21 September,2018

أبو شريف: الإمام موسى الصدر قتل منذ السبعينات بقرار من مساعد وزير الدفاع الايراني الأسبق علي أصغري!

4

 أعادت جريدة «الرأي» الكويتية منذ سنة تقريباً تسليط الضوء على قضية الامام الصدر التي يحيي اللبنانيون ذكراها بعد غد الاحد، إذ نقلت عن «مصدر عربي رفيع المستوى» أن رئيس الاستخبارات العسكرية الليبية في نظام القذافي، عبدالله السنوسي، قال أثناء التحقيق معه إن «الصدر احتجز بين سنتين وثلاث سنوات (في ليبيا)، ووضع مع رفيقين له كانا برفقته في زنازين تقع في طبقة تحت الارض. وفي مرحلة لاحقة، سُلّم الى مجموعة تابعة للمنشق الفلسطيني صبري البنا (أبو نضال)، فتولت المجموعة تنفيذ حكم الإعدام الذي أصدره، وتم الدفن في المكان نفسه الذي كانت تقيم فيه تلك المجموعة.

وكانت مصادر اعلامية نقلت عن مصادر امنية لبنانية شاركت في التحقيق مع السنوسي قولها «إن القذافي آنذاك لم يعد قادراً على إطلاق الصدر ورفيقيه بعد الحملة التي استهدفته، والتي اتهمته بأنه أخفاه، فوجد في التخلص منه الوسيلة الأفضل للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، خصوصاً بعد انكشاف الحيلة التي اعتمدها والتي قضت بإرسال شخص يشبه الصدر إلى روما، حاملاً جواز سفره، بغية إقناع الرأي العام العربي والدولي بأن الرجل غادر ليبيا مع رفيقيه>.

والسنوسي، بحسب المعنيين في لبنان، «رجل كاذب. فبعد زيارات متتالية للوفد اللبناني الرسمي لليبيا بعد الثورة ، وجد أنه كانت هناك معسكرات تدريب للفلسطينيين، ولأبو نضال، لكن كل هؤلاء كانوا تحت سلطة القذافي. حتى الجثة التي قيل انها للامام الصدر، والتي أثيرت حولها ضجة، وأجريت لها فحوص الحمض النووي، تبيّن أنها للمسؤول الليبي منصور الكيخيا، الذي اعتقله القذافي ومات داخل السجن>.

خيبة أمل

وبرأي الزميل محمد نزال ان لدى السلطات اللبنانية أكثر من عتب على السلطات الليبية، وان مسؤولين في لبنان يقولون «اقتربنا من الملل. فالطريقة التي يتعامل بها الليبيون معنا لا تنم عن جدية ولا عن حرص على إنهاء هذه القضية. لن نقبل أن تنتهي بطريقة بعيدة عن المنطق والعدالة>. ويستغرب هؤلاء صدور التصريحات في القضية بشكل عشوائي، فحتى ما نُقل عن السنوسي، خاصة لجهة تحديده مكان دفن الإمام الصدر، لم نعلم أن السلطات الليبية قد قصدت المكان المذكور للبحث والتأكد. يقولون إن لديهم «علامات استفهام» حول سبب رفض الليبيين، اليوم، التحقيق مع سيف الإسلام القذافي، إذ لم يُسمح للوفد اللبناني بمقابلة سيف الإسلام، رغم الطلبات الكثيرة التي قدمت، والتي ظلت من دون جواب.لدى هؤلاء اقتناع بأن القذافي الأب كان يألف احتجاز الناس لديه، وعدم قتلهم على الفور، والدليل على ذلك قضية منصور الكيخيا الذي أتى به من مصر وأبقاه في الزنزانة من عام 1993 حتى عام 1998. الكيخيا توفي نتيجة المرض، وهذا يعني أن «فكرة الإبقاء على حياة الإمام الصدر ستبقى قائمة لدينا. اليوم نقول، آسفين: ليت معمر القذافي بقي حياً لنسأله ونعرف الحقيقة>.

وكانت أوساط لبنانية قد راهنت على التغيير الذي حصل في ليبيا واعتبرت انه ربما سيؤدي الى الكشف عن الكثير من أسرار النظام الليبي الذي تميز بانغلاقه وبندرة أخبار ما يدور في داخله فضلاً عن أسلوبه العنيف في التعامل مع المعارضين الذين طالما اطلق عليهم عبارة «الكلاب الضالة»و«الجرذان>.

