4 August,2020

آخــــر مــــا لصبـــــــاح أغنيتــــــان مــــن تلحينـــــــي لـــــم تبصــــــرا النــــــــور!

بقلم عبير انطون

SAM_7374

قد يكون آخر من لحن لـ<الاسطورة>، آخر من استقام امام رفيقه الأعزّ البيانو الذي دخل عالمه من باب الناي، ذاك الناي الذي سطّر قدره المهنيّ بعد أن كان يسمعه ليلياً عبر انغام احد العاشقين يعزفه لحبيبته عند شباك دارها. وكان هو، احسان المنذر، جار الصبية المحبوبة ينتظره اكثر منها ربما، فطلب من أبيه دراسة الموسيقى ودخل الكونسرفاتوار ولفت الانظار واكمل في ايطاليا التي تزوج فيها صديقته مارينا الجميلة الصوت وانجب منها اربعة اولاد أضحوا ثلاثة، بعد ان خطف حادث مفجع حياة أحدهم، فسافرت الزوجة والاولاد الى ايطاليا من دون رجعة. وكان الزواج الثاني من ابنة بلدة القاع كارول شحود وثمرته فراس وآية وقد انتج هدوءاً واستقراراً اسفرا عن اجمل الالحان واروعها لماجدة الرومي وراغب علامة وجوليا وغيرهم وعلى رأسهم <الصبوحة>، الشمس التي تشرق الآن في مكان آخر.

 هل كانت اغنيتا <يومين> و<ممنوع> فعلاً آخر ما غنت وسجّلت صباح من كلمات الشاعر طوني أبي كرم وألحان احسان المنذر؟ اين الاغنيتان اليوم؟ ما كانت ظروف ولادتهما ولم هما غائبتان عن البث والسمع؟ ما الذي كان يربط صباح بإحسان المنذر وما كانت آخر كلماتها له؟

الفن والخبز

في مكاتب <الأفكار> كان اللقاء مع نائب الهيئة التنفيدية لجمعية <مجلس المؤلفين والملحنين في لبنان> إحسان المنذر، ملحن روائع تسجلها الذاكرة بدءاً من <كلمات> (ماجدة الرومي)، و<وقف يا زمان> (جوليا بطرس) و<ياريت فيي خبّيها> (راغب علامة) الى لائحة تطول، وبدأنا بالسؤال الاول:

ــ يشكو الفنانون من غياب الدولة وتركهم لأقدارهم في نهاية المشوار، وغالباً ما تكون النهايات حزينة، الا يطعم الفن والموسيقى خبزاً؟

– الفن يطعم خبزاً للحريص المنتبه الذي لا يدخل في زواريب الادمان والتعاطي او المقامرة وللذي يخبئ قرشه الابيض ليومه الاسود. الحمد لله أنني وعيت لهذا الأمر وشكلت تربيتي البيتية درعاً ضد كل هذه الأمور. أملك اليوم ستوديو خاصاً بي في نيو روضة وكان قد كلفني حين أسسته في العام 1991حوالى 225 الف دولار واليوم يساوي اكثر من ذلك بكثير. من الناحية الاقتصادية انا مكتفٍ ومستور لكنني لم اجنِ ثروة كما يفعل المطربون.

صباح.. مدرسة

ــ بين المطربين الكبار كانت تجمعك صداقة بالصبوحة. اين كان اللقاء الأول بينكما؟

– ترتقي معرفتي بها الى العام 1988، وكنت يومذاك قائد الفرقة الموسيقية في برنامج <ستوديو الفن> الذي خرّج في ذاك الموسم نوال الزغبي وعاصي الحلاني وغيرهما. كانت الصبوحة ضيفة احدى الحلقات مع المخرج سيمون اسمر و أذكر حينئذٍ ان صباح حضرت في <البروفا> قبل الهواة جميعهم، فأنّبهم اسمر معطياً صباح ــ النجمة، كمثال للالتزام. قدّمت لها احترامي الكامل وقبلت يدها، فأنا ربيت على أغانيها. في تلك المرحلة، كانت الصبوحة سمعت بأغنيتي لماجدة <يا نبع المحبة> و<مطرحك بقلبي>، فسألتني: <ماذا في جعبتك لي؟>، مشيدة بالأغنية الاولى لأنها وجدت فيها رؤية واسعة، اذ إنها ليست دينية ولا هي وطنية صرفاً، فيها مناجاة للخالق وللرأفة بالإخوة المتقاتلين وطلب الهداية لهم.

