25 September,2018

آخر حديث مع «الأفكار» لأحمـــد الأسيـــر قبــــــل معــــــركـة عـبـــــــرا!

 

بقلم علي الحسيني

الاسير-وشاكر-وسر-حقيبة-الاموال شكلت عملية القبض على الشيخ أحمد الأسير منذ أسبوعين في مطار رفيق الحريري على يد فرع المعلومات في الأمن العام اللبناني صدمة كبرى لمناصريه قبل خصومه وأعدائه وأحدثت حالة من الفزع داخل صفوف جماعته وانصاره على عكس الارتياح الذي تولّد لدى الشارع المنافس له سواء في مدينة صيدا او خارجها.

بعد شيوع نبأ اعتقال الأسير تحول منزل ذويه في بلدة الهلالية قضاء صيدا الى خلية نحل ضمت الاقارب والاهل والجيران وبعض انصار الشيخ الذين منعوا عدسات كاميرا الصحافة من الدخول لإجراء اي حديث صحفي داخل المنزل. وحده والد الأسير كان يتحدث الى الحاضرين بجمل مقتضبة يعبر فيها عن وضع ابنه أحمد الذي تحوّل بنظره الى أسير لدى بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية ويطالب بإجراء محاكمة عادلة وشفافة له، ونبّه المسؤولين من ان الشيخ أحمد مصاب بمرض الروماتيزم ومرض السكري والاعصاب وانه يحتاج الى تناول الطعام كل ثلاث ساعات او أربع. وبينما يعلو الصراخ في منزل الوالد من قبل مناصري الشيخ الأسير الذين دعوا الى اعتصام كبير بهدف المطالبة بالإفراج عن شيخهم، كان والد الأسير يعمل طوال الوقت على ضبطهم ومنعهم من التحرك منعاً للاحتقان في الشارع وما يمكن ان يتسبب به اعتصام كهذا، خصوصاً وان الاجواء كانت مشحونة سواء من أنصار الأسير او من خصومه وتحديداً عناصر سرايا المقاومة الذين انتشروا في محيط صيدا وعبرا من دون سلاح.

بدورها والدة الأسير كانت تُقسم لبعض الحاضرات بأن ابنها لم يطلق رصاصة واحدة على الجيش وان هناك من ورطه في ذاك الاشتباك، وكانت تردد على الدوام <والله ابني آدمي وما بيعتدي على حدا لكن هناك من سهل له ظروف التظاهرات والتحركات ثم عاد وانقلب عليه>. وعبرت عن أسفها وحزنها لعدم تمكنها من لقائه في مبنى المديرية العامة للأمن العام في بيروت حيث توجهت مع زوجها لاعطاء عينات من الدم لإجراء فحص الـ<DNA> والتي تبين انها مطابقة للشخص المعتقل اي الأسير.

من هو الأسير؟

أحمد الأسير الحُسيني مواليد 13 تشرين اول 1968، عُرف عام 2011 بدعمه للثورة السورية، والده محمد هلال الأسير عازف عود ومطرب سابق ظهر في برنامج <ستوديو الفن>، والدته مسلمة شيعية من مدينة صور. نشأ وترعرع في منطقة حارة صيدا ذات الغالبية الشيعية في بيئة بعيدة عن التدين. ذاع صيت الأسير حين انتقد رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله الشيخ محمد يزبك حيث اتهمه بأنه تطاول على أصحاب رسول الله محمد ما أثار بلبلة وضجة في منطقة صيدا سرعان ما تحولت الى مناصرة للشعب السوري في مواجهة النظام وكانت نقطة تحركاته من مسجد <بلال بن رباح> في عبرا حيث كان يئم اتباعه كل يوم جمعة.

