19 November,2018

أبواب أميركا اللاتينية تفتح للبنان بعد الانضمام الى مجموعة «ميركوسور »

بقلم طوني بشارة

7

أثبتت التجارب الدولية ان السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، اذ ان كل أزمة سياسية عالمية تزامنت وللأسف مع تراجع ملموس بالاقتصاد الدولي، واللافت على الصعيد المحلي ان سوق الشرق الاوسط تبدو وكأنها شريك مميز للبنان، فالتبادل التجاري اللبناني مع الدول العربية، واستثماراتهم على مر العصور ساهمت في تنمية بلدنا داخلياً وزيادة النمو المحلي، مما جعلنا نعتمد وبقوة على هذه السوق، ونتوقع الكثير منها، ولكن السنوات الأخيرة أظهرت وبوضوح أنه عندما نعاني مقاطعة أمنية أو حتى سياسية من قبل شركائنا العرب لا بدّ أن يتأثر  اقتصادنا جداً، في حين تدفع الشركات لدينا ثمناً باهظاً…

 في المقابل ومهما كانت الصعوبات، كان كبار رجال الأعمال اللبنانيين، وسيظلون دائماً، أول من يجد الفرص المخفية وراء الأزمات، وسيثبتون دائماً للعالم قدرتهم على الصمود، وقوتهم وسرعة التكيّف التي يتمتعون بها، اذ مهد رئيس تجمع رجال الأعمال الدكتور فؤاد زمكحل الطريق أمام انضمام لبنان الى السوق المشتركة <ميركوسور> عن طريق لقاء موسع مع كل سفراء أميركا اللاتينية، ومن ثم مع سفير البرازيل، علماً ان البرازيل ستترأس مؤسسة <ميركوسور> عام 2015.

وفي منتصف كانون الاول/ ديسمبر 2014، انضم لبنان الى منظمة <ميركوسور>، السوق المشتركة لدول أميركا اللاتينية في الأرجنتين (ممثلاً بوزير الخارجية جبران باسيل) التي ترئس الدورة الحالية للمنظمة في حضور رؤساء سبع دول أعضاء.

 وأهم ما في الأمر ان <ميركوسور> تعتبر من اهم التجمعات الاقتصادية في العالم، فسوقها يضم أكثر من 242 مليون شخص ويشكل 44 بالمئة من أميركا اللاتينية و59 بالمئة من أراضيها، وسيتم منح لبنان من خلال انضمامه الى هذه المنظمة العديد من التسهيلات للتصدير الى أسواق هذه البلدان وبعض الاعفاءات الجمركية.

 انضم لبنان الى <ميركوسور> في ظل غياب مُريب لممثلين عن القطاع الخاص، ذلك القطاع الذي جهّز الأرضية لعقد هذه الاتفاقية، فلماذا هذا التغييب؟ وهل ان الانضمام سيفتح فعلاً آفاق اقتصادية كبيرة أمام رجال الأعمال، مما سيرتد إيجاباً على واقعنا الاقتصادي في ظل الضائقة التي يمر بها العالم العربي بشكل عام ولبنان بشكل خاص؟ وما أهمية هذا الانضمام للبنان؟ وكيف يرى او ينظر أعضاء <ميركوسور> الى هذا البلد الصغير؟

أسئلة عديدة في جعبتنا و للإجابة عنها قصدت <الأفكار> رئيس تجمع رجال الأعمال الدكتور فؤاد زمكحل الذي أفادنا ان لبنان شهد في السنوات العشرة الاخيرة نمواً كبيراً ومردوداً مهماً على الاستثمار، لكن ولسوء الحظ، تراجع النمو في السنتين الاخيرتين الى 1 و 1,5 في المئة، وهذا لا يعد نمواً حقيقياً، واذا استثنينا المصارف والعقار يتبين أن النمو هو صفر بالمئة، وفي الوقت نفسه زادت المخاطر السيادية على الاستثمارات كما تراجع المردود على الاستثمار، مما حثّ المستثمرين اللبنانيين والشركات الى خيار التوجّه لأسواق كبيرة ونامية تؤمن مردوداً كبيراً على الاقتصاد حتى لو كان هامش المخاطر فيه كبيراً.

سوق للبنان بمئتي مليون شخص

وبالنسبة لسعيه مع سفير البرازيل <الفونسو ماسوت>، عن طريق الطاولة المستديرة لانضمام لبنان الى <ميركوسور>، أوضح زمكحل:

– ليس سراً لأحد ان لبنان يمر بإحدى أصعب الفترات من تاريخه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، ونشهد تجميداً لمؤسسات الدولة كافة، وهذا واقع مؤسف يخيف ويهرب مستثمرينا في الداخل والخارج، ويؤثر على جميع قطاعاتنا الانتاجية، كما ان الشرق الاوسط الذي لطالما كان شريكاً مميزاً للبنان يمر بأزمات ومراحل صعبة جداً، كل هذه الأمور دفعت رجال الأعمال اللبنانيين في القطاعات كافة الى البحث عن أسواق جديدة ذات قدرات عالية ونمو مرتفع.