ويضيف المنذر:

– كان شاعر الاغنية الكبير توفيق بركات لا يزال على قيد الحياة، فسألته ماذا يمكن ان نقدم من كلماته للصبوحة، وكان من اعطاها اجمل الكلمات (<ع الضيعة> التي لحنها لها الموسيقار عبد الوهاب) فأجاب: بحوزتي ما يليق بها الا اننا اليــــوم على جفـــــاء نوعـــــاً ما. وسبب الجفـــــاء باعتقـــــــادي ان النجمة كانت كريمة معه معنوياً ومادياً الا ان الامور تراجعت بعد ذلك بسبب ظروفهــــا وكثرة مشاغلها وأسفارها. وكان بركات عزيز النفس جداً علماً انه كان يعيش في <تخشيبة>. أخذت الكلام منه ولحنته ويقول مطلعه:

<حاكم فينا وما فينا نقلو لا تحكم فينا/ الحب بكل المحاكم هوي القاضي والحاكم>. وسجلنا الأغنية في ستوديو الياس الرحباني وكنا في العام 1988. بعد ذلك اندلعت حرب الالغاء، فتوجهنا، ماجدة الرومي وأنا، الى مصر وكذلك راغب علامة وكان له ألبوم <ما يجوز>. هناك، عرفت صباح انني في القاهرة فأرسلت لي سيارة <ليموزين> تقلّني اليها وكنت في فترة خطوبتي من سكرتيرتي ومعي خطيبتي وزوجتي حالياً، فأولتها اهتماماً كبيراً.

ــ كانت لكما سلسلة من الحفلات الناجحة معاً..

– لي مجد وتاريخ مع صباح، من رحلات الى المغرب وأميركا وافريقيا واستراليا وكان الى جانبها حينئذٍ فادي لبنان. قدمنا سلسلة حفلات على مدى سنتين واكثر، وكانت الشحرورة حينئذٍ قد تجاوزت الستين من دون ان تفقد أي بريق من سحرها وقوتها واناقتها. في كل حفلة كنا نحييها في أميركا كنا ندعى الى احياء اخرى جديدة، فمكثنا فيها ثلاثة أشهر. عند المغتربين، صباح هي ايقونة، <يتروحن> بها المغترب ويشم رائحة بلده فيها تماماً كما وديع الصافي وفيروز

وبحنين يزيد:

– لقد تعلمت من صباح الكثير، في التصرف ومعالجة القضايا الحياتية الصعبة التي تمر بالإنسان من محن ومصائب وغيرها. عند صباح حكمة كبيرة، لم تكتسبها من خلال شهادات جامعية فهي كانت <تخلّص> نفسها في اللغات مثلاً، بل من خبرة حياتية عميقة.

 بدّي غني!..

ــ كانت لك فترة من الجفاء مع السوبرستار راغب علامة في ذلك الوقت…

– لما عزمت على الزواج والاستقرار في لبنان، اعتذرت من راغب لعدم مكوثي معه اكثر في القاهرة وكنت مستشاره الصحافي والفني و بمنزلة اخيه الكبير. امتعض راغب، مع العلم انني كنت اتصلت بناصر الأسعد ليحلّ مكاني معه. بقينا على جفاء لخمس سنوات تقريباً.

ويضيف المنذر مسترجعاً:

– وفي تلك المرحلة لحنت لماجدة الرومي اغنية <كلمات>.

ــ ما كان رد شاعرها نزار قباني على اللحن الذي وضعته لكلماته؟

– أثنى جداً على اللحن ورحب به. ولا أزال محتفظاً برسائله لي.

ــ تذكرنا بأغنية <paroles> الفرنسية.. التي غنتها <داليدا>.

– نعم لناظمها الشاعر الفرنسي <جاك بريفير>.

ويتذكر المنذر رائعته بفخر ويزيد:

– لقد أعجب نزار قباني باللحن لأنني حافظت على هيبة نزار الشاعر. ولكن عندما لحن كاظم الساهر <زيديني عشقاً> لم يبدِ قباني الرضا عينه معلقاً: <قصائدي ليست للرقص>.