وُلد الأسير في صيدا ودرس العلوم الشرعية في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى في بيروت، واشتهر بلقب الأسير وهو لقب عرفت به عائلته كون احد أجداده أُسر من قبل الفرنسيين في مالطا أيام الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وبعد معارك واشتباكات دموية في بلدة عبرا بينه وبين الجيش اللبناني والتي أدت الى خروجه من المدينة بعد سقوط 18 شهيداً للجيش وأكثر من خمسين جريحاً، أصدر القضاء اللبناني عليه حكماً بالإعدام بتهمة الإقدام على تأليف مجموعات عسكرية تعرضت لمؤسسة الدولة المتمثلة بالجيش، وقتل ضباط وأفراد منه واقتناء مواد متفجرة وأسلحة خفيفة وثقيلة استُعملت ضد الجيش.

 

الأسير يظهر في سوريا

في أول إطلالة تلفزيونية له بعد خروجه من صيدا، ظهر الأسير عبر شريط مصور مع مقاتلين بلباس عسكري من داخل مدينة القصير قبل ان يحتلها حزب الله، وهو يمتشق بيده سلاحاً من نوع <كلاشينكوف>. وفي صورة أخرى يتنقل بين المواقع في ريف القصير عبر الخنادق. وأكد في الشريط انه دخل الى سوريا عن طريق الشمال وانها لن تكون المرة الاخيرة وشدد ايضاً على انه لن يسحب عناصره من القصير ما لم يقم حزب الله بسحب مقاتليه من هناك.

لم يضطر جهاز المعلومات التابع للأمن العام اللبناني الى استعمال القوة اثناء التحقيق مع الأسير لاخراج المعلومات منه اذ تؤكد المعلومات ان الشيخ اعترف لحظة القاء القبض عليه في المطار بأنه أحمد الأسير وبعد نقله الى مركز التحقيق في المديرية العامة للأمن العام انهالت عليه الاسئلة تحت الضغط النفسي الذي كان يعانيه لدرجة ان إجاباته أوقعت بعدد غير قليل من معاونيه ومموليه ومساعديه الذين سهّلوا له تأمين جواز سفر فلسطيني مزوّر باسم رامي عبد الرحمن طالب وبطاقة هوية فلسطينية مزورة، ولكن سرعة تسريب خبر الاعتقال عبر احد المواقع الالكترونية كان كفيلاً بهروب معظم الاسماء التي أوردها الأسير خلال التحقيق معه رغم حرص الأمن العام على عدم تسريب مضمون التحقيق خصوصاً وان المدير العام اللواء عباس ابراهيم اصدر تعليمات واضحة للضباط المكلفين إجراء التحقيقات بمنع التسريبات، فغابوا عن السمع وأغلقوا هواتفهم الخلوية.

الاعترافات تتوالى

 

توزعت اعترافات الأسير على ثلاثة مسارات: أحداث عبرا ومرحلة ما بعد عبرا الدعم السياسي والمالي والتسليح والخلايا وصولاً إلى توقيفه. اتهم الأسير سرايا المقاومة بأنها افتعلت الشرارة التي أشعلت أحداث عبرا والمواجهة مع الجيش وأكد انه يمتلك وثائق تؤكد أقواله بالصوت والصورة. كما اعترف انه وبعد احداث عبرا انتقل إلى الشمال وذكر ان زوجته وضعته في صندوق السيارة لتوصله إلى منزل رئيس هيئة علماء المسلمين الشيخ سالم الرافعي وانه مكث لدى الرافعي نحو اسبوع قبل ان ينتقل الى مكان اخر بتدبير من الشيخ خالد حبلص كاشفاً انه نقده خلال هذه الفترة كميات كبيرة من الأموال وصلت الى حدود المئتي ألف دولار. كما اعترف الأسير انه بعد الحملات الأمنية على طرابلس عاد الى مخيم عين الحلوة ومكث هناك لفترة طويلة ثم عاد وخرج منه الى منزل صديق له في مدينة صيدا حيث سكن فيه قبل يومين من القاء القبض عليه في مطار بيروت حيث كانت وجهته الاخيرة قبل ذلك بلدة جدرا في اقليم الخروب حيث تسلم هناك الاوراق الثبوتية المزورة تسهيلا لفراره خارج البلاد.