 وتابع زمكحل: ولا يخفى عن أحد أن سوق <ميركوسور> الذي هو اتفاق بين أكثرية بلدان أميركا اللاتينية وعلى رأسها سوق البرازيل الذي يعتبر خامس أكبر بلد اقتصادي في العالم ويضم أكثر من 200 مليون شخص، هو من أفضل الأسواق التي توجهت اليها أنظار رجال الأعمال، والمتتبع للأمور يرى ان هناك عدداً كبيراً من اخواننا اللبنانيين الذين سبقونا الى البرازيل ودول <ميركوسور> منذ عقود، حيث مرت أجيال عديدة، أجيال نجحت بكل فخر وشاركت في نمو هذه المنطقة، وهم الآن جزء من ثقافة هذه البلاد واقتصادها وحتى حياتها السياسية، فالجالية اللبنانية في أميركا اللاتينية وتحديداً في البرازيل هي الأكبر في العالم.

 واستطرد زمكحل:

– لذا ركزت خلال لقائي مع سفير البرازيل السيد <ماسوت> على هذه الامور وأعلمته اننا كرجال أعمال نعتمد على دعمه وصداقته كما اننا على ثقة بأن انضمامنا الى السوق ينبغي ان يكون واحداً من أولوياتهم.

واضاف زمكحل: في الواقع، تتمتّع هذه المنطقة بالعديد من فرص الاستثمارات الجذابة، إذ إن الاستهلاك والطلب داخلها في نمو مستمر، في حين تشهد هذه السوق توسعاً منتظماً… وبالتالي، انها الشريك المثالي بالنسبة الى أصحاب الشركات اللبنانية الذين يبحثون دائماً عن آفاق وفرص جديدة.

وفي ما يتعلق بأهمية انضمام لبنان الى <ميركوسور>، قال زمكحل:

– ان الانضمام الى <ميركوسور> يلغي الضرائب ويسهّل مرور البضائع والتبادل التجاري بين البلدان المتضامنة في <ميركوسور>، وذلك وفقاً لطبيعته، وهنا لا بد من الاشارة الى ان هناك <ميركوسور> على التبادل التجاري، و<ميركوسور> على القطاع الامني أو السياسي، لكننا في لبنان نريد <ميركوسور> على التبادل التجاري لما من شأنه تسهيل مرور البضائع اللبنانية، فبالنسبة لنا، تشكّل هذه الفرصة الباب «الذهبي» نحو قارة وجزء من العالم لديه سوق ضخمة حيث يمكن أن نجد مكاننا على أساس ميزاتنا التنافسية ومنتجاتنا المتخصصة ذات الجودة، وأفكارنا المبتكرة التي تجول في العالم.

المعلبات اللبنانية في أميركا اللاتينية

ولفت زمكحل الى أن الطلب اليوم من أميركا اللاتينية مرتفع على المواد الغذائية والمأكولات والمعلبات اللبنانية والتي تصل اليهم بكلفة مرتفعة نظراً لارتفاع نسبة الضرائب على هذه المواد، كما تهتم أسواق أميركا اللاتينية اليوم باستيراد النبيذ اللبناني علماً أن زجاجة النبيذ التي سعرها 10 دولارات في لبنان تصل الى هناك بـ90 دولاراً نظراً للضرائب المفروضة.

 وأضاف زمكحل: ان انضمام لبنان الى <ميركوسور> مهم خصوصاً لأن أكبر جالية لبنانية في العالم موجودة في البرازيل وتقدر بأكثر من 8 ملايين لبناني أو من أصل لبناني، بما يقدّر بـضعفي السوق اللبناني في لبنان.

ورداً على سؤال عن أسباب التأخير في توقيع هذا الاتفاق، ولماذا لم يتم التبادل في السابق، قال زمكحل: الأسباب متعددة، منها الضرائب الكبيرة المفروضة على التبادل التجاري، ومنها لأنه في السابق كانت البرازيل تعتبر بمنزلة بلد بعيد جداً، أما اليوم، فقد بات التنقل أسهل أكان عبر البحر او في الجو.

 أما عن الأسباب التي تدعو دول أميركا اللاتينية للاهتمام بلبنان، فقال زمكحل:

– تعتبر دول أميركا اللاتينية لبنان بمنزلة بوابة مهمة الى الشرق الاوسط، ويستسهل التجار أكانوا من أصل لبناني أو أجنبي إطلاق العمل من لبنان الى بقية الدول، ولا شك اننا في هذا الإطار في تنافس مباشر مع إمارة دبي والشركات لا تزال تبدي اهتماماً بالاستثمار في لبنان.