ــ بالعودة الى الصبوحة، متى كان آخر لقاء لك معها؟

– في مهرجانات <بيت الدين>، اثناء تكريمها بصوت رويدا عطيّة. كنت على رأس فرقة من اربعين شخصاً وأنشدت لها رويدا اجمل اغانيها. ورأى فيها البعض انها الأقرب الى من يؤدي أغاني صباح بجودة عالية. في هذا الاحتفال، كانت صباح موجودة وعز علي رؤيتها محمولة على كرسي للوصول الى مقعدها. في الكواليس سلمت عليها ودمعت عيناي. نادتني و قالت لي: <عجبك يا معلم؟ في يوم الاحتفال بي، في يوم تكريمي، اردت ان اغني شيئاً ولم يسمحوا لي>. وكانت السيدة نورا جنبلاط قد رفضت ذلك حتى تبقيها بأفضل صورة عند الجمهور والمحبّين وكان رأيي مطابقا لرأيها تماماً. فأجبتها: <لم تعودي بحاجة الى العمل والغناء. انت ملكة، اجلسي على عرشك واستمتعي بإرثك وتاريخك والناس السعيدة بك. لقد اديت رسالتك>. فأردفت عاتبة: <بحبّ ضلّ غنّي>.

وأضاف إحسان المنذر:

– إنها ارادة الحياة والاصرار عليها التي جعلتها تعيش هذا العمر المديد. زرت الصبوحة مرة في الفندق الذي كانت تعيش فيه في الحازمية برفقة ابنتي ورفيقتها وتصورنا معها ورحبت بنا جميعاً وكان ذلك منذ خمس سنوات تقريباً. لم اكرر الزيارات. بصراحة لا اتقبل ان ارى من احبهم بغير ما أعهدهم به.

ــ هل صحيح ان راغب علامة كان يدفع لقاء اقامتها في الفندق؟

– لا اعرف. لا استطيع ان اؤكد او انفي. هو نفسه تكتم عن الموضوع حين سئل عن ذلك.

رويدا الأقرب ونجوى اخطأت!

ــ كارول سماحة لعبت بطولة مسلسل <الشحرورة> وأدت اغانيها بجودة ايضاً. من هي خليفة صباح؟

– رويدا يليق بها الفولكلور اللبناني، وكارول الكلاسيكي ــ المودرن. ما من أحد يخلف الآخر. لكل واحد بصمته ومدرسته وما يزيده الى إرث العظماء.

ــ ونجوى كرم؟

– غلطة نجوى كرم الكبرى محاولتها ان تقدم <ابو الزلف> على طريقة صباح بهدف تحدّي صباح، إلا انها لم تنجح. عودوا الى <ابو الزلف>، تجدوا أنّ امكانيات صباح لا تقلد.

ــ ما هي الألحان التي قدمتها لصباح؟

– آخر ما تعاونت معها فيه كانت عشر اغانٍ في مسرحية <الأسطورة> التي عرضت في مسرح <الإليزيه> ــ الاشرفية بينها اغنية <اتهموني> من كلمات اخيها روجيه فغالي و<صعبة علي كثير> فضلاً عن <تابلوهات> راقصة واغانٍ مع الفنان جوزيف عازار الذي لحنت له أيضا <حبك هادر>، الى مقطوعات من الموسيقى التصويرية. وبعد ذلك كانت اغنيتا <يومين>، و<ممنوع علي> من كلمات الشاعر طوني أبي كرم.