تواصل مع زوجته عبر <الواتس اب>

 

كما اعترف الأسير بأنه تواصل مع أصدقاء له في نيجيريا بقصد السفر الى هناك وقيل ان اصدقاءه لديهم علاقات مع جماعة <بوكو حرام> لكنها تبقى معلومات غير موثوقة. ولكن يؤكد انه غادر مخيم عين الحلوة آخر مرة مشياً على الاقدام الى منطقة الحسبة. وفي المحطة الاخيرة اي في جدرا اتفق مع معاونيه على أن يغادر الى المطار بسيارة أجرة وبالفعل حصل ذلك صباح السبت حيث انطلق الأسير الذي كان يحمل معه هاتفا خلويا يستخدمه حصرا للاتصال عبر تطبيقَي <سكايب> و<واتس اب> مع زوجته فقط وقال لها: <اذا ما حكيتك الساعة 12، بكون اعتقلت>. وبحسب افادة السائق يقول: <أوصلته الى المطار ولم يكن هناك اي أمر غير اعتيادي ولم أعلم بإلقاء القبض على الأسير الا بعد استدعائي للتحقيق>.

 

الخلاف مع شاكر وحقيبة

الـ500  ألف دولار

مصادر مقربة من الفنان فضل شاكر أكدت عبر <الافكار> انه كان على خلاف كبير مع الأسير وان العلاقة بينهما كانت مقطوعة بشكل نهائي في الفترة الأخيرة. هنا تكشف المصادر ان شاكر كان قد سلّم الأسير مبلغ 400 الف دولار نقداً قبل معركة عبرا بأسبوعين تقريباً لشراء أسلحة من فصيل سوري معارض بالتعاون مع إحدى الجهات الاسلامية في عين الحلوة ولتدريب مجموعات جديدة داخل المخيم. وفي تلك الاثناء كان الأسير جمع مبلغا يقارب 100 الف دولار من رجال اعمال في بلد عربي ومن خلال تبرعات في صيدا وجوارها متخذا من حزب الله عنواناً لحملته ورفع الظلم عن اهل السنة في لبنان وسوريا، وقد اتفق مع شاكر على ان يذهب بعض المال للنازحين السوريين من القصير وبعض مدن القلمون، لكن كل ما تم صرفه لم يتجاوز الخمسين الف دولار بينما احتفظ الأسير ببقية الاموال داخل حقيبة كان يتنقل بها من مكان الى اخر برفقة شخصين مقربين منه.

وتضيف المصادر: التقى الأسير وشاكر اكثر من مرة داخل مخيم عين الحلوة وجرى بينهما تلاسن وصل الى حد التهديد بالتصفية الجسدية، لكن سرعان ما سويت الامور بينهما إثر تدخل مسؤول في <جند الشام> لكن من دون ان تسفر عن اعادة العلاقة الى سابق عهدها.

اخر حديث للاسير قبل معركة عبرا

بتاريخ 24ــــ 6 ـــ2013 انهَت وحدات من الجيش اللبناني مدعومة بفوج المغاوير العملية العسكرية ضد المجموعة المسلحة التي يقودها الشيخ أحمد الأسير على أثر مقتل ضابط وعنصرين من الجيش وجرح اخرين على حاجز امني في منطقة عبرا قبل يوم واحد. قبل هذا التاريخ بفترة قصيرة كنا اتصلنا بالأسير بهدف إجراء مقابلة معه تتعلق بأوضاع صيدا والحوادث الأمنية التي تشهدها وعلى وجه التحديد بينه وبين عناصر سرايا المقاومة التابعة لحزب الله، لكن احد العاملين معه اعتذر منا لأسباب قال انها تتعلق بالوضع الأمني وبأن الشيخ قد اتخذ قراراً بعدم التصريح لأي وسيلة اعلامية.

في اليوم نفسه ليلاً اتصل بنا الشيخ الأسير ليعود ويتراجع عن قراره ويخبرنا قبوله إجراء لقاء معه محدداً الموعد في اليوم التالي العاشرة صباحاً. الدخول الى مربعه الأمني كان اشبه بالدخول الى ثكنة عسكرية. المسلحون كانوا منتشرين بجانب مسجد بلال بن رباح وفي اسفل المبنى الذي يقطنه والمواجه تماماً للمسجد.

