاسرائيلي، وآنئذٍ تقوم القيامة عند الاسرائيليين، لأن هذا الأمر لو حصل سيصبح العرب أكثر عدداً من اليهود في فلسطين بما في ذلك عرب العام 1948 وعرب الضفة والقطاع.