ــ لنتحدث عنهما بالتفصيل، وهل هما فعلاً آخر ما تم تلحينه لصباح؟

– ربما هناك غيرهما وسمعت عن عمل مع الشاعر المرحوم الياس ناصر وأغنية اخرى وطنية شاركها فيها مغنٍ شاب لم ترسخ في الاذهان. أما بالنسبة لهاتين الاغنيتين، فإن اللحن الاول عاطفي تقول كلماته: <يومين يكونوا يومين/ شهرين يكونوا شهرين/ وعدني انك بدك ترجع/ كرمالك بنطر سنتين> فيما تتحدث الثانية عن كبرياء صباح: <ممنوع عليي ممنوع/ تكرج من عيني دموع/ ما بتقدر تحنيلي راسي/ راسي رح يبقى مرفوع>. كان لنا الشرف ان نتعاون مع الصبوحة في هاتين الاغنيتين ان دفعت الحقوق ام لا. كان هذا منذ 15 عاماً تقريباً ويظهر في الصوت، خاصة في أغنية <ممنوع> الكلاسيكية بعض التعب. اما في <يومين> الشعبية، وهي على مقام الكرد، فقد بدت مرتاحة جداً في أدائها. لقد طلبت ان تعيد تسجيل الاولى. الجميل في الصبوحة انها تعرف اين تخطئ فتطلب الاعادة من تلقاء نفسها، وهي من القليلات ان خرجت عن اللحن تعرف ذلك. مرة أسرّ لي احد مهندسي الصوت عندي في الاستوديو ان الصبوحة خرجت عن اللحن اثناء ادائها، فقلت: لا عليك، ستعيد من تلقاء نفسها، وهذا ما حدث بالفعل.

ــ لم تعرف الاغنيتان انتشاراً..

Banat00036

– طلبت مني الشحرورة الا تبثا قبل ان تدفع لنا حقوقهما. لم اتقاضَ وطوني ابي كرم الا ما نسميه بالعربون وكانت الصبوحة من جانبها تحاول ان تجد منتجاً. في تلك الفترة، كانت شركة روتانا تشكل <بعبعاً> وهي نفعت 10 بالمئة واضرت بكل الباقين.

ويعدّد المنذر، الذي يعتبر اول من مقدم البرامج الغنائية عبر برامج <بيانو ــ بيانو> و<دندنة> و<نغمات عالبال>:

– <ريلاكس ــ ان> لأحمد موسى و<صوت بيروت> لطوني سماحة، وشركة شاهين حذفتها <روتانا> من المشهد. تصوروا ان روتانا عندها ميسم نحاس وامل حجازي اهم من صباح، بل أهم من ماجدة الرومي التي حاولت ان تدخل الى روتانا الا انهم اعتبروها قديمة مثل صباح ووديع. تعاونوا لفترة مع جوليا بطرس التي احتضنتها أنا ايضاً ولحنت لها أغنية <وقف يا زمان> من كلمات الشاعر ايليا ابو شديد.

ــ ما مصير أغنيتي الصبوحة اليوم؟

– طلب مني شاب وهو لبناني مقيم في الكويت ان يغني مقطعاً من أغنية صباح <ممنوع> وأن يدخل صوته اليها، فتبث الاغنية بصوتيهما معاً. ارتأيت مع الشاعر طوني ابي كرم ان نتروى علماً ان المبلغ المعروض مغرٍ اذ يجب ان نعود الى المسؤولين عن <صوت> صباح واغانيها وهي الآن كلودا عقل ابنة اختها لمياء. ولما فاتحتها بالأمر، قالت لي: الاغنية في الكلمات والالحان تعود لكما وتملكان حق التصرف بها الا انه ممنوع ان يسجل غير صوت صباح في الاغنية عينها. وقد يكون الحل بأن يغنيها الشاب، الذي أطلعكم على اسمه لاحقاً، بصوته وحده، فتبث اغنية صباح أولاً ومن ثم تبث الاغنية عينها بصوته من دون اي دمج بينهما، مع تحويلها عندما يغنيها الشاب الى صيغة المؤنث وكأنه يتوجه بها الى صباح من شدة حبه لها.

ــ أي من الأغاني أحب الى سمعك؟

– لصباح احب <أخدو الريح> (الحان مطر محمد) و<ساعات> (الحان جمال سلامة).. ومؤخراً استوقفتني اغنية <أيام> للراحلة وردة الجزائرية من كلمات منير بو عساف ولحنها بلال الزين الذي اتوقع له مستقبلاً باهراً ويمكن ان نطلق عليه لقب شرنوبي- لبنان (نسبة الى الملحن صلاح الشرنوبي المصري).

ــ ماذا تسجل حالياً في الاستوديو من اغانٍ ولأي مطربين؟

– نسجل لـ<فلة> الجزائرية ما هو جديد وجميل، لنهاد طربيه العائد بعد غياب، ووليد توفيق النجم الكبير لا يسجل إلا عندي في الاستوديو أيضاً.