اختفاء الامام

ففي الواحد والثلاثين من شهر آب (أغسطس) عام 1978، أعلن رسمياً عن تغييب الإمام موسى الصدر مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. يومئذٍ كان الإمام الصدر يقوم بز

 يارة رسمية لليبيا مع رفيقيه، بدعوة من العقيد معمر القذافي، ونزل مع رفيقيه في فندق <الشاطئ الأبيض> في طرابلس الغرب، إلا أن الإمام لم يعد، وتمت عملية تغييبه مع رفيقيه، وصارت قضيته قضية وطنية ومطلباً إنسانياً.

سيرة حياة

ولد الإمام موسى الصدر عام 1928 في مدينة قم الايرانية، وهي من المدن الشيعية المقدسة وتعلم في مدرستها المسماة «مدرسة الفيضية>. وكان يؤكد أنه ينتمي الى عائلة لبنانية كانت تسكن الجنوب. درس لمدة 16 سنة، نال فيها الشهادات العليا، ثم درس الحقوق والعلوم الاقتصادية في كلية الحقوق التابعة لجامعة طهران، بعدها انتقل الى النجف في العراق ليكمل دراسته الدينية لمدة أربع سنوات، متقناً اللغات العربية، الفرنسية، والفارسية، مع إلمام باللغة الانكليزية.

1

 

عام 1960، عاد الإمام موسى الصدر الى وطنه الأم (لبنان)، وقصد مدينة صور ليتولى الزعامة الدينية الشيعية بعد وفاة العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، وبدأ بتأسيس اللجان الاجتماعية والثقافية، والجمعيات التي تعنى بالشأن الإنساني، كما أنشأ «معهد الدراسات الإسلامية» و«المؤسسة المهنية» في البرج الشمالي، و«جمعية البر والإحسان>…

ومن صور، انطلق الإمام الصدر نحو المناطق اللبنانية، مساهماً في بناء الحسينيات والمساجد والجمعيات الدينية والإنسانية، وفي حديث مع <الافكار> يقول الدكتور حسين كنعان(وهو أبرز الذين واكبوا تحركات الإمام الصدر وأول رئيس للمكتب السياسي في حركة <أمل> 1976/1979 ونائب حاكم مصرف لبنان الاسبق) : «كانت حركة السيد تهدف الى إنصاف المحرومين في وطنهم والمحرومين من وطنهم، وقد اثارت حركته الكثير من التساؤلات والتأويلات والاتهامات من المغرضين والحاسدين لكن صاحبها لم يكترث، وبدأ نشاطه كمدرس في الحوزة الجعفرية في صور، ثم الكلية العاملية في بيروت، ومن خلال التدريس بدأت أفكاره تظهر وتنتشر، وأخذ يتنقل من مكان الى مكان يلقي المحاضرات ويقوم بالندوات والاجتماعات، ويجب أن لا ننسى أنه من القلة من رجال الدين الذين يحملون إجازة في الحقوق، وهذا ما ساعده في الدفاع عن قضاياه بالحجج القانونية>.

تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي

وتابع: كانت قمة إنجازات الإمام الصدر تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969. ويقول الإمام الصدر: «أنا صاحب هذا المشروع الذي هو الحل الأمثل لحفظ حقوق الشيعة، والمجلس سيساعد على حل المشاكل الاجتماعية للشيعة، وهو سد الفراغ ورفع النقص الذي لا يزال موجوداً، والذي يحول دون تكامل التعاون الإيجابي بين الطوائف المحمدية بشكل خاص وبين مختلف الطوائف اللبنانية بشكل عام… إن شعار المجلس الشيعي سوف يكون مدرسة، مستشفى، طريقاً، ماء، كهرباء وعملاً…>.

إنطلق الإمام موسى الصدر مكافحاً الحرمان في منطقة بعلبك ــ الهرمل، وفي منطقة جبل عامل في الجنوب، معلناً تأسيس «حركة المحرومين» واعتبرها حركة الإنسان نحو الأفضل، ويعتبر الرئيس نبيه بري في إحدى خطبه : «… أن الإمام موسى الصدر مثّل رمزاً لآمال المواطنين في قيام دولة عصرية وفي بناء الثقة بالدولة وفي إزالة الحرمان وردع العدوان، وتأمين مشاركة المواطنين الكاملة في كل ما يصنع حياة الدولة والمجتمع في لبنان>.

