23 September,2018

«آلية » ممارسة الحكومة لصلاحيات رئيس الجمهورية تعلّق العمل بمواد في الدستور وتعرض المراسيم للطعن!

tamam-salam-1تجمع مرجعيات سياسية وحزبية على القول ان <عمراً جديداً> كُتب لحكومة الرئيس تمام سلام بعد التوافق على الآلية التي ستعتمد لممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية التي أُوكلت الى مجلس الوزراء مجتمعاً بعد شغور موقع الرئاسة الأولى، وذلك بعد شهر على حصول هذا الشغور وبعد جدل سياسي أكثر منه دستوري او قانوني، عاشه لبنان بين معنيين بالشأنين الدستوري والقانوني، وبين غير معنيين أرادوا الإدلاء بدلوهم لإثبات الوجود!

وترى هذه المرجعيات أن الوصول الى هذا الحل غير الدستوري وغير القانوني والذي يعرّض القرارات الحكومية للطعن كما أشار الرئيس تمام سلام نفسه، وهو يحاول أن <يدافع> عن الصيغة التي اعتمدت، فرضته جملة معطيات طغت على التحفظات التي أعلنها كثيرون عن عدم دستورية هذا المخرج ومساسه بالتوازن الطائفي وصلاحيات رئاستي الجمهورية والحكومة.

وتورد مصادر حكومية جملة أسباب دفعت الى اعتماد هذه الآلية لعلّ أبرزها الأوضاع الأمنية التي استجدت والتي فرضت تفعيلاً لعمل الحكومة التي يعود إليها القرار السياسي في الإجراءات التي يفترض أن تتخذ سياسياً وأمنياً لمعالجة هذه الأوضاع المستجدة، إضافة الى أن الاستحقاق الرئاسي يبدو متأخراً نتيجة استمرار الخلافات في 8 و14 آذار. كذلك دفع في اتجاه إقرار الآلية غير الدستورية ضرورة بت الكثير من الملفات العالقة حكومياً وسط <حملات> مدروسة تلقي تبعة العرقلة على وزراء 8 آذار، من دون غيرهم ومحاولة ربطها بمصالح انتخابية لها علاقة بالقاعدة الناخبة.

وتقول المصادر الحكومية ان الملف الأكثر إلحاحاً الذي سرّع في التوافق على الآلية هو ضرورة تسديد الاستحقاقات المالية الداهمة التي تتجاوز موضوع سلسلة الرتب والرواتب المجمّد في مجلس النواب، الى موضوع تأمين الاعتمادات الكافية لتغطية رواتب العاملين في القطاع العام وتعويضات المتقاعدين المدنيين والعسكريين، لأن الاعتمادات المتوافرة، حسب وزير المال علي حسن خليل، تغطي حتى شهر تموز/ يوليو الجاري فقط. يضاف الى ذلك انتهاء مفاعيل القانون الذي يجيز للحكومة الاستدانة بالعملات الأجنبية والحاجة الى قانون جديد لتمديد مفاعيله. كل ذلك من دون تناسي ما يرتبه الإنفاق من خارج القاعدة الاثني عشرية من واقع مالي مخالف للقوانين، يتطلب تسوية تضفي عليه البعد القانوني المطلوب.

<تنازل> سلام… فأنقذ الحكومة!