ويتابع زمكحل:

– ينبغي أيضاً أن تنظر الدول الأعضاء ضمن <ميركوسور> الى بلدنا الصغير على انه باب «الذهب» أو حتى باب «من الماس» لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها، صحيح اننا عبارة عن اقتصاد صغير، ولكن سوقنا الحقيقية تذهب إلى أبعد من حدودنا بكثير لتغطي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها، وبالتالي سنبقى دائماً محور هذه المنطقة.

وعن توقيت توقيع الاتفاق مع منظمة <ميركوسور> اليوم، أوضح زمكحل:

سفراء-اميركا-اللاتينية-والدكتور-فؤاد-زمكحل

– في كل عامين، يتغيّر رئيس المنظمة، والرئاسة الحالية التي تنتهي في مطلع 2015 كانت للأرجنتين لتتولى بعدها البرازيل رئاسة المنظمة. ومعلوم ان العلاقات بين لبنان والبرازيل متقدمة أكثر من لبنان والارجنتين، كما ان قسماً كبيراً من اللبنانيين انخرطوا في الحياة السياسية في البرازيل ويتولّون مناصب سياسية مهمة، ولفت الى ان السفير البرازيلي <الفونسو ماسوت> الذي تعاونا معه في لبنان سيعود الى البرازيل قريباً ووعدنا بمواصلة تعاونه معنا من هناك.

 

 

<ميركوسور> والقطاع الخاص

ــ القطاع الخاص الذي تابع وسعى الى توقيع اتفاقية انضمام لبنان الى منظمة <ميركوسور> منذ البداية ليس على اطلاع اليوم على الصيغة النهائية للاتفاقية، كما لا علم له بأي تفاصيل تتعلق بالاتفاق عدا عن أنه اتفاق اقتصادي، فلماذا تم استبعاد القطاع الخاص عن الاتفاقية؟

– لا تعليق لدينا على هذا الاستبعاد، غير اننا إيجابيون ونأمل خيراً للاقتصاد من هذا الاتفاق، كما يهمنا فتح أسواق جديدة أمام لبنان والنتيجة هي كل ما يهمنا. وفي هذا السياق، لا بد من التركيز على ضرورة إلغاء الضرائب مع دول أميركا اللاتينية بشكل نهائي أو أقله تخفيضها كثيراً لتصبح ضئيلة جداً، فالبضاعة اللبنانية لا تعد تنافسية لمنتجات هذه الدول لأنها ذات نوعية فاخرة، عدا عن ان لبنان بلد صغير ولا يمكن ان يكون له اي تأثير مباشر على إنتاجهم بل على العكس هو يكمّل أسواقهم.

 وعن الخطوات التي ستلي الاتفاق، قال زمكحل:

– بعد توقيع الاتفاق، يعقد اجتماع روتيني في <ميركوسور> لقبول انضمام لبنان. وبعد القبول يفترض بالوزارة ان تقوم بتعميم الاتفاق واطلاع القطاع الخاص عليه للبدء بتطبيقه.

 

رئيس المزارعين والصادرات

الدكتور-فؤاد-زمكحل-وسفير-البرازيل-الفونسو-ماسوت-

 

وللاطلاع على المنتجات الزراعية اللبنانية المعدة للتصدير الى الخارج بشكل عام والى أميركا اللاتينية بشكل خاص، قابلت <الأفكار> رئيس جمعية المزارعين انطوان الحويك الذي أشار الى ان هناك تركيزاً من قبل المزارعين على أربعة أنواع فقط من الصادرات الزراعية وهي البطاطا، التفاح، الحمضيات والموز. لكن للأسف وبسبب الأزمة الأمنية في الشرق الاوسط تراجعت صادرات هذه البضائع الى دول الخليج العرب

ي بنسب متفاوتة، فانخفض حجم صادرات التفاح والبطاطا من 150 ألف طن الى 100 ألف طن، والحمضيات من 120 ألف طن الى 80 ألف طن، أما الموز فانخفضت صادراته من 90 ألف طن الى 60 ألف طن.

و يتابع الحويك:

– مما لا شك فيه ان سوق <ميركوسور> يضم عدداً كبيراً من أفراد الجالية اللبنانية مما سيؤدي حكماً الى زيادة حجم الصادرات اللبنانية الى أميركا اللاتينية ولكن هذه الصادرات ستتمحور حول الصناعات الغذائية اللبنانية والمعلبات وزيت الزيتون والنبيذ فقط، دون التركيز على الصادرات الزراعية على اعتبار ان هذه الصادرات وبسبب بعد المسافة ستتعرض للتلف وفقدان القيمة.