ويرفض الدكتور حسين كنعان اعتبار حركة المحرومين التي أسسها الإمام الصدر مذهبية ويقول: «كيف يمكن أن تكون مذهبية وقد انضوى تحت لوائها الكثيرون من الشخصيات اللبنانية من كل المذاهب والمشارب امثال الرئيس حسين الحسيني، غسان تويني، مروان حمادة، محمد عطالله، والمطرانين غريغوار حداد وجورج خضر، وميشال اسمر، ويواكيم مبارك، وبيار حلو والأمير فاروق أبي اللمع وعدد كبير من أعضاء الندوة اللبنانية..>.

وأضاف كنعان: «كنا ندرك من خلال طرح الإمام الصدر أنه يدافع عن حقوق الإنسان والجماعة ويعتقد أن الظلم سيئ من أي جهة تأتى ولأي سبب كان ويجب التصدي له بكل الوسائل، كان يرى أن الظلم يكمن في طبيعة الأنظمة السياسية في العالمين العربي والإسلامي، وأن هذه الأنظمة ابتعدت بعداً كلياً عن مفهوم العدالة المنصوص عليها في الشرائع الإلهية>.

السلاح زينة الرجال

ومع تصاعد الاعتداءات الوحشية الاسرائيلية على قرى الجنوب وأهله، وما نتج من ذلك من قصف وقتل وتشريد ومجازر، بدأ الإمام موسى الصدر في تنظيم المهرجانات في المناطق اللبنانية لتعبئة الرأي العام ضد اسرائيل وشجب عدوانها المستمر على لبنان. وفي مهرجان جماهيري في بعلبك، في الثالث من آذار (مارس) 1974، وبحضور الآلاف من المسلحين، طالب الصدر «بفتح مخيمات لتدريب أبناء الجنوب، وتزويدهم بالسلاح، وأنا واحد منهم، وسأتدرب معهم…>.وفي احتفال بذكرى المولد النبوي في صيدا، أطلق الإمام الصدر عبارته الشهيرة «السلاح زينة الرجال…»، بمعنى السلاح الموجه ضد إسرائيل.

أفواج «أمل>

وعمد الإمام الصدر الى تأسيس افواج المقاومة اللبنانية ــ <أمل> لتكون درعاً حامية للجنوب في وجه العدوان الاسرائيلي، ويعتبر الدكتور كنعان «أن المقاومة اللبنانية التي نادى بها الإمام تحررت من قيود الأنظمة وعملت بالأفكار التي نادى بها واستطاعت أن تحرر الأرض وتقهر العدو.

وحذر الصدر من التعامل مع اسرائيل مؤكداً «أن اسرائيل شر مطلق، والتعامل معها حرام…>.

2

خطاب تحت الصليب

وفي شباط (فبراير) 1975، حاضر الإمام الصدر في كنيسة الآباء الكبوشيين عند منطقة باب ادريس في بيروت لمناسبة الصوم، تحت صليب كبير علق عليه تمثال يسوع الناصري. وقال غسان تويني (الذي كان من بين الحضور) في هذا المجال: «.. لا أحد من قبله، منذ أن كان الإسلام، وقف في كنيسة واعظاً ومرشداً، ولا أحد بعده دعي أو تجرأ… رجل الحوار والمحبة والعيش المشترك… مارد جبار كأنه نزل من اللانهاية يتوجه الى المصلين المستظلين معه صليباً معلقاً على حائط>.

ويرى المطران جورج خضر «أن الإمام موسى الصدر كان حريصاً على استقلال لبنان ووحدة ابنائه جميعاً بالكرامة الواحدة والنمو الواحد. ربما كان قلبه متسعاً لغير رؤية واحدة، ولكن ما يمكن الركون اليه مما حملني إياه أن هذا الوطن وطن تعاهد، وان كلاً فيه حبيب…>.

أما نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان فيرى: «أن الإمام موسى الصدر كان أول من دعا الى الحوار والتفاهم واخترق كل الحواجز فدخل الأديرة والكنائس، كما دخل المساجد والحسينيات والخلوات ليقول للناس إن رجل الدين المحمدي هو رجل لكل الطوائف والمذاهب ولكل شعوب المنطقة…>.