ويقول مصدر وزاري وسطي ان الاستحقاقات الداهمة لتسيير شؤون الدولة، والاعتبارات الأمنية التي استجدت والقلق من إطالة الفراغ في سدة الرئاسة، حتّمت كلها التوصل الى حل لأزمة <الآلية> الحكومية التي طالت، قام على شقين: الأول <تنازل> الرئيس تمام سلام عن صلاحياته الواضحة في إعداد جدول الأعمال و<إشراك> الوزراء بها من خلال توزيع مشروع جدول الأعمال عليهم قبل أربعة أيام من موعد انعقاد الجلسة (بدلاً من 72 ساعة كما كان قد اعتمد أصلاً)، وذلك للإفساح في المجال أمام سحب أي بند يعترض عليه وزير أو أكثر من الجدول لمزيد من التشاور. أما الشق الثاني المتعلق بتوقيع المراسيم، فتقرر أن تتأمن لهذه المراسيم التغطية السياسية اللازمة من جميع مكونات الحكومة من خلال توقيع ممثل عن كل مكوّن سياسي، الى جانب رئيس الحكومة ونائبه والوزير المختص، على أن يترك الباب مفتوحاً لمن يرغب من الوزراء في التوقيع الى جانب زملائهم. ومثل هذا التدبير يؤمن موافقة الجميع على المرسوم لأن امتناع ممثل أي مكون وزاري عن التوقيع يجمد صدور المرسوم!

الآلية تعلّق العمل بمواد

 في الدستور!

وإذا كان الرئيس سلام قد <تنازل> عن صلاحياته الدستورية في مقابل تأمين استمرارية حكومته متذرعاً بأنها حكومة توافقية تضع الاتفاق في ما بين أعضائها في مقدمة أسباب وجودها، لاسيما وأنها حكومة <ائتلافية>، فإن مراجع قانونية ودستورية وصفت <الآلية> التي اعتمدت لممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية، بأنها <تعلّق العمل> بنصوص في الدستور، في سابقة لم تسجل في الحياة السياسية اللبنانية، ما قبل اتفاق الطائف وما بعده، لاسيما تلك المواد الدستورية التي تتناول صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وطريقة اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء (بالأكثرية أو غالبية الثلثين)، إضافة الى صلاحية الاعتراض  على القرارات الحكومية وردّها وطلب إعادة النظر فيها. فضلاً عن أن هذه الآلية أعطت لكل وزير في حكومة الـ24 وزيراً القدرة على تعطيل عمل الحكومة، إذا ما اعترض على قرار أو أكثر تتخذه، وهذه <الصلاحية> غير موجودة أصلاً في الدستور لصالح أحد، حتى رئيس الجمهورية الذي أعطيت له مهلة 15 يوماً للاعتراض على قرارات مجلس الوزراء على أن تصبح نافذة بعد انقضاء المهلة!

وترى المراجع نفسها أن <الآلية> ألغت حقاً دستورياً معطى للوزراء، وهو حق التصويت على القرارات، واكتفت بالتوافق كي لا يُفرض أي قرار على أي من الأفرقاء الحكوميين وهذه أيضاً سابقة غير دستورية مورست في جلسة الأسبوع الماضي، عندما اعترض وزير العمل سجعان قزي على طرح مشروع يقضي بإعفاء مؤسسات وشركات خاصـــــة مــــن غــــرامات ماليــــــة مترتبــــة عليهــــــا للدولة، رغــم تأييـــد وزراء آخــــرين المشـــروع الذي جُمّــــد البحث فيه الى حين توافر الإجماع عليه. وفي اعتقاد المراجع القانونية نفسها، أن الآلية المعتمدة أسقطت الحق الدستوري (الحصري) لرئيس الحكومة في قبول طرح بند على جدول الأعمال أو عدم طرحه، لأن هذا الحق بات موزعاً على كل الوزراء، بمعنى أن الآلية ساوت بين صلاحيات رئيس الحكومة وصلاحيات الوزراء ولم يعد لرئيس الحكومة أي تمايز عن الوزير، ما أعاد العمل عملياً بنظرية دستور ما قبل الطائف لجهة <تسمية الوزراء واختيار رئيس منهم>، وهي صلاحية كان يمارسها رئيس الجمهورية آنذاك.

سقطت صيغة 8/8/8 … والوسطيون!

