23 September,2018

أحداث سوريا والعراق هي التي ستصنع لبنان المستقبل!

 

بقلم خالد عوض

jean obeid

هناك إشارات واضحة أظهرتها الانتخابات البلدية لمستقبل لبنان، حتى ولو كانت محلية القرار ولا علاقة مباشرة لها مع الاختيارات السياسية المفصلية في البلد، فإن الاستنتاجات منها واضحة كالشمس.

الخلاصة الأولى أن اللبنانيين لا يريدون التغيير. وكل ما شهدناه من حراك مدني في السنة الماضية يندرج في إطار <الفولكلور السياسي> ذاته الذي نشتكي منه. ليس عيباً أن يكون الشعب اللبناني متمسكا بالذين يعرفهم، فهو إما لا يرى في البديل خياراً أفضل أو إنه مقتنع بأن الزعماء الحاليين هم وحدهم القادرون على إدارة البلد، أي على طريقة <أعطي خبزك للخباز ولو أكل نصفه>. العيب الحقيقي هو في أننا غير قادرين على إحداث التغيير إلى الأفضل إما للخلل في النظام السياسي أو لأننا عاجزون في ظل المناخ العام في البلد عن إنضاج قيادات حقيقية تحدث التغيير المنشود. ولعل تجربة <بيروت مدينتي> في انتخابات العاصمة هي الأقرب إلى مسار التغيير ولكن اللغة التي تحدثت بها لا تصل إلى آذان كثيرة في البلد، وبالتالي فأي مبادرة شبيهة بها لن تنجح.

الخلاصة الثانية والمرتبطة بالأولى هي أن السياسة في البلد لا يمكن أن تُحكم إلا بالمال أو الفساد أو المذهبية أو الثلاثة مجتمعة. هذا ليس جديداً بل أصبح كلاماً مبتذلاً عند الحديث عن السياسة في لبنان. الجديد فيه أنه أصبح مشرعاً ومشروعاً. كثر الحديث مثلاً عن رئيس بلدية حقق ثروات من خلال عمله البلدي، فأصبح رمز الفساد البلدي، ولكن ألم يكن يحظى بالمظلة السياسية التي سمحت له بأن يسرق المال العام؟ وطالما هو منغمس بهذا الفساد لماذا لم يحاكم؟ في الوقت نفسه، فإن إدارة الماكينة الانتخابية للرئيس الجديد هي ذاتها الشريك الأول في الفساد في عهد رئيس البلدية السابق، أي أن الرئيس العتيد للبلدية مدين منذ اليوم الأول لـ<مافيا> الفساد نفسها التي ورّطت الرئيس السابق ثم تخلت عنه. كل هذا أصبح مقبولاً عند الناس.

الخلاصة الثالثة وهي الأهم، هي تأكيد الدور المسيحي في لبنان رغم وجود <داعش> وأخواته على الحدود، ورغم الخطر الديموغرافي المتمثل بالنازحين واللاجئين، ورغم الإجحاف في قانون الانتخابات والتعيينات الإدارية إلى حد إفراغ مفهوم المناصفة من معناه، ورغم الفراغ في المنصب المسيحي الأول في البلد، رغم كل ذلك أثبت المسيحيون أنهم متمسكون بلبنان أكثر من أي طائفة أخرى، ليس فقط من خلال نسب المشاركة المرتفعة بل من خلال البرامج المتنافسة التي ركزت على الإنماء الحقيقي. المسيحيون في لبنان باقون فيه وسيحسنون فيه ما استطاعوا. هذه هي الرسالة البلدية إلى الداخل والخارج، فلا يراهن أحد على هجرتهم أو Lebanese Christian leader and head of the Free Patriotic Movement Aoun waves his hand after meeting Lebanon's President Suleiman at the presidential palace in Baabdaيأسهم من البلد.

 ومن خلال الانتخابات البلدية، قام الزعماء السياسيون بالإحصاءات الضرورية لقواعدهم وأصبحوا قادرين على استقراء نتائج الانتخابات النيابية في ظل أي قانون انتخابي يتفقون عليه. والحديث من جديد عن قانون الستين، بعد كل الشتائم التي نالها هذا القانون ومن الجميع، هو التعبير الأدق لحالة الشعب اللبناني الذي لا يزال يفكر بطريقة منتصف القرن الماضي. ومهما كان القانون الجديد – القديم فإن المجلس النيابي المقبل سيكون بعهدة المجموعة نفسها التي تحكم لبنان اليوم مع تغييرات شكلية تجميلية محضة تنحصر ببعض الوجوه الجديدة التي تبقى محكومة بأن تلتحق بالقافلة السياسية نفسها.

إذا لم يكن هناك تغيير من الداخل أي من البلديات أو الانتخابات النيابية، وإذا كان جان عبيد هو الرئيس المقبل طالما أنه الوحيد الذي يمكن أن يجمع عليه المرشحان الحاليان العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية وكل الباقين، فكيف يمكن تصور لبنان جديد؟

رغم كل ما يظهر من <ستاتيكو سياسي> داخلي، فإن التغيير سيأتي من الخارج… ولو بعد حين. فالأنظمة الآتية إلى سوريا والعراق وغيرها لن تكون الأنظمة التي نعرفها اليوم ولا بد أن يتفاعل معها النظام اللبناني بطريقة أو بأخرى. صحيح أن الاستقرار السياسي في الدول المجاورة ليس قريب المنال ولكن التحولات السياسية هناك ستنعكس حتماً عندنا.

بعد الانتخابات البلدية وما بدأ يظهر من مؤشرات في الانتخابات الرئاسية والنيابية يجب أن نقرّ بأن لبنان سيظل بلداً مستورداً لكل شيء.. حتى للتغيير.