نصعد الى الطبقة الثانية من المبنى حيث المنزل الذي يجمع زوجتيه وأولاده، البيت تحوّل بدوره الى خلية نحل للعسكر. غرفة للكاميرات المخصصة لمراقبة المنطقة باكملها، عناصر افترشت الارض داخل صالون المنزل ونساء منقبات بالكاد يستطيع الشخص ان يلمح خيالهن لحظة مرورهن من غرفة الى اخرى. لحظات ويحضر الأسير الذي كان مصاباً برشح يومئذٍ ليرحب بنا ويعتذر مجدداً عن رفض أحد معاونيه إجراء المقابلة.

أسباب منع نشر المقابلة في وقتها 

مع-الاسير

كانت الأمور تتخذ منحاً تصاعدياً بين الجيش والأسير. اشتباكات متقطعة جرحى من الجهتين وإطلاق النار على حواجز للجيش، فكانت بادرة منا بعدم نشر المقابلة مع وجود تحفظ ايضاً من قبل إحدى الاجهزة الأمنية التي تمنت علينا عدم النشر الى حين تمرير المرحلة التي طالت لفترة سنتين الى حين الاعتقال. يومئذٍ قال الأسير <حزب الله شاطر في تسويق عنوانه السياسي وله القدرة الكاملة على تسييس معظم رجال الدين الذين ينتمون لطائفته عن طريق المال الايراني الذي ينفقه بوفرة، ولأنه يتقن فن السلاح فهو يعمل على إشعال معارك وهمية لإلهاء الخصم وما يجري اليوم من احداث متنقلة هي واحدة من فنونه>.

وأشار يومئذٍ الى ان الجرح ينزف من كل الجهات <ولنا الحق ان نثور على الظلم الذي يلحق بنا وبأهلنا في سوريا. نريدها سلمية وكررنا هذا الأمر اكثر من مرة لكن حزب الله يصر على توريط البلد من خلال استفزازاته ومن خلال دعمه للنظام السوري على حساب دماء الابرياء وخصوصا الاطفال والنساء. اليوم نجد ان الحزب هو من يسيطر على مقدرات البلد وعلى مؤسسات الدولة، من يستطيع ان يقف في وجهه؟. وقال: دعوت الحزب اكثر من مرة الى تصفية القلوب مع المجتمع الصيداوي لكنه يتعمد إهانة هذا المجتمع سياسياً ومذهبياً وانمائياً. لقد طفح الكيل من ممارسات عناصره>.

في تلك الاثناء دخل احد مرافقيه الى غرفة الجلوس دون استئذان حيث اقترب من الأسير وهمس في أذنه. اضطر الشيخ الى قطع المقابلة مع اعتذاره منا وهو يردد لمرافقه كلمة: <يلا يلا نازل وانت بلّغ الشباب>. سألنا الأسير عما يحصل فاجاب: <يبدو ان زعران جماعة حزب السلاح ما بدهن يصلوا عالنبي>.

خطأ قاتل ارتكبه الأسير بتوجيه بندقيته نحو الجيش. هذا ما اكده لنا احد انصاره في صيدا لكن في الوقت نفسه كان على الجيش ان يلجم عناصر سرايا الحزب لكي لا تصل الأمور الى هذا الحد. ويقول <هناك جهة او طرف ثالث دخل على خط المواجهة يومئذٍ وبدأ بإطلاق النار على الجيش فاندلعت المعركة بطريقة جنونية>. وهنا يقول الشاب <هل تعرفون ان والدة الشيخ الأسير شيعية وهل تعلمون انه كان من الداعمين لحزب الله في زمن المقاومة وهل تعلمون بأنه كان يعمل في محل للالكترونيات وهو من قام بإصلاح كاميرا حزب الله الوحيدة التي كانوا يستخدمونها في تصوير عملياتهم>؟. تحدث الشاب كثيراً عن الأسير محاولاً إظهار الجانب الطيب منه، لكنه تناسى ان همجية الأسير هي التي أوصلته الى المكان الذي هو فيه اليوم وحيداً في زنزانته ينتظر حكماً بالإعدام او المؤبد إذا تعذر الأول.