أما النتيجة السياسية للآلية الجديدة، فهي تحول مجلس الوزراء الى كتلة وزارية واحدة لا دور للأكثرية أو للأقلية فيه، فضلاً عن تعطيل قدرة الوزراء <الوسطيين> على التأثير سلباً أو إيجاباً، لأن صيغة الـ8/8/8/ التي يتكون منها مجلس الوزراء لم تعد لها أي قيمة تأثيرية، لاسيما بعد تعليق التصويت على القرارات، لأنه يكفي اعتراض وزير لسقوط القرار، كما تكفي موافقة <الوزراء السوبر> المكلفين من رؤساء الكتل لتعطيل أي اعتراض من وزير او أكثر من المصنفين <وزراء عاديين>.

في مقابل كل هذه السلبيات في المحافظة على الدستور، بنصه وروحه، يبدي الرئيس تمام سلام ارتياحاً لكونه <حمى> حكومته من السقوط أو التعطيل وإن كان ذلك على حساب بعض صلاحياته. لكنه يرى – كما نقل عنه زواره غداة إقرار الآلية –

أنه تمكن من <إحباط> محاولة لجعل السلطة الإجرائية معطلة، كما هو الحال بالنسبة الى السلطة التشريعية. كذلك فإنه  لم يجارِ وزراء <تكتل التغيير والإصلاح> وحزب الله في مطالبتهم بتوقيع الوزراء الـ24 على المراسيم كافة، مع ما يعني ذلك من إمكانية تعطيل عمل مجلس الوزراء وقراراته وجعلها <أسيرة> موافقة وزراء عون وحزب الله مجتمعين ومنفردين. وبذلك كما يقول الرئيس سلام، تجاوزت الحكومة <قطوع> التعطيل وانطلقت من جديد توافقياً. والعبرة ستكون في تنفيذ ما يتفق عليه مجلس الوزراء في كل جلسة يدعى إليها. وبرز ارتياح سلام خصوصاً بعدما تلقى <إشارة مشجعة> من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سجّل للرئيس سلام محافظته على حكومته رغم اقتناع بري بأن الآلية المتفق عليها غير دستورية، ويخشى أن تكرّس أعرافاً جديدة ما يفرض استطراداً الإسراع في انتخاب رئيس جديد للجمهورية لتنتظم الأمور من جديد.

القرارات قابلة للطعن

في المقابل، أبرزت مصادر قانونية ونيابية أن الآلية المتفق عليها تجعل قرارات مجلس الوزراء قابلة للطعن، لأن وسيلة إصدارها غير دستورية، وهو ما أقرّ به الرئيس سلام نفسه خلال إطلالته الإعلامية بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء لـ<يزف> خبر الاتفاق على الآلية، علماً أن الوزراء توافقوا في ما بينهم وبالتنسيق مع الرئيس سلام على <ضبط> القرارات التي يمكن أن تثير اعتراضات أو طعناً تلافياً للثغرات التي يمكن أن يتم النفاذ منها لوقف تنفيذ قرارات ومراسيم.

في أي حال، ترى المراجع السياسية المتابعة أن انطلاق آلية عمل مجلس الوزراء سيعيد الحياة الى جلسات مجلس النواب واستئناف التشريع على أساس أن الانسجام الوزاري سينسحب على مجلس النواب الذي سيعود الى الانعقاد خارج جلسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لأن أسباب الغياب عن الجلسات التشريعية مختلفة عن أسباب الغياب عن الجلسات الرئاسية. إلا أن مثل هذا الأمر يتطلب تحضيرات و<مفاوضات> شارك فيها الرئيس فؤاد السنيورة الذي <يتزعم> المطالبين بعدم انعقاد مجلس النواب للتشريع، رغم أنه توافق مع الرئيس نجيب ميقاتي على عدم المضي بالمقاطعة، خلافاً لموقفيهما السابقين، وقد حرصا على إبلاغ الرئيس بري ذلك، الأمر الذي جعل رئيس مجلس النواب نبيه بري يبدي تفاؤلاً بإمكانية التئام المجلس للتشريع خلال أيام.