القضية اللغز

وطالب البيان الرئيس السوري بشار الأسد، «الذي يوفر اليوم الدعم والمأوى للجبهة الشعبية باستخدام نفوذه لكشف ملفات هذا التنظيم الفلسطيني المرجح أنها تحتوي على تفاصيل اضافية حول هذه المؤامرة وربما ألقت الضوء على مصير الإمام موسى الصدر، ذلك انه من المحتمل جداً أن عناصر فلسطينية في ليبيا متورطة في هذه الجريمة>.قضية الإمام الصدر باتت في حد ذاتها سر الأسرار وكانت موضوع جدل ونقاشات، وكثرت حول مصير الإمام الصدر ورفيقيه الأقاويل والتأويلات. ففي شهر تشرين الأول (اكتوبر) 2008، أعلنت جماعة «ألوية الإمام موسى الصدر» التوصل إلى معلومات جديدة قد تساهم في كشف ملابسات اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه. ونقل موقع قناة «العالم» الإخباري عن بيان صادر عن «ألوية الصدر»: «ما توصلنا إليه، ويمكن نشره بعدما تأكدنا من صحته، هو أن جريمة اختفاء الإمام موسى الصدر لم تكن عفوية أو وليدة اللحظة، بل تم التخطيط والتنسيق لها قبل أشهر عدة من  آب/ أغسطس 1978، بين السلطات الليبية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة>.

و«ألوية الإمام موسى الصدر» لا ترتبط بحركة «أمل» وتعمل على إصدار بيانات ومتابعة كل ما يتعلق بقضية إخفاء الإمام موسى الصدر.

وقال عيسى عبد المجيد منصور، مؤسس جبهة «إنقاذ قبائل التبو»، إن الإمام الصدر الذي قالت ليبيـــا إنه غادرها طواعية إلى إيطاليا، ما زال حياً وشوهد عام 1992 في سجن داخل مدينـــة سبها في جنوب ليبيا، وهي الآن في قبضة الثوار.

من ناحية أخرى، كشف بسام أبو شريف مستشار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أيلول (سبتمبر) 2010، في حديث الى قناة «المحور» المصرية، عن أن «الإمام موسى الصدر قتل منذ السبعينات بقرار من مساعد وزير الدفاع الايراني الأسبق علي أصغري>.

وكانت عائلة الصدر قد كشفت النقاب عن أن العقيد القذافي عرض عليها تعويضاً مالياً مقابل إغلاق ملف هذه القضية، وأكد صدر الدين الصدر، أكبر أبناء الإمام موسى أن العائلة رفضت التعويض الذي لم يحدد قيمته، لكنه قال في المقابل إنه يسعى للوصول إلى الحقيقة قبل أي شيء والإفراج عن والده ورفاقه، فضلاً عن محاكمة المسؤولين عن اختفائه.

وفي 30/9/2010، نشرت جريدة «عرب تايمز» خبراً مفاده أن نوري المسماري الساعد الأيمن للقذافي الهارب الى فرنسا أكد أنه لن يتراجع عن تسليم كل الوثائق التي بحوزته للمحكمة اللبنانية من أجل محاكمة العقيد معمر القذافي بتهمة قتل الإمام موسى الصدر ومرافقيه يوم 4 آذار/ مارس 2011. كما ذكر المسماري أن نسخة من الوثائق المذكورة موجودة بحوزة شخصية سياسية جزائرية معارضة مقيمة بالخارج، في حالة تعرضه لأي مكروه.

3

 

هل ضاع السر؟

وتظل قضية الامام الصدر ورفيقيه سر الاسرار ، فهل ضاع هذا السر بموت القذافي؟ وتبقى ذكرى الصدر حافزاً لتطبيق الاسلام المعتدل والجامع في زمن (الداعشية واخواتها).

ولا شك ان الامام الصدر كان شخصية فذة ولافتة وكما قال الحاج اكرم طليس (عضو المكتب السياسي السابق لحركة امل) لـ <الافكار>: <ان الإمام الصدر أثار جدلاً على المستوى الوطني باختراقه المجتمع اللبناني داعية، مبشراً، مصلحاً، فكان الإجماع اللبناني حوله دليلاً على شخصيته الآسرة، الفذة، والجامعة، وخصوصاً لما لديه من فكر شمولي، جامع، تجاوز عبره الفئوية والطائفية، منطلقاً لبناء وطن العدالة والمساواة، وتحقيق انسانية الإنسان، وتحقيق مطالب المحرومين والكادحين لأي طائفة انتموا، وهو القائل: «أموت من أجلكم، ومن أجل كل اللبنانيين…>.